وظائف المسجد الحقيقية والانحرافات التي لحقتها

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة:

من خلال استقرائنا للسنة النبوية وللسيرة العطرة للنبي الكريم عليه الصلاة والسلام نجد أن وظائف المسجد قد تعددت وتنوعت، وشملت جميع مناحي الحياة الدينية والدنيوية، فالمسجد هو القلب النابض في المدينة الإسلامية، وهو مركز الإشعاع الإيماني ورمز قوة المسلمين الذين يلتقون فيه خمس مرات في اليوم على الأقل. وقد قام المسجد في العهد النبوي وفي عهد الخلفاء الراشدين بدوره الحقيقي، وأدى الوظائف التي من أجلها شُــــيد، لكن شاءت أقدار الحق سبحانه وتعالى أن يبتلي هذه الأمة بما كسبت أيدي بعض السفهاء بزوال نظام الحكم الراشدي والذي استُبدل بنظام حكم وراثي من طرف بني أمية ثم من طرف بني العباس ثم من طرف العثمانيين. وقد كان لفساد نظام الحكم وتكميمه للأفواه، واضطهاده للعلماء الصادقين القائمين في وجه الظلم والظلمة وما تلى ذلك من انحرافات في جميع الميادين السياسية والمالية والاجتماعية والعلمية أثره الفادح على المسجد وأهله ووظائفه. ولتقريب هذا الموضوع من القارئ فقد ارتأيت تقسيمه إلى مبحثين رئيسيين:

المبحث الأول: وظائف المسجد الحقيقية في العهد النبوي والراشدي.

المبحث الثاني: الانحرافات التي لحقت وظائف المسجد بعد العهد الراشدي إلى الآن.

خاتمة لخصت فيها بعض النتائج والتوصيات.

المبحث الأول: وظائف المسجد الحقيقية في العهد النبوي والراشدي.

إن مما يبين أهمية المسجد في الإسلام هو فعل الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة، حيث كان أول عمل يقوم به هو بناء المسجد وشارك عليه السلام صحابته في بنائه ليحفز صحابته على العمل، ولينخرط الجميع في بناء أول مؤسسة إسلامية جامعة أراد لها الحق سبحانه وتعالى ورسوله الكريم أن تؤدي أدوارا عظيمة من شأنها أن تقوي المسلمين على جميع المستويات. فبعد أن تأسست دولة الإسلام بعد الهجرة، وكان المسجد أول مؤسسة تُشيد في هذه الدولة، كانت  نقطة انطلاق الدعوة، وكانت مؤسسة إسلامية خالصة، ومؤسسة علمية عملية تعليمية تربوية اجتماعية جهادية سياسية، فالمسجد مؤسسة شاملة شمول الإسلام، وهذا ما سنبينه من خلال بيان وظائفه في العهد النبوي والراشدي، ويمكن تقسيم هذه الوظائف إلى خمس:

1-  الوظيفة الدينية:

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ” كانت مواضع الأئمة ومجامع الأمة المساجد، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أسس مسجده المبارك على التقوى ففيه الصلاة والذكر والقراءة وتعليم العلم والخطب”[1] يقول تعالى:

﴿ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ[2].

فالمساجد بيوت الله التي أذن سبحانه وتعالى أن يعلو فيها اسمه وذكره وتقام عبادته وشعائره، لذلك حث المؤمنين على الصلاة فيها، وضاعف لهم الأجر بسبع وعشرين درجة عن صلاتهم أفذاذا. ورغب الرسول الكريم في صلاة الجماعة في أحاديث كثيرة ورغب فيها بسلوكه عليه السلام، وقد وعى الصحابة الكرام هذا الأمر فكان الواجد منهم لا يتخلف عن الصلاة إلا لعذر قاهر في المسجد ويأتي إليها وهو يتكئ على اثنين من اصحابه حتى قال عبد الله بن مسعود: ” وَلَقَد رَأَيْتنَا وَمَا يتَخَلَّف عَنْهَا إِلَّا مُنَافِق مَعْلُوم النِّفَاق أو مريض وَلَقَد كَانَ الرجل يُؤْتى بِهِ يهادى بَين رجلَيْنِ حَتَّى يُقَام فِي الصَّفّ أَو حَتَّى يَجِيء إِلَى الْمَسْجِد لأجل صَلَاة الْجَمَاعَة “1.

