منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

العبادة المهجورة؛ إغاظة الكفار والمنافقين (خطبة)

بنسالم باهشام

0

عباد الله، الكثير من المسلمين والمسلمات، يحصرون العبادات في مجال ضيق يقتصر على الطقوس الدينية، والشعائر الموسمية التعبدية، هذا في مجال التدين، ويأتي الإسلام في مجال الدين، ليوسع نطاق العبادة من مجرد شعائر دينية تمارس في أوقات معينة مثل الصلاة والصوم والزكاة والحج، إلى حياة الإنسان كلها، فيجعل الكون كله محرابا للعبد المؤمن، مصداقا لقوله تعالى من سورة الأنعام: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) [الأنعام: 162، 163]،

ومن العبادات التي يجهلها الكثير من المؤمنين والمؤمنات، بل قد توشك على الاندثار في زمننا، وحتى إن مورست فإنها لا تمارس على أنها عمل صالح وعبادة يؤجر صاحبها، والتي يقتضي الواجب الإيماني إحياؤها في النفوس، وإشعار المؤمنين بأهميتها وضرورتها، وبالخصوص في هذه الظروف العصيبة التي تمر على المسلمين، والتي تألب عليهم فيها الحكام الظلمة مع الكفار المجرمين أعداء الدين، فحاصروا شعوبهم المسلمة بحدود مصطنعة سموها الوطن، وهكذا رغم عددهم وعدتهم أصبحوا شذر مذر، لا يخشى جانبهم، ولا يرهب عددهم رغم كثرتهم، بسبب هذه الحدود المفرقة، وبالتالي أصبحوا عاجزين عن نصرة إخوتهم في فلسطين، وتحرير أراضينا المقدسة من أيادي اليهود الظلمة المغتصبين، هذه العبادة التي لها أثر إيجابي فعال في جانب المؤمنين، وأثر سلبي في جانب أعداء الدين من الكفار والمنافقين، أتدرون عباد الله هذه العبادة المهجورة التي لها كل هذه الأهمية؟ إنها عبادة إغاظة الكفار والمنافقين.

عباد الله، لقد ذكر القرآن الكريم هذه العبادة التي هي إغاظة الكفار والمنافقين، وأشاد بها، واعتبرها عملا صالحا، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرص على إغاظة الكفار والمنافقين والنكاية بهم أشد الحرص، ونحا منحاه الصحابة رضوان الله عليهم.

فما هي الآيات القرآنية التي تتحدث عن هذه العبادة المهجورة؟ وما هي الأحاديث النبوية الشريفة التي تجسد نماذج حية من هذه العبادة؟ وما هي بعض صور هذه العبادة زمن الصحابة رضوان عليهم؟ وكيف نجسد هذه العبادة على أرض واقعنا المعيش؟ هذا ما سنجيب عنه إن شاء الله تعالى في خطبتنا هذه.

عباد الله، لقد ذكر الله سبحانه وتعالى عبادة إغاظة الكفار والمنافقين  في معرض كلامه عن الجهاد في سبيله، فقال سبحانه في سورة التوبة: ( مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ، وَلاَ يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ، ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَلاَ يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ، وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ، إِنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ) [التوبة 120].

عباد الله، يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله في شأن هذه الآية التي تتحدث عن عبادة إغاظة الكفار والمنافقين: (يعاتب تعالى المتخلّفين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تَبُوك، من أهل المدينة ومن حولها من أحياء العرب، ورغبتهم بأنفسهم عن مواساته فيما حصل من المشقة، فإنهم نَقَصُوا أنفسهم من الأجر؛ لأنهم  “لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ” وهو: العطش، “وَلا نَصَبٌ” وهو التعب، “وَلا مَخْمَصَةٌ” وهي المجاعة، “وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ” أي: ينزلون منزلا  يُرهبُ عدوهم، “وَلا يَنَالُونَ” منه ظفرًا وغلبة عليه، إلا كتب الله لهم بهذه الأعمال التي ليست داخلة تحت قدرتهم، وإنما هي ناشئة عن أفعالهم، أعمالا صالحة وثوابا جزيلا، “إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ“، كما قال تعالى في سورة الكهف: “إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلا”) [الكهف: 30. تفسير القرآن العظيم (4/ 234)]. فهذه الآية الكريمة من سورة التوبة التي فضح الله فيها المنافقين، يعتبر سبحانه وتعالى نزول المؤمنين أرضًا يُغضِبُ الكفارَ، عبادة وعملا صالحا يؤجر عليه المؤمنون.

