منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الفيض الإلهي

0

لطالما استحضرت الفراغ الكبير الذي تركه أغلى الناس والدي الحبيب رحمة الله عليه، بين ظهرانينا جميعا، وخصوصا من لم يفارقه طيلة حياته، وهاهي الذكرى الثالثة لوفاته تطل علينا، فتلهب الأحاسيس، وتذكي جذوة الحزن.

وإنني لم أدرك معنى ذاك الوجد المغروس في كياني، المتغلغل في وجداني، حتى واراه التراب، فكابدت من الحزن الأوصاب.

إنه رجل فاضل، وأب حكيم، ورثنا عنه الحب، والرحمة، والعفو والحلم عمن ظلمه، رجل كرس حياته لخدمة أجيال الوطن الحبيب بعلمه الغزير، وثقافته الواسعة، وقلبه السليم الذي كان ينبض بالحب والرضا والتسامح، وهذا من خُلق الصالحين وخصالهم، ومن كانت هذه خصاله فلا غرابة أن ينبذ الحسد، والحقد، ويحذر منهما، لأنهما باعثان على التباعد والتنافر، والفرقة والهوان.

أستحضر اليوم اللحظات السريعة لفراق  الوالد الحبيب لهذه الدنيا، كما أستحضر أدق التفاصيل التي جرت قبل أن يلبي نداء ربه آمنا مطمئنا، مرتلا لكتاب الله العزيز الذي كان يلهج لسانه به، منذ أن أكمل حفظه حفظا كاملا وهو ابن الثالثة عشر من عمره.

لست هنا بصدد تعداد مناقب الفقيد التي أعجز فعلا عن سردها، وحصرها هنا، بقدر ما أود بهذه المناسبة أن أرصد مجموعة من الرسائل القوية التي بعث لنا بها في صمت، ولعلي كنت الوحيد الذي التقطها بحذافيرها، لملازمتي له جل الأوقات.

كان كل شيء على ما يرام في أجواء الشهر الفضيل، بنفحاته القدسية التي ليس لها مثيل، فهي تبعث على الفرح والحبور، في أجواء مفعمة بنسمات جمالية، في الأيام الأواخر من فصل الربيع، ليال رائعة كانت تسحرني بنسيمها الدافئ، وسكونها الهادئ.

وأنا أخطو إلى صلاة العشاء والتراويح، فيمتزج هذا السكون بأصوات المآذن وقراءة القرآن الكريم عبر مكبرات الأصوات التي تفرقت بين جنبات المدينة، والتي كان يصل صداها إلى أبعد الحدود معلنا بذلك تميز خير الشهور، الذي يعبق بالأريج كالزهور.

هكذا هي الأجواء التي أراد ربنا جلت قدرته أن ينتقل فيها والدي رحمة الله عليه إلى جواره دون سابق إنذار، فرحماتك عليه يا عزيز يا غفار.

قبل أذان العشاء بقليل كنت بجانبه وهو يداعب ولدي الصغير، ويروي له كعادته حكاياته الرائعة بأسلوبه المتميز المليء بالرسائل الهادفة، التي يكون لها أطيب الأثر الطيب على نفسية الأطفال، وبناء شخصياتهم الإيجابية، في جو مفعم بالمحبة، يجلي تلاحم الجد مع حفيده، ويجسد صفة من صفاته رحمة الله عليه، إنها الرحمة بالخلق.

بعد الصلاة يرن هاتفي لأتلقى مكالمة من والدة عظيمة أرضعتنا الحب والحنان، تطلب مني على غير عادتها العودة إلى البيت، إذ إنها تتمتع بعفة كبيرة تجعلها تترفع كثيرا عن سفاسف الأمور، كما أنها لا تتصل لتطلب شيئا إلا لضرورة قصوى، ومفاد مكالمتها -بنبراتها الحزينة- أن والدي أصيب بوعكة صحية مفاجئة، وعلي الحضور لمحاولة إنقاذه..