كما رغب الشارع الحكيم في عمارة المساجد بالمرابطة والاعتكاف، فقد اعتكف رسول الله  صلى الله عليه وسلم في العشر الأواخر من رمضان قال تعالى: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [3]، وقالت عائشة -رضي الله عنها- ” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله تعالى، ثم اعتكف أزواجه من بعده”[4]. وللاعتكاف فائدة عظيمة في تطهير الأنفس وإقبالها كلية على الله تعالى بالانقطاع عن الدنيا وزينتها وعن المخلوقات وفتنتها، لذلك منع الشارع مباشرة النساء في الاعتكاف لتسمو روح المعتكف خصوصا وهو في شهر رمضان شهر الذكر والقرآن، ويعيش الخلوة الشرعية التي لن تكون أعظم إلا في المساجد بشهود الجمع والجماعات.

ب -التربية والتعليم:

كان المسجد في العهود الأولى محضن العلم والتربية، تعقد فيه حلقات القرآن والعلم، حيث “كان علماؤنا الأجلاء أحلاس مساجد يجالسون المسلمين ويشاركونهم معاشهم وقلة ذات يدهم، ويعظون ويعلمون”[5].

فالمسجد هو المدرسة التي يتعلم فيها المسلمون نظام حياتهم في كل شيء، في أعمالهم، في بيوتهم، في شؤونهم، في أسواقهم؛ ففي المسجد يؤذن الرجل للصلاة، فإذا أمره الإمام بإقامة الصلاة أقامها، ثم يتقدم الإمام ليؤم الناس، فلا يتقدم أحد لي إلا بعد إذنه، وهذا هو النظام في أسمى صوره وأبهى حلته، ويقوم المسلمون أجمعون خلف هذا الإمام صفوفا معتدلة متساوية، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يهتم بنفسه بتسوية هذه الصفوف وتعديلها ويأمر بها، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم[6][7].

كما كان الصحابة رضوان الله عليهم يقومون بالتدريس في المسجد، فكان ابن عباس- رضي الله عنهما- و غيره من الصحابة يدرسون التفسير والحديث والسيرة النبوية واللغة العربية والأدب… في المسجد، واستمر هذا الأمر بعد جيل الصحابة والتابعين إلى أن ضاقت هذه الجوامع بروادها كجامع القرويين في المغرب، وجامع الزيتونة في تونس وجامع قرطبة في الأندلس، فأصبحت جامعات مستقلة ولها مبان خاصة… فصار دور المسجد جامعة علمية وخيرية وثقافية.[8]

ج -الوظيفة الاجتماعية:  

شرعت صلاة الجماعة في المسجد لأجل التواد والتراحم والتواصل بين المسلمين، فباجتماع المؤمنين يحصل التآلف والتعاطف، فتحنو القلوب، وترق النفوس وتزكو، لذلك نجد الرسول الكريم والرؤوف الرحيم صلى الله عليه وسلم يتعهد أهل الصفة بالصدقات، وهم فقراء الصحابة الذين لم يكن لهم مأوى سوى المسجد، يقول أبو هريرة رضي الله عنه:” كنت وسبعين رجلا من أهل الصفة ما منهم رجل عليه رداء، إما بردة، أو كساء قد ربطوها في أعناقهم”[9] فقد كانوا أشد الناس فقرا وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم كلما جاءه طعام أطعمهم وكذلك أصحابه.

كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم الغنائم والأموال، الواردة عليه في المسجد، على ذوي الحاجات من المسلمين، فإن لم ترد عليه أموالا دعا أغنياء الصحابة للإنفاق على فقرائهم.

