منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

قراءة في أبيات من دالية بدر الدريع؛ تهافت اليقينيات وجدلية العقل والهوى

د. الصادق الرمبوق

0

قراءة في أبيات من دالية بدر الدريع؛

تهافت اليقينيات وجدلية العقل والهوى

د. الصادق الرمبوق

باحث في فلسفة التواصل وتحليل الخطاب

يقول الشاعر الكويتي المعاصر بدر الدريع في مطلع إحدى قصائده:

مَا انْفَكَّتِ النَّاسُ فِي أَدْيَانِهَا قِدَدَا … كُلٌّ يَرَى عِلَّةً فِيهَا لِمَا اعْتَقَدَا‬
‫وَمَا احْتِجَاجُ الْوَرَى بِالْعَقْلِ نَافِعُهُمْ … مَا دَامَ مِنْهُمْ فُؤَادٌ بِالْهَوَى فُئِدَا‬‬
‫مِمَّا أَضَرَّ بِهَذَا الْخَلْقِ أَنَّهُمُ … قَدْ أَلَّهُوا الْعَقْلَ بَيْنَا هُمْ عَبِيدُ جِدَا‬‬
‫فَضَاعَ مَا بَيْنَ إِفْرَاطِ السُّرَاةِ بِهِ … وَبَيْنَ تَفْرِيطِهِمْ عُمْرُ الْعَوَامِ سُدَى‬‬
‫لاَ يَعْصِمُ الْعَقْلَ تَقْدِيسُ الْعُقُولِ لَهُ … حَقَائِقُ الْيَوْمِ تَنْفِيهَا الْعُلُومُ غَدَا‬‬

ليست هذه الأبيات مجرد مطلع شعري ذي نبرة حكمية، ولا هي شكوى عابرة من تفرّق الناس في العقائد، بل هي، في جوهرها العميق، مساءلة نافذة لبنية الاعتقاد البشري ذاته: كيف يعتقد الإنسان؟ وكيف يستدعي لعقيدته عللاً تبدو كأنها أسباب التأسيس، وهي في غير قليل من الأحيان ليست إلا أدوات التسويغ (التبرير)؟ إن الشاعر لا يقف عند ظاهر الاختلاف، بل ينفذ إلى طبقاته الباطنة، حيث يلتبس البرهان بالرغبة، ويتداخل العقل مع الهوى، وتغدو الحقيقة، في وعي الناس، رهينةَ ما سبق أن مالوا إليه واطمأنوا له.

ومن هنا، فإن هذه الأبيات الخمسة لا تُقرأ في أفق الوعظ الأخلاقي وحده، بل في أفق أرحب: أفق إبستمولوجي يمتحن العلاقة بين الدليل والمعتقد، وبين صفاء النظر وعتمة الميول، وبين العقل بما هو أداة كشف، والعقل بما قد ينقلب إليه أحياناً من قناع أنيق يختبئ وراءه الهوى. أما انتظامها العروضي على البحر البسيط، فإنه يمنحها ذلك النفس التأملي الممتد، الذي يتسع للحكمة دون أن يثقلها، وللفكرة دون أن يجرّدها من موسيقى الشعر.

أولاً: البلاغة بوصفها معماراً للفكرة

يستهل الشاعر بقوله: “ما انفكّت الناس في أديانها قِدَداً”، وليس هذا التعبير مجرد خبر عن كثرة الاختلاف، بل هو إعلان عن دوام هذا التمزق واستمراره؛ فـ”ما انفكّ” لا تفيد حدوثاً عارضاً، بل حركةً لا تهدأ، وانشطاراً يتكرر حتى ليبدو كأنه من طبائع الاجتماع البشري. ثم تأتي لفظة “قِدَداً” لتضفي على هذا الاختلاف هيئة التشظي لا هيئة التنوع الهادئ؛ فهي لفظة مشبعة بإيحاء التقطع والتوزع والتنافر، وتستدعي في خلفيتها صدى التعبير القرآني: ﴿كُنَّا طَرَائِقَ قِدَداً﴾، فتنتقل الكلمة من مجرد الوصف إلى فضاء أعمق، حيث يصبح الاختلاف سمة إنسانية قديمة، لها رسوخها في التاريخ، لا حادثة طارئة على الوعي.