أيقنت إذاك أن والدي قد ألمَّ به خطب جليل، وعليّ الوصول إلى البيت مسرعا، وقد كنت ساعتها بصحبة خير الأصحاب، رجلٌ قَلَّما تلد النساء مثله، حاول أن يهدئ من روعي، ونحن في طريقنا إلى المنزل، اتصلت بأحد الأطباء الأصدقاء، يعرف أهمية قسم (أبقراط)، ويقدر قيمة المواقف، فضربت معه موعدا في البيت حتى يتسنى له الكشف عن والدي الحبيب.

كانت ضربات قلبي في تلك الأثناء تخفق بنبضات تتوجس خيفة، فحاولت أن أستجمع أنفاسي، موقنا أنه لن يكون إلا ما قدره الله تعالى.

وصلنا إلى البيت فارتميت بين أحضان أبي، أسائله عما يكابده، وما كان منه إلا أن أجابني باختصار شديد، وفي يقين تام، وهو يتصفّد عرقا: “يا ولدي، إنها ساعة الرحيل، وما كان عليك إحضار الطبيب، فأنا موقن أنه الموت، أبلغك رضاي عنك، وعن أمك العظيمة، وعن جميع إخوتك”، ثم أخذ في التشهد.

كنت أتلقى كلماته ببالغ الأسى والتأثر، ورغم أنني حاولت جاهدا أن أتماسك نفسي أمامه، إلا أن دموعي انهمرت، فقد لامست مني الفؤاد، وصرت الهالع الجازع، بعد أن كنت الصابر القانع.

ولا غروَ في ذلك فقد كانت كلماته تريق دموع الحاضرين، -رغم صوته الخافت-، فكيف أجد للتجلّد سبيلا، ولكني كفكفت دموعي لأحاول طمأنته بأن كل شيء سيكون على ما يرام، إلا أن إصراره على صحة ما يقوله، مع إيمائه بسباته في التشهد منذ وصولنا، جعله يسترسل في ذلك، و كأن لسان حاله يريد أن يقول، إنكم لا ترون ما أرى.

بعدما كشف عنه الطبيب، شك في ألمٍ في معدته، وبعد استشارته طلب مني أن نأخذه إلى المصحة لإجراء بعض التحاليل والكشوفات حتى يتبين مكمن المشكل الصحي، ولولا حضور الرجل الصالح معي، والذي كان والدي يعزه كثيرا، لما برح والدي فراش غرفة نومه.

وبوصولنا إلى المصحة والليل قد أوشك على الانتصاف، كان والدي يطلب مني طلبا غريبا، يتجلى في دَلْكِ رجليه بكل ما أوتيتُ من قوة، كما أنه ازداد تصببا بالعرق بشكل اضطرني إلى تغيير ملابسه خوفا عليه من نزلة برد بعدما طلبت منا الطبيبة المختصة نقله على وجه السرعة إلى مصحة خاصة بالبيضاء، وهناك أعاد نفس الطلب، بالإضافة إلى طلبه لي بقراءة سورة يس -قلب القرآن-، فما كان مني إلا أن نفذت كل طلباته بالحرف، حيث جلست إلى جانبه، وبدأت في قراءة السورة، وهو يتابع معي في  ضبط تام لجميع الآيات حتى انتهيت، ودعوت له، وقبلت رأسه، ويديه الطاهرتين، وعيناي مغرورقتان بالدموع، وهو يوصي، ويؤكد على بر الوالدة، التي كانت متواجدة ساعتها معنا، وبالإحسان إليها، ويستوصي بها خيرا لأنها كانت نعم الزوجة البارة بزوجها، والصبورة على نوائب الدهر، والمحتسبة عند ربها، والتي أدت واجباتها، ولازالت تقدم كل ما في جهدها، في نكرانٍ للذات، قلَّما تجده في أيامنا هاته؛ كما كان يشير إلى إبقاء اللحمة الأخوية قائمة بيننا كإخوة، وأن لا يعكر صفوها أي شيء، ويُلِحُّ في ذلك.

لا أريد الوقوف كثيرا على التفاصيل الدقيقة لوفاة والدي رحمه الله، وجعل الجنة مثواه، بقدر ما أردت أن أدلف بذلك إلى البوح عما وقفت عليه من عِبر، وما لمسته من جليل الأثر.