ومن هنا نخلص إلى أن المسجد كان مؤسسة اجتماعية بامتياز تجتمع فيه كل مقومات العمل الاجتماعي بالمفهوم المعاصر.

د- الوظيفة القضائية:

كان رسول الله r يفصل في الخصومات ويقضي بين المتخاصمين في مسجده صلى الله عليه وسلم ، ومن أمثلة ذلك ما رواه البخاري عن أن كعب بن مالك قاضى ابن حدرد في دين كان له عليه في عهد الرسول الكريم في المسجد، فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بيته، فخرج الرسول الكريم إليهما حتى كشف سجف حجرته فنادى كعب بن مالك فقال: “يا كعب” فقال: لبيك يا رسول الله فأشار بيده أن ضع الشطر، فقال كعب: قد فعلت يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم “قم فاقضه””[10].

وسار الحال على ذلك في عهد الخلفاء الراشدين من بعده.

هـ- الوظيفة العسكرية:                                                                   

في المسجد كانت تدرس الخطط العسكرية وفيه كانت تجيش الجيوش وتعقد الألوية لتنطلق إلى الفتوحات وإلى الثغور الإسلامية لا العدوان الخارجي، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: “بينما نحن في المسجد يوما خرج النبي صلى الله عليه وسلم فقال: انطلقوا إلى يهود؛ فخرجنا حتى جئنا بيت المدراس فقال: ” أسلموا تسلموا، واعلموا أن الأرض لله ورسوله وإني أريد أن أجليكم عن هذه الأرض، فمن يجد منكم بماله شيئا فليبعه، وإلا فاعلموا أن الأرض لله ولرسوله”[11].

وفي المسجد كان الخلفاء والأمراء يلقون خطب توليهم أمور المسلمين فكانوا يحثون الناس على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والسمع والطاعة في حال الصواب والنصح والتقويم في حال الخطأ؛ قال سيدنا أبو بكر رضي الله عنه يوم توليه الخلافة، بعد أن حمد الله وأثنى عليه، “أما بعد، أيها الناس فإني وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أرد عليه حقه، إن شاء الله تعالى، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ منه الحق، إن شاء الله تعالى، لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم قط إلا عمهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم، قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله”[12].

فالخليفة التي يلقي مثل هذه الخطبة المحفزة، ويعمل في خاصة أمره وعلانيته بشرع الله تعالى، ويحث الناس على طاعته ما أطاع الله، وتقويمه عند إساءته، ويتعهد بالعدل وإنصاف المظلوم وإشاعة الأمن والأمان بين الرعية، فلا غرو أن الرعية ستبادله المحبة والاستجابة والطاعة، وتعم المجتمع روح التعاون والنصرة.

فهذه نبذة مختصرة عن وظائف المسجد الحقيقية يتبين من خلالها أن المسجد كان بمثابة برلمان الدولة اليوم، فيه الحل والعقد، وفيه تتخذ قرارات الدولة، وخططها المصيرية، كما كان جامعة يتخرج منها طلبة العلم في شتى المجالات والتخصصات، بالإضافة إلى كونه دار قضاء ترد فيه المظالم، فكان بحق منارة مشعة ومؤسسة اجتماعية وثقافية وسياسية.

يقول محمود شاكر: “لم يكن المسجد مركزا لحي معين أو أسرة خاصة كدار الأرقم بن أبي الأرقم رضي الله عنه بمكة، وإنما أصبح عاما للمسلمين كافة، يأتيه المسلم في الوقت الذي يراه ولم تعد ضرورة لوجود جماعة إسلامية معينة ولا للدعوة السرية التي كانت موجودة في مكة، وإنما أصبح المسلمون كلهم صفا واحدا ترعاهم الدولة متمثلة بقيادة الجماعة التي كانت ترعى جماعة مكة”[13].

واستمر المسجد يؤدي وظيفته هذه على عهد الخلفاء الراشدين، لكن ومع بداية الملك الوراثي، بدأت تدب الانحرافات إلى وظائفه شيئا فشيئا، إلى أن أصبحت وظيفة المسجد اليوم تنحصر في صلاة الجماعة والجمعة ودروس الوعظ المرتبطة بالمناسبات.

المبحث الثاني:  الانحرافات التي لحقت وظائف المساجد

رأينا في المبحث الأول الوظائف الحقيقية للمسجد في دولة الإسلام وعاش الناس هذه الأجواء وهذه الرسالة المسجدية في ظل العهد النبوي وفي ظل العهد الراشدي ثم وقع الانكسار التاريخي بتحول الحكم النبوي الراشدي الى حكم استبدادي وراثي، ثم توالت النكسات على هذه الأمة وصولا إلى القرن العشرين حيث ابتليت الأمة بالاستعمار الغربي وقد كان للحكم الوراثي الاستبدادي وللاستعمار اليد الطولى في تعطيل رسالة المسجد وتأميمه وتكميم أفواه رجاله، فكيف أثر كل من الاستبداد الوراثي القروني والاستعمار على المسجد وأهله ووظائفه؟ وكيف يجب أن ننظر الى المسجد ووظائفه الآن بعد تشعب الدولة ومؤسساتها وأجهزتها؟

1 – الانكسار التاريخي وظهور بوادر الانحراف

إن ازدهار المسجد وإشعاعه كان في العهد النبوي الشريف ثم في عهد الخلفاء الراشدين من بعده، ولذلك ارتباط وثيق بالحكم السائد، غير أنه بانتقاض عرى الإسلام، والتي أولها انتقاضا الحكم، بدأت الاختلالات والانحرافات تدب إلى سائر العرى الأخرى، يقول الأستاذ عبد السلام ياسين (رحمه الله تعالى): “ذهبت الشورى مع ذهاب الخلافة الراشدة، ذهب العدل، ذهب الإحسان، جاء الاستبداد مع بني أمية، ومع القرون استفحل، واحتل الأرض واحتل العقول، واعتاد الناس أن يسمعوا عن الخلافة الأموية والعباسية وهلم جرا (…) كانت بالفعل شوكة الإسلام وحاميته من العدوان الخارجي، لكن في ظلها زحف العدوان الداخلي لما أسكتت الأصوات الناهية عن المنكر، واغتيل الرأي الحر، وسد باب الاجتهاد (…) لا يجسر أحد على بسط منهاج السنة والقرآن مخافة السلطان. كان القتال في ظلها قد انتهى إلى تركين القرآن وأهله في زوايا الإهمال أو الفتك بهم (…) وفي ظلها تسلط السيف تسلطا عاتيا، وتقدم أصحاب العصبيات العرقية، فحكم بنو بويه والسلاجقة، والعبيديون، وهلم جرا، حكم كل أولئك تحت ظلها، يفتي تحت ظلها المفتون بشرعية حكم المستولي بالسيف، وسلام على الشورى وعلى العدل والإحسان”.[14]

فانحراف رسالة المسجد جاء نتيجة انحراف نظام الحكم السائد، فشتان بين من تربى في بيئة مسجدية يقول حاكمها: “إذا أصبت فأعينوني وإذا أخطأت فقوموني” وبين من نشأ في بيئة منحرفة عن الهدي النبوي فقال: “إني رأيت رؤوسا قد أينعت وحان قطافها وإني لصاحبها”، لذلك لا عجب إن ظهر في المساجد ديدان القراء في مقابل العلماء العاملين الناصحين الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر. فبعد أن كانت المساجد مقرات تلاقي واجتماع المؤمنين كافة، رعية وحكاما، أصبحت تجمع عامة الناس بعد احتجاب الأمراء عن الرعية. فهذا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- كره للوالي الاحتجاب عن رعيته حيث أمر بإحراق قصر سعد بن أبي وقاص لما عزم أن ينقطع عن الناس، يقول ابن كثير: “بني لسعد قصر قريب من السوق، فكانت غوغاء الناس تمنع سعدا من الحديث، فكان يغلق بابه ويقول: سكن الصويت. فلما بلغت هذه الكلمة عمر بن الخطاب، بعث محمد بن مسلمة، فأمره إذا انتهى إلى الكوفة، أن يقدح زناده ويجمع حطبا ويحرق باب القصر، ثم يرجع من فوره. فلما انتهى إلى الكوفة، فعل ما أمره به عمر، وأمر سعد أن لا يغلق بابه عن الناس، ولا يجعل على بابه أحدا يمنع الناس عنه، فامتثل ذلك سعد.”[15].

واستمرت الأمة على هذه الحال، إلى أن ولي الحكم أول ملك في تاريخ الإسلام، معاوية بن أبي سفيان، فاحتجب عن الناس لما خاف أن يغتال كما اغتيل علي بن أبي طالب – كرم الله وجهه- واتخذ المقاصير في المساجد ليصلي فيها ذوي السلطان وحاشيته، واتخذ المراكب فاستن “الخلفاء” الملوك بذلك، فصاروا، مع كونهم يتولون الحرب والصلاة بالناس، ويباشرون الجمعة والجماعة والجهاد وإقامة الحدود، لهم قصور يسكنون فيها ويغشاهم رؤوس القوم فيها.[16]

لكن وبالرغم من احتجاب الأمراء عن الصلاة في المسجد الجامع، إلا أن المساجد بقيت تِؤدي دورا مهما وحيويا في حياة الناس؛ حيث حافظت على وظيفتها التعليمية والاجتماعية والسياسية، فتخرج منها عبر التاريخ، علماء وفقهاء ومحدثون ولغويون… فكانت تشد إليها رحال طلبة العلم، كما كانت إلى عهد قريب، مأوى لعابري السبيل، ومسكنا لمن لا مسكن له، وشكلت منطلقا لحركات الجهاد ضد الاستعمار الغاشم.

استفحال الانحراف مع الاستعمار  وما بعده:

وبعد تمكن المستعمر من بسط سيطرته على بلاد المسلمين، تفطن إلى الدور الهام الذي تلعبه المساجد في تعبئة الناس وشحن طاقاتهم الفكرية والروحية، فعمل على طمس مهمتها، وتفريغها من وظيفتها الأساسية، التي هي الدعوة إلى الله باعتباره أحسن القول، يقول تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ[17]، وجعلها خاصة بعبادة الصلاة، ثم توصد الأبواب كأنها مؤسسة انتهى وقت دوامها، خوفا من أي اجتماع قد يكون سببا في إيقاظ الهمم، ومعرفة الصراط المستقيم، فتكون الانتفاضة في وجه الظلم والظالمين.

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين:” الاستعمار الخارجي الداخلي، الذي لا يقيم وزنا لشيء يسمى الدعوة، ولشيء يسمى المسجد ومؤسسة المسجد، إلا أن يكون المسجد مربضا للراكعين الساجدين، الرعية المسلوبة الحق، أو يكون أبهة بنايات فخمة تخلد ذكرى الكبراء لتعبد فيها إلى جانب المولى -العزيز سبحانه-، ذكرى المؤسس تنسب إلى اسمه المساجد ويذكر فيها اسمه مع اسم الله ولا حول ولا قوة إلا بالله.”[18]

فتهميش دور المسجد مسألة مدبرة، وخطة محبوكة، من طرف المستعمر ورثها عنه الفاسدون من بني جلدتنا، ذلك أن انفتاح المساجد ومواكبتها للقضايا الجديدة والمعاصرة، تعد من أهم مصادر التربية بل التوعية السياسية لأبناء الأمة الإسلامية في وقتنا الحالي، وهذا يعد بمثابة الخطر الداهم والموج العارم الذي يقض مضجع أعداء الإسلام. لذلك تجدهم يعملون كل ما في وسعهم، لابتكار الأساليب والخطط، من أجل تقزيم دور المسجد، إلى أن أصبح محصورا في أداء الصلاة، حيث لم يعد يسمح للمسجد أن يفتح أبوابه إلا بضع دقائق قبل الآذان ثم يوصدها بعد الانتهاء من الصلاة مباشرة.

أما خطبة الجمعة، التي شرعت لتعايش أحوال الناس، وتعالج مشاكلهم وما استجد لهم من قضايا خلال الأسبوع، وتحللها وتناقشها بكل حرية وتجرد، لتبين حكم الشرع وتنير الطريق لطالبي الحق ومريدي المحجة البيضاء؛ هذا المنبر التعليمي الدائم والمستمر الذي تبقى من الوظيفة المركزية للمسجد، لم يسلم من الاستهداف والتحريف عن الجادة، فأصبحت خطب الجمع، إما عبارة عن مواعظ تطبعها الرتابة، تهتم بالجزئيات من الدين في مقابل إهمال تام للأساسيات، وإما منابر لتكفير العامة من المسلمين وتبديعهم وتسفيههم، وفي أحسن الأحوال إنزال جام الغضب عليهم وتحميلهم مسؤولية ما آلت إليه أوضاع الأمة من فساد في العقيدة والأخلاق.

كما اندس في المساجد فئام من الناس لا هم لهم إلا التجسس على عباد الله، أو وإشعال الفتن بين الناس، بإصدار الأحكام الجاهزة على عقيدة خلق الله، وكأني بهم أعطوا التفويض من قبل الحكيم الخبير: فتارة يفسقون، وتارة يبدعون، وأدهى من ذلك كله وأمر، فهم يكفرون خلق الله -والعياذ بالله- إنهم ” جماعة عمروا المساجد وطردوكم منها وأكذبوكم في دروسكم، لا هم لهم إلا تكفير المساكين الذين لا يزالون يغشون المساجد. فإن سمعوا من يذكر اسم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيادة صاحوا: يا للشرك! ويعمدون إلى الجزئيات المذهبية يفتنون بها الناس، إنهم عمار المساجد وفتانها في غيابكم معشر العلماء، وإنهم باسم السنة والحديث يقبحون أئمة المذاهب ويسفهونهم وينعتوهم بأقبح النعوت”.[19]

مضى عهد العلماء العاملين الربانيين، الذين لا يخشون في الله لومة لائم، كانوا يصدحون بالحق من على المنابر، ديدنهم توجيه الناس ونصحهم، رعية كانوا أو حكاما، لا يحابون أحدا، ولا يرتزقون بدينهم وعلمهم، وإن كلفهم ذلك حريتهم أو حتى حياتهم؛ لأنهم فهموا عن الله معنى التوقيع عن الله، وفهموا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم معنى العلماء ورثة الأنبياء، وعلموا بأن إعلاء كلمة الله هي المبتغى، وبأن المستعمر ما جاء إلا لإذلال المسلمين بطمس هويتهم وعقيدتهم والسيطرة على ثرواتهم وخيراتهم، ومن أمثلة هذا الصنف ذكر الشيخ محمود شاكر شباب جامع الزيتونة حيث كانوا “أنموذج في الوطنية، إذ يرون أنه لا يمكنهم التعايش مع الفرنسيين المستعمرين الصليبيين، لأنهم يؤمنون تمام الإيمان أنهم يختلفون عنهم تمام الاختلاف، عقيدة ولغة، ولما كانت كل جوانب الحياة تؤخذ أو تنبع من العقيدة لذا فهم لا يلتقون مع الفرنسيين أبدا، بل هناك ما هو أشد من هذا، إذ يعتقدون أن الفرنسيين إنما دخلوا تونس وغيرها من الأقطار الإسلامية لإذلال المسلمين وفي سبيل القضاء على الإسلام بدوافع الحقد الصليبي، فكيف ينظر المرء إلى آخر جاء لإذلاله وقتل أعز شيء عنده، وهو العقيدة؟ إذن لا يمكن أن يقبل هؤلاء الفرنسيين أبدا ولا بد من قتالهم لإخراجهم من البلاد. فهم إذن أصحاب عقيدة”.[20]