عباد الله، الآية الثانية التي تعتبر إغاظة الكفار من صميم الدين، قوله تعالى من سورة الفتح: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) [الفتح: 29].

عباد الله، هذه الآية الكريمة التي أوجدها الله في سورة الفتح، تتحدث عن خصلة الصحبة والجماعة والتي هي مفتاح لكل خير، مغلاق لكل شر، والتي تجمع عددا من شعب الإيمان، يفصل الله فيها فيقول: محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو المصحوب، والذين معه وهي الجماعة المؤمنة من الصحابة رضوان الله عليهم، والذين هم على دينه، ويبين سبحانه وتعالى ثمار هذه الصحبة في هذه الجماعة، أنهم أشداء على الكفار، رحماء فيما بينهم، تراهم ركعًا سُجَّدًا لله في صلاتهم، يرجون ربهم أن يتفضل عليهم، فيدخلهم الجنة، ويرضى عنهم، علامة طاعتهم لله ظاهرة في وجههم من أثر السجود والعبادة، وهذه صفتهم في التوراة. وصفتهم في الإنجيل، كصفة زرع أخرج ساقه وفرعه، ثم تكاثرت فروعه بعد ذلك، وشدت الزرع، فقوي واستوى قائمًا على سيقانه جميلا منظره، يعجب الزُّرَّاع؛ ليَغِيظ بهؤلاء المؤمنين في كثرتهم وجمال منظرهم الكفار.

أما إغاظة الكفار والمنافقين في السنة النبوية الشريفة ففيها نماذج عديدة سنقتصر على بعض منها:

  • أولا: الهجرة من مكة إلى المدينة

فهجرة المسلمين عموما، وهجرة الرسول صلى الله عليه وسلم خصوصا من مكة إلى المدينة، كان فيها مغايظة للكفار، الذين حاولوا منعها بشتى السبل؛ لأنهم لا يريدون أن يخرج عدوهم الذي يراغمهم من مكة؛ ليصبح حراً طليقاً، يدعو إلى دينه، ويعمل ما يشاء، بل يريدونه تحت القهر والإذلال في مكة، فكان من فوائد الهجرة المراغمة لأعداء الله، قال تعالى في سورة النساء: (وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً) [النساء: 100].

  • ثانيا: الجمل الهدي في عمرة الحديبية

لما خرج النبي ﷺ إلى عمرة الحديبية  في جيش المسلمين، وساق معه هدياً، – ومن السنة الهدي في العمرة أيضاً، وليس فقط في الحج -، كان من جملة هدي النبي ﷺ جمل، فما هي قصة هذا الجمل؟ ولمن كان الجمل؟ ولماذا خرج بهذا الجمل ضمن هديه؟ وما علاقة الجمل بعبادة إغاظة المشركين؟

قال ابن عباس رضي الله عنهما: إن رسول الله ﷺ أهدى عام الحديبية في هدايا رسول الله ﷺ نحر جملاً، أهدى بالنحر جملاً كان لأبي جهل- أُخذ من أبي جهل في بدر- كان لأبي جهل في رأسه برة فضة، قال ابن عباس رضي الله عنهما: يغيظ بذلك المشركين”، قال ابن القيم رحمه الله في فوائد هذه الغزوة العظيمة: ومنها: استحباب مغايظة أعداء الله، فإن النبي ﷺ أهدى في جملة هديه جملاً في أنفه برة من فضة يغيط به المشركين.

  • ثالثا: ثبات بلال رضي الله عنه على الحق

عباد الله، كان بلال رضي الله عنه يغيظ الكفار بثباته على الحق، ويقول تلك الكلمة التي كانت ترفع ضغط أمية بن خلف، وتجلب العصبية الشديدة لأبي جهل: “أحد أحد”، وكان رضي الله عنه يقول: ولو أعلم كلمة أحفظ لكم منها لقلتها”، يعني تستثير حفيظتكم أكثر من هذه الكلمة أحد أحد، لقلتها.

  • رابعا: الاختيال والتكبر عند القتال

عباد الله، إن مشية الصحابي الجليل أبو دجانة رضي الله عنه وهو يتبختر، بمشيته وبثوبه أمام الكفار لإغاظتهم، هي من صميم الدين ويحبها الله تعالى رب العالمين.

