تهنئة الدم… في مطلع عامٍ كاذب (قصيدة)
تهنئة الدم… في مطلع عامٍ كاذب (قصيدة)/ أبو علي الصُّبَيْح
تهنئة الدم… في مطلع عامٍ كاذب (قصيدة)
أبو علي الصُّبَيْح
***
كذبتْ تهانيكَ يا عامُ الذي قَدِما
ما زلتَ تُولَدُ من خزيٍ ومن نِقَمِ
أيُّ الجديدِ؟ وهذا القبحُ متّصلٌ
كأنّ أمسكَ في أثوابِهِ التحَمِ
نادوكَ عيدًا، وفي أسمالِك اتّسعتْ
كلُّ المذابحِ، لا سِلمٌ ولا حُرَمُ
جئناكَ نسألُ: ما أهديتَ؟ فابتسمتْ
شمطاءُ، في كفِّها الأصفادُ والدِّمَمُ
شمطاءُ، يا أُمَّ هذا الدهرِ، ما برحتْ
تبيعُنا الوهمَ، والأكفانُ والعَدَمُ
تُخفي الخرابَ بثوبِ الحلمِ مُغتَبِطًا
وتحتَ صدرِكِ حقدٌ صادقٌ ضَرِمُ
كم مرّةٍ قلتِ: هذا عامُ نهضتِكم
فاستيقظَ الجوعُ، واستُحضِرَ السَّقَمُ
وكم وعدتِ صغارًا بالنجاةِ غدًا
فنامَ وعدُكِ، والأطفالُ ما نَاموا
تضحكينَ… وغزّةٌ تُسقى دمًا
كأنّ ضحكتَكِ الملعونةَ النِّعَمُ
أيُّ التهاني تُقالُ الآنَ؟ أيُّ فمٍ
يجرؤُ الضحكَ والأنقاضُ تلتَحِمُ؟
هل يفرحُ الحرُّ والأقصى مُدنَّسُهُ
والقدسُ تُسلَبُ، التاريخُ يُغتَصَمُ؟
أم يبتسمُ المرءُ والعجوزُ على
صدرِ السنينِ تُمرِّرُ سيفَها القَدِمُ؟
يا عامُ، يا ابنَ الخديعةِ، ما أراكَ سوى
وجهٍ تغيّرَ، لكنّ الدنا هِيَ هُمُ
بدّلتَ أسماءَ جلّادينَ في لغةٍ
لكنّ صوتَ الرصاصِ هو هو النَّغَمُ
تُحسنُ تزييفَ ألفاظِ السلامِ، وفي
أردانِكِ القتلُ، والتهجيرُ، والحُطَمُ
تقولُ: قانونُهم… قلنا: ومن شرعَتْ
قوانينُكم؟ كلُّها زورٌ ومُحتَكَمُ
يا عامُ، إن كنتَ عدلًا، فاشهرِ السيفَ في
وجهِ الطغاةِ، فصمتُك اليومَ جُرمُ
لكنّك اخترتَ أن تمشي على جُثَثٍ
وتدّعي الطهرَ، والطغيانُ مُلتَثِمُ
تُهدي العواصمَ أضواءً ملوّنةً
وتتركُ الخيمَ للأمطارِ تَصطَدِمُ
تفتحُ الرقصَ في ساحاتِ مُتخِمَةٍ
وتغلقُ البابَ حيثُ الطفلُ يلتَحِفُ
يا شمطاءُ، يا لعنةَ الأعوامِ قاطبةً
أما شبعتِ دمًا؟ أما كفى سَقَمُ؟
كم جيلَكَ استنزفتِ العمرَ في كذبٍ
حتى غدونا كأنّا الذنبُ والأَمَمُ
علّمتِنا أن نرى الحقائقَ عاريةً
لكنّنا كرهنا المرآةَ، فانقسموا
باعوا القضيّةَ باسمِ العقلِ قاطبةً
وكلُّ عقلٍ بلا شرفٍ هو الصَّنَمُ
هذي غزّةُ، ما انحنتْ رغمَ الجراحِ، وما
خانَتْ، وفي صبرِها التوحيدُ والقِيَمُ
شيخٌ على الركامِ اليومَ مُعتصِمٌ
كأنّهُ جبلٌ، في عينهِ القَسَمُ
يقولُ: هذا زمانُ الغدرِ أعرفُهُ
لكنّ في الصبرِ تاريخًا لمن صَمَمُوا
طفلٌ يُعلّمُ هذا الكونَ فلسفةً
أنّ الكرامةَ لا تُهدى ولا تُشترَمُ
يا عامُ، لا تطلبِ التصفيقَ من فمِنا
فالعارُ أعلى، وصوتُ الحقِّ مُحتَكِمُ
نحنُ الذين إذا ما الجوعُ حاصرَنا
أكلْنَا الكبرياءَ، والذلُّ مُنهَزِمُ
لا فرحَ اليومَ، لا عيدٌ نُحيِّيهِ
حتى يُزاحَ عن الأقصى الذي اعتُصِمُ
حتى تعودَ فلسطينٌ مُكرَّمةً
ويُدفَنَ الزيفُ، والتاريخُ يبتسِمُ
فإن أتيتَ بغيرِ الدمِّ يا عامُ
قلنا: مرحبًا… وإلا فارتحِلْ سَدَمُ
أمّا التهاني على جرحٍ نُبارِكُهُ
فذاك عهرُ اللغاتِ… والبيانُ نِقَمُ
***