هلا سألت الكلب يا ابنة مالك!

غرور الملحدين (5)

عندما يلتقي أوروبيان أو أكثر يسألون بعضهم عن أحوال الطقس ثم عن حيواناتهم الأليفة (pets) ويأخد منهم هذا وقتا معتبرا.. يتكلمون عنهم.. عن أمراضهم وشقاوتهم وعلاقاتهم ويبدون حنانا زائدا تراه من تعابير وجههم وانحناءات رؤوسهم وابتسامتهم الجوكندية المائلة للبكاء..
حين أكون معهم، تكون هذه فترة استراحة بالنسبة لي..
في مرة من المرات وفي موقف كهذا.. ابتسمت وياليتني ما فعلت.. فقد انتبهت إحدى الحاضرات وسألتني “وأنتم هل لديكم حيوانات؟” أجبت وأنا أغالب رغبتي في الضحك إذ تذكرت قطط مزابلنا وكلاب سلخاناتنا الطلقاء السعداء.. فقلت “أوه كثير.. كثير..”..
فقالت “أعني.. في منازلكم..”
أجبتها على الفور “لا أبدا .. لا يمكن بالنسبة لي.. هناك اجانب يجرون كلابهم في أحيائنا من أعناقهم.. وهناك بعض المغاربة يقلدونهم لكنهم قلة..”
فقالت وفي كلامها مخلفات امتزج فيها الارهاب بمعاملة بعض الشرقيين للمرأة، بذبح الأضاحي، بكثرة الفقراء الذين رأتهم حين زارت بلداننا، بما لا أدري من صور رأتها عنا أو حكايات سمعتها أو عاشتها.. قالت “لماذا لا تحب الحيوانات؟”.. فقلت “ما قلت هذا .. أنا أعشقها.. “.. فأجابت في استغراب “لكنك ترفض بتاتا أن يكون عندك حيوان في بيتك” .. فاجبتها “هذا من فرط حبي واحترامي لها! أتركها تعيش حرة مع بعضها.. لا يمكنني أخذ سمكة من نهر أوبحر فسيح لأضعها في متر مربع من الزجاج .. إنها أنانية ما بعدها أنانية.. لو تركتها لكانت اكتشفت في كل يوم ما تخبؤه ملايين الأمتار المربعة من البحر من جمال وغرابة..”..


لم يتوقع أحد جوابي.. ولأنها عادة رسخت لديهم أن يذكروا حيواناتهم يوميا خاصة ونحن بعيدون عن أوطاننا.. قررت السائلة بأن لا تفهم!.. وبالتالي أن تبحث عن مخرج ففكرت في استثناء.. وقالت.. “ربما.. لكن ما العيب أن يكون لك كلب .. انا كلبي يحبني واخرجه يوميا للتنزه حين أعود من العمل ولديه طبيب وأشتري له الطعام الجيد ومرات ألبسه أزياء جميلة وأبادله الحب..”

كان هذا الحوار سنة 1999 لم يكن النت يروعنا بعد بسلخانات أوروبا حيث تقتل الأبقار برصاصة في الرأس لا تقتلها تماما فتسلخ وهي لم تمت بعد وتتحرك ألما.. لم يكن لدي حينها مقاطع من يوتوب تظهر الدجاج يخنق والكتاكيت تطحن حية كاملة بريشها وأمعائها وما حوت أمعاؤها لتصنع قطع النوكت (nuggets) التي نشتريها لأطفالنا.. لم تكن هناك مقاطع الكوريدا حيث يقتل النذل الوسيم الرشيق الأنيق ثورا أعزل على مهل وبضربات سيف غادرة يتلذذ هو والجمهور بها… كما تلذذ أسلافهم بمناظر أكل السباع للناس في الكولوسيو بروما..
كان النقاش سيكون أسرع وأجدى..
لكن لكل زمان حجاجه.. وحججه..

نعود لحوارنا.. حين ذكرت خبيرة التدقيق الدولية كلبها وطبيبه وأكله المتميز وخرجاتهما المسائية لتقنعني بأننا -المسلمين- نقسو على الحيوانات.. أجبتها: “حين تخرجين كلبك للتنزه.. ألا تخافين أن يضيع.. وباريس قد تكون مكتظة ليلا أو أن تدهسه سيارة..”..
قالت وهي تضحك من جهلي لبداهة جوابها “لكني أضع له حزاما”
فاستدركت حالا “أين؟” فقالت على التو “حول عنقه بالطبع”..
حينها اتكأت على الكرسي لكي تتذكر الفتاة وكل الحاضرين حول مائدة الاجتماع المستديرة.. هذه اللحظة من الحوار.. قلت لها : “هل حدث أن سألت كلبك عن شعوره وهو مكبل من عنقه؟ أو عن نظرات الكلاب له وهو بلباس مهرج؟ أين هي حريته وأين هي كرامته؟”
فسكتت..
ثم استطردت قائلا: “إن علاقتك بكلبك وحبه لك علاقة عبد بسيده الذي اشتراه..يطعمه ويأسره ويطلق سراح وقتما شاء.. ويذله ويكبله من عنقه.. إن كان ينتظرك بشوق أو يبكي حي تمرضين أو تموتين..
فاعلمي أن العبيد يبكون سيدهم -الذي لطالما عذبهم وأهانهم- إذا مات..
فطول الذل قد جعل منهم أيتاما..”

بقلم: مصطفى شقرون

اظهر المزيد

مصطفى شقرون

مدقق دولي ومستشار مالي واستراتيجي 27 سنة تجربة مهنية بشركات عالمية ومحلية كبرى كمدير مالي ومدير عام سافر عبر 47 بلدا في إطار العمل والسياحة الدعوية شاعر وملحن وكاتب معد ومخرج لوثائقيات في مقارنة المعتقدات "بساطة الحق" (The truth is simple)" ومعد لبرامج تلفزية أخرى اهمها "كتب قيمة" و"فقه الريادة" و "علوم أساطير"

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: