منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

سلطانٌ عنيف يُهين عالما كبيرا ويقتــ..ـلـه خنقا

عبد الهادي المهادي

0
سلطانٌ عنيف يُهين عالما كبيرا ويقتــ..ـلـه خنقا
بقلم: عبد الهادي المهادي
يعتبرُ أبو محمد عبد السلام بن أحمد جسوس الفاسي واحدا من أشهر علماء المغرب زمن العلويين. نشأ وترعرع في فاس. أخذ العلم عن كبار علماء وقته، أمثال الشيخ محمد بن عبد القادر الفاسي، والشيخ ميارة، وأبي علي الحسن اليوسي، وأبي العباس بن الحاج، وأبي سالم العياشي. حلّاه الأستاذ علال الفاسي بقوله: “كان متكلّما نظّارا، وعالما فقيها، وأديبا شاعرا، وزاهدا عابدا”؛ شاعرا على طريقة الفقهاء ونظمهم.
كان عالِمُنا واحدا من جملة فقهاء زمانه ـ كما يضيف أستاذنا علال ـ “المُتحمّسين للدولة العلوية والمُعلّقين كلّ الآمال على السلطان المولى إسماعيل لتحرير المناطق المغربية المغتصبة”، ولكن هذا الحماس لم يجعله يستكين ويصمت على ما يعتبره “أمرا ونهيا” من وجهة الشّرع، وهذا ما جعل السلطان يتنكّر له.
ارتبط اسمه بشكل وثيق جدا بما عرف زمن السّلطان إسماعيل (ت.1727). بـ “تمليك الحراطين”، ومن خلالها اصطدم العالِمُ بالسلطان، ولم يتورّع الأخير أبدا ـ في قصّة طويلة ـ عن قتله خنقا بعد إهانته، وهي واحدة من القصص المُخزية ضمن السّنوات الطويلة لحكم السلطان العنيف.
يُجمع المؤرّخون على أن المغرب بعد استتباب الأمر للسلطان إسماعيل واجهته عدّة تحدّيات، ولكن مسألة “تمليك الحراطين” تُعدّ من أخطرها؛ حيث سعى السلطان ـ كما يلخّص الأمر أحد الباحثين ـ لإنشاء جيش قوي ومحترف، شبيه بالإنكشارية العثمانية، يُعرف باسم جيش عبيد البخاري، بهدف تقوية السلطة المركزية وإضعاف نفوذ القبائل التي كانت تنازع الدولة سلطتها العسكربة، فواجه مشروع التّمليك معارضة شديدة من علماء عصره، الذين رفضوا إضفاء الشّرعية على تمليك كل من يحمل اللون الأسود، حتى لو كان حرا، وإجباره على الانضمام إلى هذا الجيش، بدعوى أنّهم جميعا ـ كما أشار عليه أحد قوّاده المسمى عليلش ـ كانوا عبيدا للدّولة السعدية، و”أنّهم تفرّقوا بعدها شذر مذر ـ كما يقول الأستاذ علال ـ فأصبح من الممكن جمعُهم على اعتبار أنهم عبيد جُهل مُلاكهم الشرعيون فأصبحوا ملكا للدّولة”، مما أدى إلى تصاعد المعارضة بشكل قويّ من قِبل العلماء والفقهاء، وكان علّامتنا جسوس في مقدّمة المعارضين. فأدى ذلك، في النّهاية، إلى قتله خنقا في سجن القلعة بفاس ليلة الخميس، الخامس والعشرين من ربيع الثاني عام 1121 هـ./1709م.
وقبل قتله، كان السلطان قد أكثر من تهديد علماء فاس وتوعّدهم شرّا، دون نتيجة تُذكر في تطويع العلماء للفتوى بالذي يريده. حوصرت المدينة، وقُبض على الفقيه الكبير، وصودرت جميع ممتلكاته، وأُرْغِمَ على الجلوس في مداخل الأسواق وعلى قارعة الطريق، وأُركبَ حمارة ووجهه إلى الخلف، يستجدي النّاس الفِداء، فكانوا يقدّمون له الأموال والحليّ وهم يبكون. وهذا ما زاد من غيض العامل محمد الرّوسي، شأن كلّ سلطة حين ترى التفاف النّاس حول علمائهم.
أثناء محنته الشّديدة استيقن علّامتنا بأنه لا مَحالة مقتول، وحينها كتب منشورا، عالي الفهم، شديد القوّة، ثمّ دفعه لمن بثّه في النّاس، قال فيه رحمه الله تعالى: ” الحمدُ لله. يشهدُ الواضعُ اسمَهُ عقبه، على نفسه، ويشهدُ اللهُ تعالى وملائكته وجميعُ خلقه، أنّي ما امتنعتُ عن الموافقة على تمليكِ من ملكَ من العبيد، إلا لأنّي لم أجد له وجها ولا مسلكا ولا رخصةً في الشرع، وأنّي إن وافقتُ عليه طوعا أو كرها فقد خنتُ الله ورسوله والشرع، وخفتُ من الخلود في النار بسببه. وأيضا فإني نظرتُ في أخبار الأئمة المتقدمين حين أكرهوا على ما لم يظهر لهم وجهه في الشرع، فرأيتهم ما آثروا أموالهم ولا أبدانهم على دينهم خوفا منهم على تغيير الشرع واغترار الخلق بهم. ومن ظنَّ بي غير ذلك وافترى عليَّ ما لم أقله وما لم أفعله، فالله الموعد بيني وبينه. وحسبنا الله ونعم الوكيل. وكتب عبد السلام بن حمدون جسوس غفر الله ذنبه، وستر عيبه”.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.