والقصيدة، من حيث معجمها، تنتقي ألفاظاً حادة الملامح، ذات ضغط دلالي قوي: أديانها، علّة، اعتقدا، العقل، الهوى، ألّهوا، عبيد، إفراط، تفريط، العوام، العلوم، تنفيها. إنها كلمات لا تتأنق بقدر ما تُحاكم، ولا تصف بقدر ما تستنطق، فكأن الشاعر لا يكتب أبياتاً بقدر ما ينصب مجلس مساءلة للعقل الإنساني حين يضلّ الطريق إلى نفسه.

وتزداد القيمة البلاغية للنص حين نتبين أن بنيته قائمة على شبكة من التقابلات الضدية: العقل / الهوى، الإفراط / التفريط، السراة / العوام، اليوم / غدا. وهي تشكل البنية العميقة التي تتحرك فيها الرؤية كلها؛ إذ لا يظهر المعنى هنا إلا عبر صراعه مع نقيضه. فالقصيدة لا تنبني على الوصف الساكن، بل على الجدل، ولا تُفتح على عالم منسجم، بل على عالم متوتر، ينوس بين دعوى العقل وسلطان الرغبة.

وفي البيت الثاني:

وَمَا احْتِجَاجُ الْوَرَى بِالْعَقْلِ نَافِعُهُمْ … مَا دَامَ مِنْهُمْ فُؤَادٌ بِالْهَوَى فُئِدَا‬

تتجلى براعة الشاعر في صوغ المعنى داخل اللفظ ذاته. فالفؤاد في العربية ليس مجرد القلب بمعناه العاطفي، بل هو موضع الإدراك والانفعال معاً؛ ولفظة “فُئِد” توحي بالإصابة والاختلال والاحتراق الباطن. وبذلك لا يعود المعنى مجرد تقرير أن الهوى يشوش عمل العقل، بل يصبح تصويراً لذات داخلية أدركها العطب في مركزها الحساس، فصار العقل فيها يعمل من داخل نفس منحازة، لا من مقام الحياد الصافي. هنا لا يخطئ العقل لأنه عاجز في ذاته، بل لأنه يسكن ذاتاً مثقلة بالميل، مجروحة بالاشتهاء.

ثم يصل الشاعر إلى إحدى ذراه البلاغية والفكرية في البيت الثالث:

مِمَّا أَضَرَّ بِهَذَا الْخَلْقِ أَنَّهُمُ … قَدْ أَلَّهُوا الْعَقْلَ بَيْنَا هُمْ عَبِيدُ جِدَا‬

ففيه مفارقة لاذعة: يرفع الناس العقل، في الخطاب، إلى مقام السيد المطلق، ثم لا يلبثون، في الواقع التجريبي العيني المعيش، أن ينحدروا إلى عبودية خفية لشيء آخر: للمنفعة، أو للميل، أو للتقليد، أو للهوى المتنكر في هيئة رأي. إنهم يعلنون استقلال العقل، لكنهم يجرّونه في الخفاء إلى خدمة ما يريدون. وهنا تبلغ القصيدة لحظة فضح دقيقة: ليست المعضلة في تمجيد العقل فحسب، بل في تمجيده اللفظي مع خيانته عملياً. فالتأليه هنا ليس احتفاءً بالعقل بوصفه ملكة نظر، بل تحويله إلى صنم خطابي، يُذكر اسمه حيث ينبغي أن يُمارس فعله.

ويتأكد هذا البعد المفارِق في البيت الرابع:

فَضَاعَ مَا بَيْنَ إِفْرَاطِ السُّرَاةِ بِهِ … وَبَيْنَ تَفْرِيطِهِمْ عُمْرُ الْعَوَامِ سُدَى‬

حيث تنتقل القصيدة من نقد الذات إلى نقد المجال العام. فالسُّراة، بما هم أصحاب سلطة رمزية أو فكرية أو اجتماعية، يبالغون في استعمال العقل أو يفرّطون في قيمته، بينما يقع العامة بين هذين الطرفين ضحية حيرة طويلة. واللافت أن الشاعر لا يقول إن الذي ضاع هو الصواب فحسب، بل يقول إن الذي ضاع هو العمر؛ أي إن الخطأ في إدارة العلاقة بالعقل ليس خطأ نظرياً خالصاً، بل له كلفة وجودية ومعيشية تُدفع من حياة الناس نفسها. إن ثمن الاضطراب الفكري لا يبقى حبيس الكتب والمناظرات، بل يسيل من الزمن الإنساني المهدور.