لقد استغرب الطبيب كثيرا وهو يسمع جوابي عن سؤال سألنيه، هل سبق وأن اشتكى والدك من آلام في القلب؟ و حينما نفيت ذلك جملة وتفصيلا، وأكدت له أنني أصاحبه ولا أفارقه في الحل والترحال، وأنني على علم بكامل تفاصيل ملفه الطبي الذي أحفظه عن ظهر قلب، ولم يثبت قط أن اشتكى مما تقوله الآن.

قلت في نفسي لعل تلاوته للقرآن الكريم آناء الليل وأطراف النهار، وختمه له في أقل من أسبوعين، والعمل بوسطية الإسلام، وحمل النفس على القناعة، والعفة، وحب الخير للناس، ومعاشرتهم بالمعروف، والعفو عنهم مهما أساءوا إليه، ربما يكون السبب في وقايته مما تأكد للطبيب من أن هناك مشكلة صحية بالقلب منذ مدة، ففي يقيني أن القلب السليم، يحول دون العذاب الأليم.

ولقد كان لسانه لا يفتر عن ذكر الله تعالى وهو على فراش المرض، وتلاوة آيات الذكر الحكيم، وكلما سأله أحد من إخوتي أو أصهاره كان يبتسم، ويحمد الله، ويثني عليه، وحينما كنت أحاول شرح حالته كما فسرها الأطباء، وعن إجراء العملية المرتقبة، كان يطلب مني الدعاء له بأن لا يقدرها الله عليه، حتى لا يطلع عليه أحد سواه.

لقد حقق الله تعالى إرادة الوالد رحمة الله عليه، فقد لبّى نداء ربه –ولا رادّ لقضاء الله- قبل إجراء العملية المرتقبة، وأرجو أن يكون في زمرة الذين قال الله عنهم في الحديث القدسي: “إذا مرض العبد بعث الله تعالى إليه ملكين فقال، انظرا ماذا يقول لعواده؟ فإن هو إذا جاءوه حمد الله، وأثنى عليه، رفعا ذلك إلى الله عز وجل، وهو أعلم، فيقول لعبدي علي إن توفيته أن أدخله الجنة، وإن أنا شفيته أن أبدل له لحما خيرا من لحمه، ودما خيرا  من دمه، وأكفر عنه سيئاته”.

هكذا سلم والدي رحمة الله عليه الروح إلى بارئها يومه الجمعة 21 رمضان 1438 هجرية، في الثلث الأخير من الليل في شهر الأنوار، ثلث العتق من النار، وهو الوتر الأول من العشر الأواخر، الذي صادف ليلة الجمعة.

وحينما أردت إلقاء النظرة الأخيرة على جسده الطاهر، قبلته من رأسه إلى أخمص قدميه، وأنا أدعو له بالرحمة والمغفرة، وأن يجمعنا الرحمن جميعا في مستقر رحمته.

وأنّى لي أن أصف حالتي النفسية، فعناقي له طال، ولم أقدر على مفارقته بحال، حتى سمعت صوت الرجل الصالح يطلب مني في أدب ووقار أن أتوقف عن البكاء، حيث ضمني إليه، وعانقني بأخوة طالبا من العلي القدير أن يرحمه، وأن يرزقني الصبر الجميل في فقد أعز الناس، حينها أيقنت أنني لن أستطيع المشاركة  في تغسيله كما كنت أنوي وأنا في طريقي إليه، فانصرفت ساعتها لإعداد رخص النقل، والدفن، وكافة الأوراق والوثائق القانونية الضرورية في هذا الموقف، وقد يسر الله وأعان على قضائها،  رغم من أن ذلك اليوم كان أول يوم في عطلة نهاية الأسبوع، إلا أنه في أقل من ساعتين كنت قد جهزت وبتوفيق من الله، ومساعدة بعض الإخوة الأفاضل، جميع الوثائق الخاصة بالسفر، للعودة بجثمانه الطاهر من الدار البيضاء إلى مراكش.

