القلق؛ صديقٌ كاذب وعدوٌّ صادق
القلق؛ صديقٌ كاذب وعدوٌّ صادق/ الدكتور محمد السقا عيد
القلق
صديقٌ كاذب وعدوٌّ صادق
بقلم: الدكتور محمد السقا عيد
يأتي القلق في صور متعددة؛ فيراه البعض حافزًا للتطور والإنجاز فيُطلقون عليه «القلق الإيجابي»، بينما يراه آخرون سببًا لاضطراب النفس وفقدان الاتزان فيصفونه بالسلبي، ويراه فريق ثالث أداةً لتنظيم مسارات الحياة وضبط القرارات. وجميع هذه الرؤى، على اختلافها، تندرج تحت مفهوم واحد هو القلق، باعتباره حالة إنسانية فطرية ملازمة لحياة الإنسان في مختلف مراحلها. وقلّما يمرّ يومٌ بلا قلق، خاصة حين يواجه أمرًا مصيريًا تتعلق به حياته أو مستقبله، وتغيب عنه ملامح النهاية. في مثل هذه اللحظات تتصاعد حدة القلق، فيشوّش التفكير، ويضعف الفهم، وقد يدفع إلى قرارات متسرعة لا تعكس حقيقة الواقع ولا حجم الحدث.
ويظل القلق حالة نفسية تستوجب التعامل معها بقدر كبير من الحكمة؛ حفاظًا على توازن الإنسان وقدرته على الاستمرار في أداء أدواره ومسؤولياته في الحياة. ومن هنا يصبح التوافق مع القلق، لا مصادمته ولا الاستسلام له، هو السبيل الأمثل للبقاء والإنجاز. فالمهادنة الواعية ليست ضعفًا، بل هي اختيار عقلاني، لما للهدوء من مكاسب عظيمة على مستوى التفكير والسلوك واتخاذ القرار.
ولذلك فإن العجز عن ضبط النفس في المواقف الضاغطة، التي تثير القلق وتستفز الانفعال، قد يُفرغ الإنسان من رصيده العقلي والعمري والاجتماعي، فيتحول – رغم خبرته ومكانته – إلى كائن منساق بردود فعل لا تليق بعمره ولا بمنصبه ولا بوجاهته الاجتماعية. وهنا تكون الخسارة مضاعفة، إذ لا تعكس أفعاله ما حصّله عبر سنوات طويلة من التجربة والمعرفة، وهو خلل واضح في الوعي الاجتماعي، رغم كون القلق ظاهرة إنسانية متجذرة في طبيعة البشر.
ومن هنا جاءت الحكمة المتداولة: «دع القلق وابدأ الحياة»، فهي دعوة صريحة لإعادة الاتزان قبل إصدار الأحكام أو اتخاذ المواقف. كما يُنصح الإنسان، إذا اعترته حالة غضب أو ارتباك شديد يفضي إلى القلق، أن يغيّر وضعه الجسدي؛ فيجلس إن كان واقفًا، أو يضطجع إن كان جالسًا، لما في ذلك من تهدئة فورية تساعد على المراجعة واستعادة الاتزان، وصولًا إلى القرار الصائب. فالغضب، في جوهره، ليس إلا مرحلة متقدمة من القلق.
ومثيرات القلق كثيرة، وغالبًا ما تأتي دون إنذار أو اختيار، فتربك الحسابات وتعصف بالثبات النفسي. ولأن القلق حالة داخلية غير مرئية، فإن التحكم فيه يرتبط بقدرة الفرد على إدارة انفعالاته، واحتضان هدوئه، وضبط أعصابه. وحين يتزاوج القلق بالغضب بشكل متكرر، يصبحان معًا عاملًا خطيرًا يؤثر سلبًا في مجريات الحياة، وقد يقتربان بصاحبهما من دائرة المرض النفسي أو العضوي.
لذلك يبقى التدريب المستمر على الهدوء والسكينة والاطمئنان هو السبيل الأضمن للتفكير السليم، والسلوك الرشيد، واتخاذ القرارات الصحيحة. فبقدر ما نملك القدرة على التحكم في قلقنا، نملك القدرة على التحكم في ذواتنا وحياتنا.
لا تقلق… سيريك الله عجائب قدرته، في تيسير ما تمنيت، ويُسخّر لك من الأقدار أجملها.