منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

صباحٌ قصير في بحر خليج طنجة(قصة قصيرة)

صباحٌ قصير في بحر خليج طنجة/عبد الهادي المهادي

0

صباحٌ قصير في بحر خليج طنجة(قصة قصيرة)

بقلم: عبد الهادي المهادي

جلستُ تحت المظلّة أتأمّل البحر الهادئ الذي يشكّل خليج طنجة، كان راكدا تماما كمن غادرته أمواجُه، ولم يُقبل أيُّ نورس ليحلّق فوقه في ذلك الوقت، ربما كانت تلك الطيور النّهمة منشغلةً بوليمة في مكان آخر ليس بعيد عنّا، فلا شيء يدفعها لتهجر “البلايا” (plaia) غير ذلك. وكانت الشمس حارقةً عندما تنفلتُ من قبضة غمام يجعل الجو باردا ـ فجأة ـ لحظة التفافها عليها، وفي الخلف انطلق الأطفال الذين صاحبوني يلعبون الكرة بفرح وصخب كمن أُطلق سراحهم حديثا.
لأهل طنجة تراثٌ غني من الذكريات مع “البلايا”، ذكريات من المؤكّد أنها ستملأ مجلّدات لمن وجد من نفسه الهوى والقدرة على تسجيلها، ذكريات انقطعت بالنسبة لي مع بداية التسعينات، لأنّني توقّفتُ تماما عن غشيان هذا الشاطئ، باستثناء الصباح الباكر للاستمتاع بلعب الكرة. ومازلت لحدّ الآن كلما رأيتُ شبابا يجرون خلف تلك “المستديرة” إلا وأصابتني شبه قشعريرة؛ كنتُ يوما أعشقها.

جلستُ وحيدا بعد أن نسيت كتابا اخترته، وكنتُ أودّ تدشينه هذا الصباح. نسيان المفاتيح، أو أوراق السيارة…، ممّا أصبح “عادة” يومية يشتكي منها جميع الرجال، إلى حدّ غدا فيه البعض متخوفا من أن يأتي عليه يوم ينسى فيه أولاده في مكان ما !

سمعتُ أزيزا خفيفا؛ كان رجل يبحث بآلة عن مخفيات الرمال المعدنية؛ هواية لم أستطع أن أحدّد موقفي منها، وإن كنتُ بدأتُ أقبلها وأحسّ بمتعة من يقوم بها. غطى على صوتها، وشغلني على الاهتمام بصاحبها، شاب في العشرينيات من عمره يدفع “كوتشي” قديم، ينادي على ماء بارد وعصير ومقرمشات وحتى على “ساندويش” بالبيض. تأمّلت حالته بتركيز؛ كان ذا كرامة، لم يكن يمتلك سلعة ذات شأن، ولكنه فضّل الكفاح من أجل لقمة العيش بطريقته وأسلوبه عوضا على الاتكاء على الحائط والشكوى.

وليس بعيدا عنّي، قريبا من حدّ الماء، تقافزت عصابة من المراهقين وتسابقوا وتنافسوا، كان حوارهم يصل مسمعي، وللأسف كانت ألفاظٌ كثيرة من معجمهم تجرح أذني، حتى اضطررتُ أن أتوجّه إليهم طالبا بدعاءٍ وهدوء ـ فلم نعد نضمن، في الحقيقة، ردّة فعل أمثالهم ـ أن يحترموا وجودنا فيهذّبوا ألفاظهم. ولحسن حظّي تقبّلوا ملاحظتي وطلبوا المغفرة قبل أن يغادروني ـ وهم يجرون ـ في اتجاه رجل الوقاية الذي انطلق بلوح نحو شاب بدا أنه تعب وبدأ يغرق هناك بعيدا حتى لم يعد يظهر إلا باعتباره نقطة سوداء. كان شباب الوقاية الذين تجمعوا يعبّرون عن اندهاشهم كيف وصل إلى هناك في غفلة منهم. وعندما أنقذوه، اختلط حديثهم معه بين الفرح بنجاته وبين تأنيبه.

انتبهتُ أن شبابا بدؤوا يضعون كراسي ويغرسون مظلات خلفي، وما هي سوى لحظات حتى انكشف المشهد عن صفّ منظّم وطويل منها، كان الوضع مقبولا على غير العادة في مثل هذه الحالة، لأنهم لم يحتلّوا المكان القريب من الشاطئ، وهذا جيد.

بين وقت وآخر كان يمرّ أمامي رجل يقود حصانا تركبه ـ في الغالب ـ فتيات تنشغلن بالتقاط الصور أكثر من استمتاعهن باللحظة، فمن المؤكّد أن شاغلهن كان هو الصورة التي ستختارها كل واحدة منهن لتضعها على صفحتها الفايسبوكية. وعندما كان ظهر الحصان يفرغ، كان صاحبه يمتطيه وينطلق به كالسهم في مشهد بهيج ذكّرني بصديقي رضوان قسطيط الذي يعشق الخيول، ولكنه ـ للأسف ـ وما يزال يتخوّف من الاقتراب والاقتران بوُدّ ممّن “يمكن” أن تزيدَ حياته جمالا !

عندما امتلأتُ من منظر البحر انقلبتُ أجيل النظر في العمارات التي تطلّ على الخليج، بدت لي مسخا مشوّها باستثناء واجهتين جميلتين لفندقين قديمين؛ الموحدين وسولازور، ويمكن أن نضيف إليهما واجهة فندق الريف، وماعدا ذلك ليس هناك من إبداع في أيّ شيء؛ فقط إسمنت مسلّح يُخيف البحر بإطلالته الدّميمة، وربما هذا هو السبب الذي يجعل بحر “البلايا” ساكنا في الغالب !

انتظرتُ الأولاد الذين انطلقوا ليدشنوا سباحتهم الأولى خلال هذا الموسم، ثم غادرنا ندفع الكرة أمامنا، و”نتقامر” من يرسلها إلى أبعد مكان، ومن يضعها قرب خشبة أو شيء مما يرميه الزوار في الرمال مشوّهين منظرا جميلا ومُتعبين عمال نظافة ستشويهم الشمس وهم يرفعونها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.