وأنا أصطحب سيارة الاسعاف التي ستقل جثمان والدي من المكان المخصص للتغسيل بالمصحة، وقفت على مبادرة فريدة قام بها الرجل الصالح الذي كان برفقتي، فقد قام بتغسيل والدي، بالرغم من أن المشرف على المغسلة قام بذلك في إطار الإجراءات الصحية  للمصحة، لكن عالمنا الجليل أبى إلا أن يعيد العملية بقواعدها الشرعية الكاملة، غير آبه بأي شيء آخر.

إنها من الكرامات التي وقفت عليها في وفاة والدي رحمه الله، حيث إن المغسل عالم رباني عامل بعلمه، متوكل على ربه، قال لي، إنني أعرف والدك عن قرب، وكنت أعزه كثيرا، فهو حامل لكتاب الله تعالى، ومن ثَمَّ فهو من أهل الله وخاصته، وينبغي أن يحظى بهذا الشرف الرباني، وأن يأخذ حقه حيا وميتا.

لقد كانت كلمات هذا الرجل الرائع بامتياز، بمثابة بداية البلسم لما كنت أقاسيه بداخلي في صمت، ولن أنسى صنيعه هذا ما حييت.

بوصولنا إلى مدينة مراكش، ستبدأ قصة جديدة، فريدة من نوعها، سيكون لها وقع ايجابي على نفسيتي، وستساهم في التخفيف عني مما كنت أكابده من حزن شديد، حيث سيظهر الله سرا من الأسرار، وأظنها ستروى على مدى الأعمار.

ونحن نتأهب لتشييع الجنازة وسط جمع غفير من أفراد العائلة، وجِلَّةٍ من الأساتذة الأفاضل، والإخوة الطلبة الأعزاء الذين جاءوا مشكورين من مختلف المدن المغربية للتشييع والمواساة، وأبانوا عن بسالة نفس، ورهافة حس، والذين ساعدوني وأخي في حمل جنازة والدي رحمة الله عليه، إلى المسجد المجاور للبيت، فقد كان يحب الصلاة فيه خلف الإمام الذي حباه الله تعالى بصوت شجي، وقراءة خاشعة ماتعة، حيث كان يشبهها والدي بقراءة الشيخ خليل محمود الحصري رحمة الله عليهم أجمعين.

ونحن نضع الجنازة أمام الباب الخلفي للمسجد بانتظار فتح المؤذن للباب ليؤذن لصلاة العصر، إذ برجل قد بلغ من الكبر عُتِيّا، ذو لحية بيضاء، يرتدي جلبابا قصيرا يميل لونه إلى البياض، يحمل جهاز (مذياع) صغير في يده اليسرى، وهو يتوكّأ على عصاه بيده اليمنى، وقد انحنى ظهره نحو الأسفل، وكان يردد كلمات يمتزج فيها الدعاء بوعظ الحضور، وتنبيه الغافلين إلى أن هذا هو المصير الحتمي لكل إنسان، وتارة يقرأ القرآن، وينظر يمنة ويسرة، وينتفض بين الفينة والأخرى، ولسانه يلهج بذكر الله تعالى، وقد تحسبه منشغلا بعالم آخر غير الذي نعيش فيه نحن البشر، لكن عليه غبطة من نوع خاص، فخاطبنا قائلا: “ضعوا الجنازة فوق الحصير، هذا رجل مؤمن، هذا رجل مؤمن”، ثم ضرب بعصاه الأرض، وأعاد نفس الكلام، “نعم إنه مؤمن، ورجل صالح، وعلامة ذلك أنكم ما إن تضعوه في قبره حتى تغمركم السماء بأمطار الخير والرحمات التي سيحملها كهدية  للأموات، اذكروني عند ربكم”، وأخذ يدعو للوالد بالرحمة والمغفرة، ثم انصرف واختفى.

كانت حرارة القيظ قد بلغت (47) درجة حرارية –على النحو الذي أتذكره-، فنحن في اليوم السابع عشر من شهر يونيو 2017م، ولا يخفى على أحد مميزات المناخ القاري بمراكش، الذي يتميز بالحرارة والجفاف صيفا.

