رسالة من المقابر
د. محمد السقا عيد
ليست المقابر مجرد أماكن صامتة نضع فيها أجساد من رحلوا، بل هي صفحات مفتوحة من كتاب العظة، يمر بها الإنسان فيقرأ فيها ما لا يستطيع أن يقرأه في زحام الحياة. هناك، حيث تهدأ الأصوات، وتتساوى الأقدام، ويختفي بريق الدنيا، تبدأ الأسئلة الكبرى في الظهور: ماذا قدمنا؟ وإلى أين نمضي؟ وما الذي سيبقى منا بعد أن يغيب حضورنا؟
دخلت المقابر يومًا، فلم أجد فيها غرباء كما كنت أظن، بل وجدت وجوهًا كانت بالأمس تسير بين الناس، لها أحلامها وآمالها وأحاديثها. كانوا يخططون للغد كما نخطط، ويؤجلون بعض الأمور كما نؤجل، ويظنون أن في العمر متسعًا لتحقيق ما يريدون. ثم جاء الموعد الذي لا يتقدم ولا يتأخر، وانتهت الرحلة عند اللحظة التي كتبها الله.
إن أكثر ما تقوله لنا المقابر ليس أن الحياة قصيرة فحسب، بل أن الإنسان كثيرًا ما يستهلك عمره فيما لا يستحق. يخاصم من يحب، ويحمل في قلبه أثقالًا من الغضب، ويسعى خلف أشياء يظن أنها ستمنحه السعادة، ثم يكتشف متأخرًا أن أعظم ما يملكه هو قلب مطمئن، ونفس راضية، وأثر طيب يتركه خلفه.
في المقابر تسقط كل الأقنعة. لا فرق بين غني وفقير، ولا بين صاحب منصب ومن لا منصب له. الجميع يعودون إلى أصل واحد، حفنة من تراب تحتضن الجسد، ويبقى الإنسان مرهونًا بما قدمت يداه. هناك لا تنفع الشهرة، ولا ترفع المناصب، ولا ترافق الأموال أصحابها، وإنما يبقى العمل الصالح والذكر الحسن والدعوات التي تصعد من قلوب أحبت صاحبها.
ولعل أعظم رسالة تبعثها المقابر إلى الأحياء هي أن الوقت الذي نملكه الآن هو أثمن ما لدينا. فما مضى لا يعود، وما سيأتي لا نملكه، وإنما نملك هذه اللحظة التي نستطيع فيها أن نصلح خطأ، أو نرد مظلمة، أو نزرع خيرًا، أو نترك كلمة طيبة تكون لنا نورًا بعد الرحيل.
كم من إنسان رحل ولم يترك خلفه أموالًا كثيرة، لكنه ترك قلوبًا تدعو له، وذكريات جميلة تحيط باسمه. وكم من إنسان امتلك الدنيا ثم غاب، فلم يبق من أثره إلا ما قدمه من خير أو شر. فالإنسان لا يُقاس بما جمعه، بل بما أعطاه، ولا بما امتلكه، بل بما تركه في نفوس الآخرين.
إن تذكر الموت ليس دعوة إلى الحزن والانقطاع عن الحياة، بل هو دعوة إلى أن نحيا حياة أكثر صدقًا ووعيًا. فالمؤمن لا يهرب من حقيقة الرحيل، وإنما يستعد لها بأن يجعل أيامه عامرة بالخير، وأن يطهر قلبه من الحقد، وأن يسارع إلى الصلح قبل الفراق، وإلى الإحسان قبل أن يغلق باب العمل.
أيها الإنسان، ربما تأتي يومًا رسالة من المقابر، لا تحمل كلمات مكتوبة، بل تحمل صمتًا بليغًا يقول لك: لا تؤجل ما تستطيع فعله اليوم، ولا تؤخر كلمة طيبة، ولا تجعل الدنيا أكبر همك، فكل ما عليها زائل، ويبقى وجه الله، ويبقى أثر الإنسان بعد رحيله.
فاجعل لك في قلوب الناس مكانًا بالخير، واجعل لك في صحيفتك نورًا بالعمل الصالح، فإذا جاء اليوم الذي تصمت فيه الأصوات من حولك، بقي لك ما يشهد لك، وبقيت دعوات المحبين تطرق أبواب الرحمة.
تلك هي رسالة المقابر؛ رسالة لا يسمعها إلا من أصغى بقلبه، ولا يفهمها إلا من أدرك أن الرحيل ليس بعيدًا عن أحد، وأن أجمل استعداد للقاء الله أن يعيش الإنسان بين الناس بقلب رحيم، ونفس نقية، وأثر لا يموت.