وإذا أصغينا إلى القافية المطلقة المنتهية بألف الإطلاق بعد الدال: قِدَدَا، اعتقدَا، فُئِدَا، سُدَى، غدَا، أحسسنا بأنها تمنح المعنى امتداداً صوتياً يوازي امتداد الأزمة التي تصفها الأبيات. فالنغمة لا تنغلق على يقين، بل تنفتح على أفق معلق، كأن الحيرة نفسها تُسمع في هذا الامتداد الصوتي، وكأن الخلاف الذي تصوره القصيدة لا يُطوى، بل يظل يُروى متردداً في الزمن.

ثانياً: من العقل الباحث إلى العقل المسوِّغ

أخصب ما في هذا المطلع أنه لا يندد بالاختلاف من حيث هو اختلاف، بل يكشف الطريقة التي يُسوَّغ بها هذا الاختلاف. فقوله: “كلّ يرى علّة فيها لما اعتقدا” لا يفيد فقط أن لكل معتقد صاحبه وحجته، بل يوحي، على نحو أدق، بأن الاعتقاد قد يسبق العلة، وأن البرهان قد يأتي متأخراً لا ليؤسس الموقف، بل ليكسوه ثوب المشروعية. هنا يلمس الشاعر، بحدس شعري نافذ، آلية دقيقة من آليات النفس والمعرفة: الإنسان كثيراً ما لا يعتقد لأنه اقتنع، بل يقتنع لأنه سبق له أن اعتقد، ثم طفق يلمّ لما اعتقده ما يقيمه في عين نفسه مقام الحقيقة.

وهكذا يتحول العقل، في حالات كثيرة، من كونه أداة تقليب وتمحيص، إلى محام بارع يتولى الدفاع عن حكم سبق أن صدر في الداخل. وهذا ما يمنح البيت الأول طابعه الإبستمولوجي الخالص؛ فهو لا يكتفي بتوصيف مشهد اجتماعي، بل يفضح آلية معرفية مركبة: آلية تحويل العلل إلى حراس للمعتقد، بعد أن كان المفروض أن تكون محكّاً له واختباراً وتمحيصاً.

ويزداد هذا المعنى رسوخاً في البيت الثاني:

وَمَا احْتِجَاجُ الْوَرَى بِالْعَقْلِ نَافِعُهُمْ … مَا دَامَ مِنْهُمْ فُؤَادٌ بِالْهَوَى فُئِدَا‬

فالشاعر لا يهدم العقل من أساسه، ولا يطعن في الاحتجاج العقلي من حيث المبدأ، وإنما يبيّن أن هذا الاحتجاج يصير عديم الجدوى حين يكون القلب نفسه مختطَفاً بالهوى. فالعطب ليس في المعيار لذاته، بل في الذات التي تستخدمه وقد دخلت إليه منحازة سلفاً. وبذلك يتبدى الهوى لا باعتباره نزوة أخلاقية فحسب، بل بوصفه شرطاً معرفياً مفسداً: إنه لا يكتفي بإمالة الإرادة، بل يلوّث بنية النظر ذاتها.

ومن هنا يمكن القول إن القصيدة تكشف ما يمكن تسميته بالعقل التسويغي (التبريري)؛ ذلك العقل الذي لا يتحرك لكي يختبر معتقداته، بل لكي يثبتها؛ لا يبحث عن الحقيقة من حيث هي حقيقة، بل عن الصياغة التي تجعل ما يريده مقبولاً في صورة حقيقة. وهذا هو العمق الحديث في النص: إنه يلامس مسألة لا تزال راهنة في فلسفة الاعتقاد وفي علم النفس المعرفي معاً، وهي السؤال عن اللحظة التي يتحول فيها التفكير من بحثٍ نزيه إلى حيلة ذكية لتأبيد ما نحب.