وبعد صلاة العصر، والصلاة على الجنازة في جو مفعم بالحزن، انطلقنا نحو (باب أغمات) حيث كانت وصية والدي بدفنه بهذه المقبرة التي يصل عمرها إلى أكثر من عشرة قرون، والتي تمتد على أكثر من ثلاثين هكتارا، حيث دفن الأجداد، وآباؤهم، وكثير من المسلمين الأخيار.

الناس صائمون لربهم ضارعون، والحرارة مرتفعة جدا، والوقت عصرا… وها قد حان موعد وضع والدي ليرتاح في روضته، وأنا أكفكف أدمعي أسى وحزنا على فراق الغالي، الذي كان بين أظهرنا البارحة، وهاهو اليوم في أول منزل من منازل يوم القيامة.

حقا إن هذه الدنيا لا تساوي شيئا، والحقيقة التي لا مرية فيها هي التي أراها الآن.

فيا سائلي عن قوم مضوا،  أما لك فيما مضى معتبر؟

إنها النهاية الحتمية لكل البشر، لا أقصد هنا الفرضية الفلسفية المعروفة، لكن أعني قضاء الله وقدره المحتوم الذي سيشرب من كأسه كل الناس، فأعمارنا قصيرة، وزادنا قليل، وسفرنا طويل، وليس لنا إلا الإله الجليل.

في ظل هذه الظروف الصعبة، والتعب الذي أخذ مني مأخذه، والظمأ الشديد الذي أصاب كل الحضور، وما أن وضعنا والدي رحمه الله في قبره، ومباشرة بعد وضع التراب عليه، حتى عرف الجو تغيرا مفاجئا وسريعا مؤذنا بهطول أمطار الخير والرحمات بشكل لا يصدق، والله كان ذلك في لحظة اتسمت بسرعة غريبة، وزاد من غرابتها استرسالها في التهاطل  بشكل قوي، وقوي جدا فأخذ الناس يكبرون (الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر)، في منظر مهيب أعجز عن وصفه بشكل دقيق، اختلفت أشكالنا جميعا بعدما غيرتها أمطار الرحمة التي غمرتنا، وبللت كل ملابسنا بدون استثناء، وأحذيتنا، بل حتى جواربنا.

هكذا تلطفت الأجواء بالرحمات، وانخفضت درجة الحرارة إلى (27) درجة كما رصدها أحد الأصدقاء على لوحة قيادة سيارته.

لقد تحقق قول الرجل الذي أقسم على الله فأبرّه، فقد أتى خبره يقينا، بعدما رأينا الأرض تهتزّ بالوابل الصيّب، بعدما لحدنا الوالد الطيب (رحمة الله تعالى)، فوالله لقد انتابني إحساس بالفرح ساعتها بعدما كنت في أتعس لحظات حياتي، وكأن ذلك الغيث قد غسل كافة الأوجاع والأحزان التي جثمت على قلوبنا جميعا بفراق لبنة الأسرة، وحافظ عهدها.

تساءلت مع نفسي، كيف لرجل في رقّة الحال، خامل الذكر، أن يعرف أن الله تعالى سينزل غيثا جاريا، بعد أن كان الجو صافيا، بل إن اللظى كان بمراكش يعصف باغيا.

ولا أبرح حتى تأتيني الإجابة كالبلسم الشافي، فذاك رجل ممن يسميهم المغاربة بــ (المجاذيب)، وهم الذين انجذبت أرواحهم إلى العلي القدير جلّ في علاه، فأزجى الله على أيديهم تلك الكرامات، وسبحان من يختص بها من يشاء من عباده، فلا يجريها الله إلا على أوليائه وأصفيائه الأتقياء الأخفياء، وكأن الله جل في علاه تولى ذلك الرجل (المجذوب) بأسراره وأنواره التي لم يطلع عليها أحد من خلقه في ذلك الجمع الكبير.

