طوفان الأقصى”تساؤلات وبشارات”
بقلم: يعقوب زروق
﴿ إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾[آل عمران: 175] جمهور المفسرين على أنه يخوفهم بأوليائه. قال ابن كثير: ” أَيْ: يُخَوِّفُكُمْ أَوْلِيَاءَهُ، وَيُوهِمُكُمْ أَنَّهُمْ ذَوُو بَأْسٍ وَذَوُو شِدَّةٍ”[1]
وقال البغوي: ” أَيْ يُخَوِّفُكُمْ بِأَوْلِيَائِهِ”[2]
وهكذا في كل تدافع بين الحق والباطل ينبعث المثبطون، أولياء الشيطان يخوفون الناس، يزعزعون يقينهم بنصر ربهم القريب. بما ينفثون من تحليلات هي من وحي الشيطان من قبيل أن موازين القوى ليست في صالح المجاهدين أو أن العدو يملك كذا وكذا من أسلحة وأجهزة استخبارات ترصد دبيب النمل. لكن هيهات من يخاف الله أن يخاف غيره. هي تحليلات بعيدة كل البعد عن المنطق الإيماني القرآني. لكن قبل أن نناقش المسألة بمنظار الوحي والغيب دعونا نسأل أسئلة عقلانية لعلهم يفهمونها.
1 – تساؤلات:
ما الذي بقي لأهل فلسطين ليخافوا فقده؟ أليست الأرض اغتصبت، والمقدسات دنست، والذرية قتلت وهجرت؟ ما الذي بقي للعدو ولم يفعله تجاههم؟ هل ترك من كيد وعنف وإبادة وتهجير؟ هل كان رحيما حكيما يوما ما فنخشى أن تفقده ضربات المجاهدين حكمته ويتخلى عن رحمته؟ هل راعى يوما المواثيق الدولية؟ وفي المقابل أي الفريقين أحق بالخوف؟ أهل الأرض والحق أم المغتصب المحتل؟ من فقد كل شيء أم من يعيش البذخ؟ من طبعه الخوف أمن تعلم الرجولة منذ الصغر بل جبل عليها؟ ما نتائج عملية طوفان الأقصى على العدو وعلى جبهته الداخلية؟ أية آثر نفسية واقتصادية وديموغرافية وسياسية لها على العدو؟
ولنعد إلى الأصل ونسأل: متى انتصر المسلمون بكثرة عددهم وقوة عدتهم؟ أنسيتم يوم بدر حيث هزم ثلاثمائة وأربعة عشر رجلا ألفا من المشركين؟ أنسيتم يوم ألبت فلول بني النضير القبائل ضد المسلمين وحشدت الحشود في غزوة الأحزاب وغدرت بنو قريظة وعزموا مجتمعين متظاهرين على اجتثات المسلمين فردهم الله بغيظم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال؟ أنيستم يوم مؤتة حين مرغت ثلاثة آلاف مجاهد أنف مائتي ألف من الروم؟ أنسيتم القادسية واليرموك وعين جالوت وبطولات بين ذلك وبعده كثيرة.
2 – بشارات:
في القرآن الكريم وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بشارات كثيرة تربط على قلوب المؤمنين المجاهدين وتثبتهم وترسخ يقينهم في نصر ربهم. فالله عز وجل وعد أن ينصر المستضعفين وأن يمكن لهم دينهم. ووعد أن يدافع عن المؤمنين وأن ينصر من ينصره. وبشر بفتح منه قريب. وبإظهار الدين. ونهى عن الحزن والوهن. وعن الاستجابة لتثبيط المنافقين. وتوعد أن يكبت المجرمين وأن يخزي الفاسقين.
إن القرآن معجزة الله الخالدة. بشاراته قائمة متحققة لمن وفى بالشرط، لا تخص زمانا دون زمان. وإن معانيه متجددة لا تقتصر على حدث مضى. وإنه لا ىتنقضي عجائبه.
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [النور: 55]
إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ[غافر: 51]
إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ وَقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ۚ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ [المجادلة: 5]
وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشر أنه لا تزال طائفة من أمته ظاهرة على الحق لا يضرها من خذلها. عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” لا تزالُ طائفةٌ من أمتي على الدينِ ظاهرينَ لعدوِّهِمْ قاهرينَ لا يضرُّهم من خالَفَهم إلّا ما أصابهم من لَأْواءٍ حتى يَأْتِيَهم أمرُ اللهِ وهم كذلِكَ قالوا يا رسولَ اللهِ وأَيْنَ هم قال بِبَيْتِ المقدِسِ وأكنافِ بيتِ المقدسِ”[3]
وبشر أن يقاتل المسلمون اليهود حتى يختبئوا خلف الحجر والشجر. عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” لا تَقُومُ السّاعَةُ حتّى يُقاتِلَ المُسْلِمُونَ اليَهُودَ، فَيَقْتُلُهُمُ المُسْلِمُونَ حتّى يَخْتَبِئَ اليَهُودِيُّ مِن وراءِ الحَجَرِ والشَّجَرِ، فيَقولُ الحَجَرُ أوِ الشَّجَرُ: يا مُسْلِمُ يا عَبْدَ اللهِ هذا يَهُودِيٌّ خَلْفِي، فَتَعالَ فاقْتُلْهُ، إلّا الغَرْقَدَ، فإنَّه مِن شَجَرِ اليَهُودِ.”[4]
ليس في القرآن والسنة التبشير فقط بالنصر على العدو وإنما يدلان المسلمين على المنهاج الحكيم لبناء المؤمن العبد. تلك العبودية الحقيقية التي تؤهله لأن يناديه الحجر والشجر ويتشرف بها في تلك النسبة لربه في قوله “عبادا لنا” في سورة الإسراء. هذه السورة النبراس في قضية التدافع بما تدل عليه من ترابط بين مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفساد بني إسرائيل وبما ترشد إليه من ذكر وتهجد وصلاة وتوجيهات متعلقة بالأسرة وبالعلاقات الاجتماعية.
إن القرآن الكريم يكشف لنا العدو ويبين نقاط ضعفه ويعري خباياه وخفاياه فيراه المؤمنون مكشوفا أمره. هذا العدو بينه القرآن أنه:
أ – يعيش الرعب المزمن:وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا [الأحزاب: 26]
بــ – نفسيته محطمة: لَا يُقَٰتِلُونَكُمۡ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرٗى مُّحَصَّنَةٍ أَوۡ مِن وَرَآءِ جُدُرِۭۚ بَأۡسُهُم بَيۡنَهُمۡ شَدِيدٞۚ تَحۡسَبُهُمۡ جَمِيعٗا وَقُلُوبُهُمۡ شَتَّىٰۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَعۡقِلُونَ[الحشر: 14]
جـ – جبهته الداخلية غير موحدة: لَا يُقَٰتِلُونَكُمۡ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرٗى مُّحَصَّنَةٍ أَوۡ مِن وَرَآءِ جُدُرِۭۚ بَأۡسُهُم بَيۡنَهُمۡ شَدِيدٞۚ تَحۡسَبُهُمۡ جَمِيعٗا وَقُلُوبُهُمۡ شَتَّىٰۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَعۡقِلُونَ [الحشر: 14]
د – انعدام الفاعلية ودناءة الهدف: وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ۚ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ [البقرة: 96]
هـ – سوء التدبير والتخطيط:لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ [الحشر: 13] لَا يُقَٰتِلُونَكُمۡ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرٗى مُّحَصَّنَةٍ أَوۡ مِن وَرَآءِ جُدُرِۭۚ بَأۡسُهُم بَيۡنَهُمۡ شَدِيدٞۚ تَحۡسَبُهُمۡ جَمِيعٗا وَقُلُوبُهُمۡ شَتَّىٰۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَعۡقِلُونَ[الحشر: 14]
الهوامش:
[1] – تفسير ابن كثير — ابن كثير (774 هـ)
[2] – تفسير البغوي — البغوي (516 هـ)
[3] – مجمع الزوائد – الهيثمي 7/291
[4] – صحيح مسلم – 2922