منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ

وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ/ د. محمد السقا عيد

0

وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ

بقلم: د. محمد السقا عيد

تُعدّ الآية الكريمة ﴿ وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ من الآيات التي تلفت الانتباه إلى الفرق الدقيق بين عمليتَي النظر والإبصار. وقد توقّف عندها المفسرون قديمًا لبيان معناها البلاغي والروحي، بينما يرى بعض الباحثين المعاصرين فيها بُعدًا من أبعاد الإعجاز العلمي، إذ تفرّق الآية بين الرؤية البصرية كعملية حسّية، وبين الإدراك الواعي كعملية عقلية عصبية.

فمن الناحية العلمية، يقرر علم وظائف الأعضاء أن عملية الرؤية لا تكتمل بمجرد سقوط الضوء على شبكية العين؛ فالعين تنقل الإشارات الضوئية عبر العصب البصري إلى مراكز متخصصة في الدماغ، حيث تُحلَّل وتُفسَّر لتتحول إلى صورة مفهومة. وقد أثبتت دراسات في علم الأعصاب أن الإنسان قد ينظر إلى شيء بعينيه المفتوحتين، ومع ذلك لا يدركه إدراكًا حقيقيًا بسبب خلل في المراكز الدماغية المسؤولة عن التفسير، أو بسبب انشغال الذهن وعدم تركيزه. وتُعرف بعض هذه الحالات في الطب باضطرابات الإدراك البصري، حيث تكون العين سليمة ولكن القدرة على الفهم البصري معطَّلة.

وهنا يتجلّى وجه من وجوه الدقة التعبيرية في الآية؛ إذ استخدمت لفظ ينظرون للدلالة على توجيه البصر، ثم نفت عنهم الابصار الذي يفيد الإدراك والفهم.

وهذا التفريق يتوافق مع ما كشفه العلم الحديث من أن الرؤية مرحلتان: مرحلة حسية بصرية، ومرحلة إدراكية عقلية. فالإنسان قد يرى بعينه، لكنه لا “يبصر” بقلبه أو عقله، فلا يصل إلى الفهم أو الهداية.

وعلى المستوى الإيماني، تشير الآية إلى حال المعاندين الذين يرون دلائل الحق واضحة أمامهم، لكنهم لا ينتفعون بها لغياب البصيرة. فالإعجاز هنا لا يقف عند حدود التفسير العلمي، بل يمتد ليؤكد حقيقة تربوية عميقة: أن الهداية تحتاج إلى استعداد داخلي، وأن الحواس وحدها لا تكفي ما لم يصاحبها وعي وتدبر.

وهكذا تجمع الآية بين الدقة اللغوية والبعد العلمي والإشارة التربوية، في تعبير موجز يحمل معاني واسعة، ويكشف جانبًا من جوانب الإعجاز في كتاب الله العزيز.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.