مضت إذا تلك الأيام، التي كان المسجد فيها منارة المسلمين وحصنا منيعا، كان رواده وعماره أصفياء السريرة صفاء العقيدة، مستنيري القلوب بنور الإيمان، تلهج ألسنتهم بذكر الله فتتشربه القلوب ثم يسري إلى الجوارح ليخرج عملا صالحا، فيأتمرون بأمر الله عز وجل وينتهون عن نواهيه، حتى أصبحوا قادة العالم، يحسب لهم ألف حساب، قبل أن يتفطن العدو لمصدر هذه القوة ومنبع هذا الفيض، الذي يخرج ويتخرج أهله وأصحابه من المسجد. فبذلوا الجهد الجهيد لضرب هذه المعلمة بل المؤسسة العتيدة العنيدة، وتم لهم ذلك بعد ضعف الوازع الديني لبعض العلماء، خصوصا عندما اختلط أهل القرآن بالسلطان، حيث أقحموا في السياسة السياسوية وتلوثوا بذرنها، وتركوا مهمتهم السامقة، مهمة الدعوة التي انتدبهم الله إليها، تاركين الساحة العلمية والتربوية فارغة، وفاسحين المجال لقليلي العلم والتربية وجهال الناس ليعيثوا فيه فسادا.

3- مهمة المسجد في الوقت الحالي          

نكون غير منصفين، إن نحن قلنا أو تصورنا أن المساجد اليوم ينبغي أن تتقلد كل الوظائف وتلعب كل الأدوار التي كانت لها في سالف عهدها، فالعصر الحاضر عصر التخصصات، وبالتالي فهناك مؤسسات مختصة في المجال التعليمي، وأخرى في المجال الاجتماعي، وأخرى في التشريع والسياسة…، لكن ما ينبغي وما يجب أن يكون للمسجد هو استقلاله وسيادته على باقي المؤسسات، ليكون المرشد والموجه لكل تلك المؤسسات، وأن تكون مؤسسة المسجد تعمل تحت إشراف هيأة العلماء العاملين الربانيين الذين يوكل لهم مراقبة وتوجيه هذه المؤسسة، وإقامة الدين من خلالها، كي لا:” تضيع منهم الفرصة التاريخية، وتتسرب من بين أصابعهم إن هم عمدوا إلى ساحة النضال السياسي والنزال التناوبي على الحكم، الفرصة التاريخية غير النصرة السياسية. مؤسسة المسجد ومنبر الوعظ والجهر بكلمة الحق، والإشعاع الإيماني، ومغالبة أهوية الإعلام العلمي المخرب، والتصدي لأهوائه، والأمر بالمعروف بالكلمة مباشرة، وحمل الناس عليه بالقوية الحليفة، والنهي عن المنكر، وزجر الناس عنه بقوة الحكومة الموالية. تلك مجالات رجالات الدعوة، وتلك مواطن تأسيس بل إعادة تأسيس دولة القرآن. يتدنس أهل القرآن “بالعمل” السياسي المباشر وتخلى مواطن البناء على القواعد إن ذهب بأهل الدعوة ريح مزاولة الحكم ومعاناته اليومية. ما خشي من آذاه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما على أكابر الصحابة وأهل بدر، أولى أن يخشى وباله على من دونهم”.[21]

خاتمة:

سبق فيما مهدت أنه كان من وظائف المسجد الجامع، إقامة صلاة الجمعة فيه؛ حيث كانت المدينة تقوم عن بكرة أبيها، لتلتحق به سماعا لخطبة الإمام المحفزة للهمم والداعية إلى خير الدنيا والآخرة، وتأدية للصلاة وسط جماعة المؤمنين الذين حجوا من كل الأنحاء؛ لكن ما نراه اليوم هو أن صلاة الجمعة صارت تقام على صعيد مسجد الحي، فانتهكت حرمة الجمع وانتهك معها المقصد الأسمى الذي ابتغاه الشارع الحكيم منها، حيث كانت تتآلف القلوب وتتاحب وتنتصح وتأتمر بالمعروف وتتناهى عن المنكر.