فمن أين عرف أن صاحب الجنازة رجل مؤمن من أهل التقوى والصلاح؟

ثم من أوحى له أن غيثا وفيرا سينزل من السماء مباشرة بعد وضع الرجل في لحده؟؟

من أين له بكل هذه الدقة في المعلومات؟؟

ثم إلى أين ذهب بعد ذلك، ومن أين أتى؟؟ ومن أحضره في ذلك الوقت بالذات، ليخبرنا بما يدور في ذهنه، ومن غير استئذان، أو نقطة نظام؟؟

أسئلة حيرتني كثيرا، وبعد طول تساؤل وبحث، وجدت أن المجاذيب يحصل لهم اجتذاب رباني، يحدث بصفة تلقائية، وتلك منحة ربانية من واهب النعم، بعد مجاهدة للنفس، وتعلق بالله وحده، فلا غرابة أن يفتح الله لهم الأبواب، ويزيل عنهم الحجاب، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

فقد حضر الرجل، وشهد بأن الراحمين يرحمهم الرحمان، فجاء ما حدثنا به مثل فلق الصبح، فلله في خلقه شؤون.

وأما مسألة طلب والدي رحمة الله عليه بدفنه ( بباب أغمات)، فقد عرفته بعد ذلك، وأنا أقرأ له مذكرة خاصة به، كان قد أهداها إلي قبل حوالي سنتين من وفاته، حافظة مليئة بذكرياته، وأهم الأحداث التي مرت بحياته،  كتبها بأسلوب أدبي بليغ.

كان ذلك حينما وجدته قد كتب موضوعا يحكي فيه أنه حينما كان يؤدي فريضة الحج، إذا به يدعو الله تعالى إذا أراد أن يقبض روحه، أن يكون ذلك وهو طائف في البيت الحرام، وفي نفس الليلة رأى في منامه رجلا يخبره، بأنه سيموت داخل وطنه، وسيدفن بالروضة الشريفة (باب أغمات)، التي كان يزورها كل جمعة مباشرة بعد صلاة الفجر، وقبل طلوع الشمس لزيارة والديه، والدعاء لهما، وسائر أموات المسلمين، كما حدثني بذلك رجل اسمه المهدي، يلازم زوار المقبرة، ويعرف والدي منذ زمن بعيد، وكما كان يقول لي دائما رحمة الله عليه بخصوص زيارة القبور، بيتا شعريا صرت أحفظه عن ظهر قلب:

زُرْ والديك وَقِفْ على قبريهما       فكأنني بك قد نقلت إليهما

لَوْ كُنْتَ حيث هما وكانا بالبقا     لزاراك حبوا لا على قدميهما

كما أذكر أنه رحمه الله عليه، كان يخصص وردا يوميا للدعاء لهما، والترحم عليهما، وعلى فقد كل غصن في شجرة العائلة، والأحباب والأصدقاء.

هكذا شيعنا جنازة والدي الحبيب، ورجعنا من حيث عدنا، وبقي معه عمله الصالح، الذي أرجو الله تعالى أن يكون له شفيعا عند خالقه، وأن يكون القرآن الكريم الذي يحمله في صدره خير مؤنس له في ظلمات القبور، وأن يجعله في أعلى عليين، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا.

فلا دار للمرء بعد الموت يسكنها    إلا التي كان قبل الموت يبنيها

فإن بناها بخير طاب مسكنها          وإن بناها بشر خاب بانيها

حقا إن من أروع الرسائل التي وصلتني إبان وقت رحيل والدي رحمة الله عليه، ومفارقته لهذه الدنيا، وتجلى لي صدقها بكل يقين، أنه من كان في حياته مع الله، كان الله معه في حياته، وبعد مماته، كما تبين لي أهمية الحديث النبوي الشريف: “إنما الأعمال بالخواتيم”، ولقد اتضح لي جليا أن كل من وهبه الله قلبا سليما، يبيت ولا يحمل شيئا في قلبه لأحد من الخلق، لأن مولاه حباه  بنعمة عظيمة، وأيضا من الرسائل التي لمستها أن خلاصة حياة الانسان تتضح، وتنعكس على خاتمته، فالله أسأل حسن الخاتمة لكل إنسان مسلم، يوحد الله ويعبده، ولا يحمل إلا الحب والخير لكل الناس.

قال الله تعالى: ﴿يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية، فادخلي في عبادي وادخلي جنتي (سورة الفجر: 30، 32).

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.