وفي السياق نفسه قال أحمد شوقي:

إِذَا رَأَيْتَ الْهَوَى فِي أُمَّةٍ حَكَماً … فَاحْكُمْ هُنَالِكَ أَنَّ الْعَقْلَ قَدْ ذَهَبَا

ويقول البوصيري:

قَدْ تُنْكِرُ الْعَيْنُ ضَوْءَ الشَّمْسِ مِنْ رَمَدٍ … وَيُنْكِرُ الْفَمُ طَعْمَ الْمَاءِ مِنْ سَقَمِ

ثالثاً: نقد تأليه العقل لا نقد العقل

حين يقول الشاعر الكويتي: “قد ألّهوا العقل”، فإنه لا يعلن حرباً على العقل، ولا يدعو إلى الارتماء في أحضان اللامعقول. بل الذي يرفضه هو تلك النقلة الخفية التي يتحول فيها العقل من أداة نقد إلى موضوع تقديس، ومن وسيلة اختبار إلى مرجع معصوم. وفي هذه النقطة تكمن دقة فلسفية لا ينبغي إغفالها: فاعتبار العقل ورفع مقامه شيء، وتأليهه شيء آخر. الأول إقرار بقيمته في النظر والتمييز، أما الثاني فإسباغ طابع العصمة عليه، وإغفال أنه ملكة بشرية تعمل من داخل شروط تاريخية ونفسية واجتماعية محددة.

فإذا قُدِّس العقل على هذا النحو، انقلب إلى نقيض وظيفته؛ لأنه يفقد جرأته على مراجعة نفسه، ويصبح محاطاً بهالة تمنعه من ممارسة أهم خصائصه: النقد. حينئذ لا يعود العقل طريقاً إلى التحرر، بل قد يصبح، من حيث لا يشعر أصحابه، أداة لإعادة إنتاج الوهم في صورة أكثر أناقة.

ومن هذه الزاوية، لا تعود القصيدة قصيدة حكَم أخلاقية وحسب، بل تغدو تفكيكاً لوهم العقل المطلق؛ ذلك العقل الذي ينسى بشريته، وينزه حامليه عن الأهواء، ويتوهم أنه يقف فوق التاريخ بينما هو غارق فيه إلى النخاع.

رابعاً: من مأزق الذات إلى مأزق الجماعة

لا تظل الأبيات حبيسة السؤال الفردي: كيف يضل الإنسان في اعتقاده؟ بل تنفتح أيضاً على سؤال جماعي: ماذا يحدث حين تُدار حياة الناس باسم عقل مفْرط أو عقل مفرّط؟ هنا تبرز صورة السُّراة بما هم أصحاب سلطة معرفية أو اجتماعية أو رمزية، يتكلمون باسم النظر، ويرسمون أفق الجماعة، ويؤثرون في وعيها. فإذا أفرط هؤلاء في تجريد العقل حتى صار جافاً قاسياً منفصلاً عن شروط الإنسان، أو فرّطوا فيه حتى تهاوت معاييره، فإن العامة هم الذين يدفعون الثمن من أعمارهم واستقرارهم ووعيهم.

إن أجمل ما في هذه النقلة أن الشاعر لا يتحدث عن خسارة نظرية مجردة، بل عن عمر يضيع. وهذه اللفظة وحدها كافية لتعيد الفلسفي إلى الإنساني، والجدل إلى الحياة، والاختلاف من ساحة المجردات إلى ساحة الوجود اليومي. فالناس لا يستهلكون في هذا الصراع حججاً فحسب، بل يستهلكون زمناً، وقلقاً، وحيرة، ومصائر؛ إنه الضياع بكل مآسيه.

خامساً: حقيقة اليوم وظل الغد

وأخيراً، يبلغ النص ذروته في البيت الخامس:

لاَ يَعْصِمُ الْعَقْلَ تَقْدِيسُ الْعُقُولِ لَهُ … حَقَائِقُ الْيَوْمِ تَنْفِيهَا الْعُلُومُ غَدَا‬

هذا البيت لا يدعو إلى الشك العدمي، ولا يعلن سقوط الحقيقة، ولا يزهد في العلم، وإنما يشير إلى شيء أرهف وأعمق: المعرفة البشرية لا تنجو من الزمن، وما يُحسب اليوم يقيناً نهائياً قد يدخل غداً في دائرة المراجعة أو التصحيح أو التجاوز. فالعقل لا يغدو معصوماً لأن العقول قد رفعته، ولا تصير نتائجه مطلقة لأن أصحابها أحاطوها بسياج من الإجلال.

والبيت، في هذا المعنى، لا ينتقص من العلم، بل يدافع عنه ضد تحويله إلى عقيدة جامدة. فالعلم، من حيث هو سيرورة مراجعة وتجاوز وتصحيح، لا تُهينه هذه الرؤية، بل تنصفه. أما الذي تُصيبُه القصيدة في مقتل فهو الدغمائية، لا المعرفة؛ هو وهم الثبات النهائي، لا الجهد البشري في الفهم.

ولذلك لا ينبغي أن يُقرأ هذا البيت بوصفه تشكيكاً مبتذلاً في العلم، بل بوصفه تنبيهاً إلى تاريخية كل معرفة بشرية، وإلى ضرورة التواضع أمام ما نظنه مستقراً. ففي الغد ما يكشف حدود اليوم، وفي كل يقين بشري فجوة صغيرة مفتوحة على احتمال المراجعة وإمكان التصحيح.

سادساً: الرؤية الفلسفية الكامنة خلف المطْلع

إذا جمعنا خيوط هذه الأبيات، بدا لنا أن الرؤية التي تنتظمها ليست رؤية معادية للعقل، بل رؤية تسعى إلى إنقاذ العقل من صنميته؛ فالشاعر لا يحتج على التفكير، وإنما يحتج على ذلك الضرب من التفكير الذي يتوهم أنه مكتفٍ بذاته، بريء من انحيازات صاحبه، خارج عن التاريخ، محصن ضد المراجعة. من هنا يغدو المطلع، في عمقه، دعوة إلى عقل أكثر تواضعاً، وأكثر وعياً بشروطه وحدوده.

والحق أن الأبيات تلتقي، من حيث البنية الفكرية لا من حيث التأثر التاريخي المباشر، مع أسئلة إبستمولوجية حديثة كبرى. فهي تذكّر، أولاً، بأن المعرفة لا تتولد في فراغ نفسي، بل داخل ذات مشبعة بالرغبات والانجذابات والتحيزات. وتذكّر، ثانياً، بأن العقل لا يتكلم في المجتمع من غير موقع، بل يُمارَس داخل شبكات من السلطة والرمزية والتأثير. وتذكّر، ثالثاً، بأن الحقيقة البشرية ليست كتلة صماء معلقة خارج الزمن، بل بناء قابل للمراجعة كلما تراكمت المعارف واتسعت الرؤية.

والأجمل أن الشاعر ينجح في التقاط هذه الأبعاد جميعاً دون أن يفقد شعرُه حرارتَه. فهو لا يكتب مقالة فلسفية في نظرية المعرفة، ولا فصلاً في سوسيولوجيا الوعي، ولا بحثاً في علم النفس المعرفي، لكنه يلتقط بخمسة أبيات البنيةَ الجامعة التي تسكن هذه الحقول كلَّها: الإنسان لا يعقل وحده، بل يعقل وهو يهوى، ويفكر وهو يتحيز، ويطلب الحقيقة من داخل زمن لا يكف عن مراجعة نفسه.

سابعاً: قيمة النص وحدوده

تنبع قيمة هذه الأبيات، أولاً، من أنها تمسك سؤالاً حديثاً بلغة عمودية جزلة؛ فهي تستدعي رنين التراث، ولكنها تستنطق أزمة راهنة بامتياز: أزمة التحيز، والتسويغ، وادعاء امتلاك الحقيقة، وتحوّل العقل إلى ستار لما ليس عقلاً. وهي، ثانياً، لا تبعثر أحكامها كيفما اتفق، بل تنتظم في تدرج حجاجي واضح: من تشخيص الاختلاف، إلى كشف فساد الاحتجاج بالعقل تحت سلطان الهوى، إلى فضح تأليه العقل، إلى إظهار الثمن الاجتماعي، ثم إلى تقويض دعوى العصمة المعرفية. بهذا المعنى، ليست الأبيات شذرات حكمية متجاورة، بل بناء فكري متدرج، يسلم بعضه إلى بعض.

كما أن بلاغتها ليست طلاءً خارجياً، بل جزء من نسيج الفكرة نفسها. فالمقابلات، والمفارقات، والاشتقاقات، والإيقاع، كلها أدوات تفكير بقدر ما هي أدوات تعبير. إن الشاعر لا يزين المعنى، بل يصوغه بحيث لا يتم إلا عبر هذا الشكل.

ومع ذلك، فإن القراءة النقدية المنصفة تستدعي التنبيه إلى أن عبارة “ألّهوا العقل”، على ما فيها من قوة، تظل واسعة الدلالة؛ فقد تدرج تحتها صوراً متباينة من الاحتكام إلى العقل، بعضها مشروع وبعضها مشتط. لكن هذا مما يباح للشعر بحكم طبيعته المكثفة؛ فالشعر لا يشتغل بالتفريعات المفهومية الدقيقة كما يفعل المقال الفلسفي، بل يلتقط النقطة المضيئة التي تختصر المشهد كله، وقد قال البحتري: “وَالشِّعْرٌ لَمْحٌ تَكْفِي إِشَارَتُهُ”.
وكذلك، فإن البيت الأخير، على لمعانه، قد يُساء فهمه إذا انتُزع من سياقه، فظُنّ أنه طعن في العلم نفسه. والحال أن الأوفق هو أن يُقرأ بوصفه دفاعاً عن العلم ضد الوثوقية، وعن المعرفة ضد التقديس، وعن العقل ضد ادعاء العصمة.

خاتمة:

إن دالية الشاعر، بدر الدريع، في هذه الخماسية المتقدة بالتأمل، لا تُدين العقل، بل تُدين انحرافه حين يغدو خادماً لما يدّعي أنه يحاكمه. وهي لا تطلب إسكات الوجدان، بل تحذر من تلك اللحظة التي يستولي فيها الهوى على أدوات البرهان، ثم يتكلم بلسان الحقيقة. ولذلك فإن القيمة العليا لهذه الأبيات لا تكمن في أنها قالت إن الناس مختلفون، فهذا أمر تحسه العيون قبل أن تعرفه العقول، بل في أنها نفذت إلى موضع الخطر الحقيقي: إلى الكيفية التي تُصنع بها الاعتقادات، وتُستدعى لها عللها، وتُمنح بها قداسة لا تستحقها.

إن الخطر، كما توحي القصيدة، ليس في غياب العقل وحده، ولا في حضور الهوى وحده، بل في اتحادهما على نحو فاسد: حين يعمل العقل لا ليفحص ما نريد، بل لاصطناع حجة ما نريد؛ وحين يتحول البرهان من طريق إلى الحقيقة إلى ستار كثيف يحجبها. عندئذ لا يكون العقل منقذاً، بل شريكاً في الضلال، ولا تكون المعرفة نوراً، بل قناعاً مذهباً للوهم.

ومن هنا تظل هذه الأبيات محتفظة براهنيتها وقوتها، لأنها تقول، بلسان الشعر العربي العذب المصفّى، إن العقل لا يُكرم بتأليهه، بل بتخليصه من أوهامه، وإن الحقيقة لا تُطلب بادعاء امتلاكها، بل باليقظة الدائمة على حدودنا؛ وإن الإنسان لا يضل فقط فيما يعتقد، بل يضل، قبل ذلك، في الطريقة التي ينسج بها اعتقاده ويسوغ به نفسه.

وبذلك تكون الأبيات قد أنجزت، في حيّز شعري بالغ الاقتصاد، ما يتطلب أحياناً صفحات من التقرير النظري.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.