عباد الله، الكبر في الإسلام محرم ومن الكبائر، ومشية الخيلاء يجلجل الله صاحبها في النار يوم القيامة، ويمكن أن يخسف به الأرض، ولا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، لكن النبيﷺ قال: وإن من الخيلاء ما يبغض الله، ومنها ما يحب الله، فما هي هذه الخيلاء التي يحبها الله؟ الخيلاء التي يحب الله تعالى، اختيال الرجل نفسه عند القتال، وأما التي يبغض الله فاختياله في البغي.

فالاختيال والتكبر المحمود بأن يمشي المؤمن المجاهد مشية المتكبرين عند التقاء الصفين، وإذا توجه الجيشان في المعركة، فإن قيام المسلمين بالتبختر أمام الكفار، ومشيهم مشية الكبر أمامهم، والدخول في المعركة بالنشاط والقوة، وإظهار الجلادة والتبختر، والاستهانة والاستخفاف بالأعداء لإدخال الروع في قلوبهم، وتخويفهم، عبادة، ويحبها الله في هذا الموضع.

  • خامسا: فتح المعركة الإعلامية على الكفار بلسان حسان رضي الله عنه

عباد الله، لماذا اشتغل حسان بن ثابت بهجو الكفار؟ ولماذا قُدم من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم؟ ولماذا سعى النبي ﷺ لفتح المعركة الإعلامية على الكفار بلسان حسان بن ثابت رضي الله عنه؟ ولماذا طلب من الشعراء من الصحابة رضي الله عنهم أن يتكلموا؟ إن في كل هذا عبادة إغاظة الكفار والمنافقين، قال ﷺ لحسان رضي الله عنه: (اهجُ قريشاً، فإنه أشد عليها من رشق بالنبل)، وقال لحسان رضي الله عنه: (إن روح القدس لا يزال يؤيدك ما نافحت عن الله ورسوله). وقال ﷺ: (هجاهم حسان، فشفى واشتفى).

عباد الله، بناء على ما ذكر من نصوص شرعية من الكتاب والسنة وفعل الصحابة رضي الله عنهم، يتبين لنا مدى أهمية عبادة إغاظة الكفار والمنافقين، والتي تتخذ صورا متعددة في عصرنا الحالي ونحن في صراع مستمر مع الكفار والمنافقين، فلا نستهين بها، بل هي عبادة وعمل صالح، ومن أعمال المحسنين، فما علينا إلا أن نعظم النية، من المواقف: الوقفات التي يقفها المؤمنون والمسيرات التي يعقدونها، في الكثير من البلدان المغربية نصرة لإخوتنا الفلسطينيين، ونصرة لكل المستضعفين في مشارق الأرض ومغاربها، فهي إغاظة للكفار والمنافقين، ورفع عدد المشاهدات للمواقف الإسلامية المشرفة التي تنشر على وسائل التواصل الاجتماعي هي إغاظة للكفار والمنافقين كذلك، وحالة تلك المرأة الفلسطينية التي يزف إليها خبر استشهاد ابنها الشاب، فتزغرد بدل الصراخ والعويل، والندب وشق الجيوب، إغاظة للكفار والمنافقين، وتبسم تلك الفتاة الشابة الفلسطينية والجنود اليهود يضعون القيد في يدها إغاظة للكفار والمنافقين، ومحافظة المؤمنين على الصلوات الخمس والجمعة وقد أخذوا بزينتهم عند كل مسجد، إغاظة للكفار والمنافقين…، هذه بعض الصور لعبادة إغاظة الكفار والمنافقين، فما على المسلمين والمسلمات إلا أن يبدعوا وينوعوا في صور وأشكال عبادة إغاظة الكفار والمنافقين، فهي نوع من الجهاد، ونوع من أنواع تدافع أهل الحق مع أهل الباطل.

فاللهم يا رب الأرباب، ويا من إذا دعي استجاب، انصر إخوتنا الفلسطينيين، وأتحفهم بنصر قريب، وتحرير لمقدسات الدين، وتقبل عندك شهداء المسلمين، واشف جرحاهم، وأطلق سراح أسراهم، ودمر أعداءهم في كل مكان، وخذ بأيدينا في المضايق، واكشف لنا وجوه الحقائق، حتى نعلم أن لا ناصر لنا سواك، ولا معز لنا غيرك، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.