فأم الانحرافات التي أصبحت تشكو منها المساجد، هي عدم استقلاليتها وتبعيتها للجهاز الحاكم الذي يملي عليها تعليماته؛ فأصبح الإمام بوقا للدولة بعدما كان إلى عهد قريب هو الآمر الناهي، يضرب لكلمته ألف حساب ويأخذ بمشورته في أعقد الأمور؛ إذا قال يسمع لقوله، كان هو النائب والخليفة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ[22]. ومن أعظم الظلم ما يمارس اليوم على عمار بيت الله، ثلة المؤمنين التي فرت من غربة الدين، ولجأت إلى المساجد تحيي فيه سنن المصطفى صلى الله عليه وسلم، فتعتكف في العشر الأواخر من رمضان لأنه ليس هناك مكان لذلك غير المسجد؛ إلا أنها جوبهت بالمنع والضرب وقد يصل الأمر إلى السجن.

فهذا غيض من فيض مما لحق بيوت الله، التي أصبحت تشكو حالها وما آل إليه أمرها لبارئها، عساه -سبحانه- ينصر أحبابه ويمكنهم في الأرض ليعيدوا للمساجد عزها ويحيون فيها ما أماته جهاز القمع والفساد.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] – مجموع فتاوى ابن تيمية 35/39.

[2] – سورة النور- آية 36.

1  – سنن أبي داوود، باب التغليظ في ترك صلاة الجماعة، 1/ 412 .

[3] – سورة البقرة- آية 124.

[4] – أخرجه البخاري، كتاب الاعتكاف- باب الاعتكاف في العشر الأواخر والاعتكاف في المساجد كلها:1/479، رقم: 2025.

[5] – الإسلام أو الطوفان، عبد السلام ياسين- ص:112.

[6] – رواه مسلم، كتاب الصلاة- باب تسوية الصفوف وإقامتها وفضل الأول فالأول منها، والازدحام على الصف الأول والمسابقة إليها وتقديم أولي الفضل وتقريبهم من الإمام- رقم 432 – 1/204.

[7] – سبل السلام من صحيح سيرة خير الأنام، صالح بن طه عبد الواحد- صص: 256-257.

[8] – نقلا عن الجزيرة نت، برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي بتاريخ 4 ذو الحجة 1432 موافق 30/10/2011. موقع: www.quaradawi.net

[9] – أبو هريرة (بوابة الإسلام)، محمد عجاج الخطيب- مكتبة وهبة – الطبعة الثالثة: 1402ه/1982م صص: 81-82.

[10] – أخرجه البخاري- كتاب الصلح – باب الصلح بالدين والعين- رقم 2710 – 2/656.

[11] – أخرجه البخاري- كتاب الجزية والموادعة- باب إخراج اليهود من جزيرة العرب، رقم 3167- 2/296.

[12] – التاريخ الإسلامي- محمود شاكر، 3/55.

[13] – التاريخ الإسلامي 2/149.

[14] – نظرات في الفقه والتاريخ –ص:16.

[15] – البداية والنهاية – 10/35.

[16] – يوسف القرضاوي- برنامج الشريعة والحياة.

[17] – سورة فصلت – آية 32.

[18] – كتاب العدل – ص:688.

[19] – رسالة الإسلام أو الطوفان- ص: 118.

[20] – التاريخ الإسلامي- 14/208-209.

[21]– العدل الإسلاميون والحكم-ص-681.

 [22]- سورة البقرة؛ آية:113

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: