منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

حكم كتابة اسم الميت على القبر

الشيخ عبدالله بنطاهر التناني /حكم كتابة اسم الميت على القبر

0

حكم كتابة اسم الميت على القبر

للشيخ عبدالله بنطاهر التناني

 

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه.

سألني أحد الإخوة عن هذا الإشكال فكان نص السؤال: “السلام عليكم، لطف الله بنا وبكم فيما جرت به المقادير آمين، أرجو منكم أستاذنا الكريم أن توضحوا لنا حكم الكتابة على القبور: ما الذي يجوز منها وما لا يجوز، وجزاكم الله عن المسلمين خيرا؟”

الجواب وبالله التوفيق:

كنت حضرت ذات يوم في المقبرة لدفن جنازة فالتقيت هناك بعض من يدعى السلفية العامية بعيدا عن السلفية العلمية يزمجر ويستنكر الكتابة على القبور، ويدخل كل من كُتِب اسمُه على قبره في النار، كأن الله تعالى منحه مفاتيح جهنم يدخل إليها من شاء، واستدعى الأمر بمناسبة هذا السؤال توضيح المسألة توضيحا علميا حتى يزول الإشكال إن شاء الله فأقول:

الأصل في هذه المسألة ما روى الترمذي وصححه عن جابر: «نهى النبيﷺ عن تجصص القبور وأن يكتب عليها وأن يبنى عليها وأن توطأ»(1)، وأخرجه مسلم وليس فيه «وأن يكتب عليها»، لكونها غير صحيحة عنده على شرطه(2)، ولاختلاف الرواة على هذه العبارة كما ذكر الدارقطني(3)؛ فبعضهم ذكرها وبعضهم لم يذكرها، فقد يكون السند صحيحًا والمتن شاذًّا، كما هو معلوم عند المحققين من أهل الحديث.

قال ابن العربي تعليقا على هذا الحديث: “وَأَمَّا الْكِتَابَةُ عَلَيْهَا فَأَمْرٌ قَدْ عَمَّ الْأَرْضَ، وَإِنْ كَانَ النَّهْيُ قَدْ وَرَدَ عَنْهُ وَلَكِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ، تَسَامَحَ النَّاسُ فِيهِ، وَلَيْسَ لَهُ فَائِدَةٌ إلَّا التَّعْلِيمُ لِلْقَبْرِ لِئَلَّا يَدَّثِرَ”(4).

وقال الإمام الحاكم في المستدرك بعد أن ذكر أحاديث النهي عن الكتابة على القبور: “هذه الأسانيد صحيحة و ليس العمل عليها؛ فإن أئمة المسلمين من الشرق إلى الغرب مكتوب على قبورهم، وهو عمل أخذ به الخلف عن السلف”(5).

وعلى كل حال لو سلمنا بصحة الحديث، فهو محمول على الكراهة، فإن أكثر أسباب الكتابة على القبر هو تعليمه حتى تتم زيارته، وهذا مقصد مشروع، ودليله العام الترغيب في زيارة القبور، خاصة الأقارب فتزول الكراهة.
ولهذا اختلف العلماء في ذلك إلى قولين: الكراهة وهو المشهور عند المالكية والشافعية والحنابلة، ثم الجواز وهو مذهب الحنفية وبه قال الامام ابن العربي، والحطاب، والدسوقي من المالكية، والإمام السبكي، وأبو عبد الله الأذرعي، وابن حجر الهيتمي من الشافعية، وَيُحْمَلُ النَّهْيُ عندهم في الحديث عَلَى مَا قُصِدَ بِهِ الْمُبَاهَاةُ وَالزِّينَةُ وَالصِّفَاتُ الْكَاذِبَةُ، أَوْ كِتَابَةَ الْقُرْآنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، أما إِنْ اُحْتِيجَ إلَى الْكِتَابَةِ حَتَّى لَا يَذْهَبَ الْأَثَرُ وَلَا يُمْتَهَنَ فَلَا بَأْسَ بِهِ(6).

وحتى الشيخ ابن عثيمين وهو من شيوخ السلفية العلمية المعاصرة يقول: “والكتابة عليه فيها تفصيل: الكتابة التي لا يراد بها إلا إثبات الاسم للدلالة على القبر، فهذه لا بأس بها، وأما الكتابة التي تشبه ما كانوا يفعلونه في الجاهلية يكتب اسم الشخص ويكتب الثناء عليه وأنه فعل كذا وكذا وغيره من المديح، أو تكتب الأبيات، فهذا حرام”(7).

وبناء على ما سبق فكتابة اسم صاحب القبر إذا كان للحاجة بقصد التعرف عليه لا كراهة فيها، وخصوصا إذا كان من العلماء والأمراء الصالحين التاريخيين حتى لا يندثر، وليس في المذاهب الأربعة في المعتمد عندهم قولٌ بالتحريم، فالقول بتحريم الكتابة على القبر تشديد بعيد عن روح الفقه ومسالكه. والله أعلم…


الهوامش:

(1) سنن الترمذي: كتاب الجنائز: باب ما جاء في كراهية تجصيص القبور والكتابة عليها: (3/368)،
(2) صحيح مسلم: كتاب الجنائز: باب النَّهْىِ عَنْ تَجْصِيصِ الْقَبْرِ وَالْبِنَاءِ عَلَيْهِ: (3/61).
(3) العلل للدارقطني: (13/349).
(4) عارضة الأحوذي شرح الترمذي لابن العربي: 2/419، و
(5) المستدرك على الصحيحين للحاكم: (1/525).
(6) مواهب الجليل للحطاب: (3/66)، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير: (1/425)، وحاشية ابن عابدين الحنفي: (2/238)، والفتاوى الفقهية الكبرى لابن حجر الهيتمي: (2/12).
(7) شرح رياض الصالحين للشيخ ابن عثيمين: (5/521 و522).
(ودعواتكم رأس مالي ورصيد اعتمادي)

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.