نصيحة أم المؤمنين “أم سلمة” للحبيب المصطفى فى صلح الحديبية

هى “هند بنت أبى ُأمية بن المغيرة المخزومى” رضي الله عنها, أخت ” عمار بن ياسر ” من الرضاعة, وأبوها من سادات قريش المشهورين بالكرم, حتى لقبوه: ” زاد الراكب “, حيث كان يمنع من يرافقه فى السفرمن التزود بأى مؤونة, ويكفيه هو بالمؤنة.

 ويطلق عليها ” ذات الهجرتين ” لهجرتها إلى الحبشه والمدينة “, زوجها “أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد المخزومى”, أحد أشراف بنى مخزوم, وهو إبن عمة رسول الله  ” برة بنت عبد المطلب “, وأخوه من الرضاعة, إذ أرضعتهما ” ثويبة مولاة أبى لهب “. أُصيب يوم ُأحد بسهم فى عضده, سبب له جرحا بليغاً, مازال يعانى منه حتى قبضه الله بعد عودته منتصراً فى معركة “بنى أسد” التى غسلت هزيمة المسلمين فى ُأحد . وكان قد حضره رسول الله وهو على فراش الموت, وبقى بجانبه يدعو له بالخير حتى مات, فأسبل بيده الكريمة عينيه, وأمر , فحمله المسلمون إلى زوجته أم سلمة, ودُفن فى ثيابه فى ُأحد (1).

وكان قد صَلَّى عليه الحبيب المصطفى , وكبر تسعة تكبيرات (1), فقيل له بعد الصلاة: يارسول الله أسهوت أم نسيت؟ فقال: ” لم أسهو ولم انسى, ولو كّبَّرت على أبى سلمة ألفاً لكان أهلاً لذلك, ونذكر عنهُ ايضاً أنه كان قد رأى اخيه ” الاسود بن عبد الأسد ” فى معركة أُحد فى صفوف المشركين, فاستأذن الرسول أن يقتله, فمنعه, وعندما دارت المعركة قتله ” حمزة بن عبد المطلب ” عم النبى , وهنا قال النبى : ” إن الأسود بن عبد الأسد, أول من يُعطَى كتابه بشماله, وأن أبا سلمة, هو أول من يُعطىَ كتابه بيمينه ” (2).

وكان أبو سلمة يدعو قبيل وفاته: ” أللهم أخلفنى فى أهلى خيراً “, ويكررها كثيراً, وكانت تسمعه ” أم سلمة “, ولا تدرك أبعاد هذا الدعاء, حتى خطبها رسول الله . بعد تمام عدتها, وكان قد تقدم للزواج منها كل من ” أبو بكر الصديق “, و” عمر بن الخطاب “, ولكنها رفضت فى رفق, ثم بعث فى طلبها الحبيب المصطفى , فاعتذرت لثلاثة أسباب: أنها غيــــــــــــورة, ومسنة, وذات عيال, حيث كان عندها من أبى سلمة أربعة من العيـــــــــــــال.

____________________________________________________

(1) تكبيرات صلاة الجنازة أربع تكبيرات.                                                       

(2)زينب بنت خزيمة الهلالية العامرية أم المؤمنين إحدى زوجات النبي محمد صلى الله عليه وسلم, وعاشت عنده ثلاثة أشهر ثم توفيت.

فأجابها الرسول : ” أما أنك مسنة, فأنا أسن منك, وأما الغيرة فسيذهبها الله عنك, وأما العيال فإلى الله ورسوله “.

وتم الزواج فى شوال سنة أربع من الهجرة,  625م, على مهر قدره عشرة دراهم, وتذكرت أم سلمة حينئذ دعاء أبى سلمة ” اللهم اخلفنى فى أهلى بخير “, وعاشت وأولادها الأربعة فى بيت النبوة, وكان  يحنو على أولادها, ويغمرهم بالرعاية والحب, خاصة إبنتها “زينب” وهى طفلة صغيرة, وكانت أصغر أولادها, وكان  يداعب أم سلمة ويقول لهــا: “أين زِناب”. وقد خَلَفَت “أم سلمة” ” أم المساكين “(2), فى حجرتها, وكانت رضى الله عنها رغم سنها, ماتزال تتمتع بقسط وافر من الجمال (3).

كانت السيدة عائشة رضى الله عنها تباهى ضرائرها بأن الوحى يتنزل على رسول الله  وهو فى بيتها, فلما تزوج ب – أم سلمة – قاسمتها ذلك الشرف. وكان قد نزل قرأناً فيما يخص  الصحابى الجليل ” بشير بن عبد المنذر ” المكنى “بأبى لبابة الأنصارى”, عندما أشار برأى إلى يهود بنى قريظة, وكانوا فى عداوة مع المسلمين, دون الرجوع الى رسول الله ,, وندم على

شكل (1): مقام “أبى لبابة الأنصارى ”  بمدينة قابس فى تونس

مافعل, ونذر أن يربط نفسه فى سارية المسجد, بسلسلة ثقيلة, ومنع نفسه الطعام والشراب, وكان فى شدة الحر,  حتى يتوب الله عليه, ونزل فيه قول الله وكان الرسول  فى بيت “أم سلمة”: ” وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ  إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ” التوبة 102, وسمعت ام سلمة فى حينه رسول الله  يحمد الله فى سعادة, ويقول بعد تلاوته للأية الشريفة: “لقد تيب على أبى لبابة”, فقالت مستبشرة: أو لا ُأًبشره يارسول الله؟  وكان مربوطاً بعمود المسجد المجاور لباب حجرتها,  فقال : بلى …إن شئت, وكان ذلك قبل فرض الحجاب, فخرجت رضى الله عنها وقالت لأبى لبابة: ” أبشر يا أبا لبابة فقد تاب الله عليك “, فأسرع المسلمون فرحين ليطلقوه, ولكنه قال لهم, لا والله, حتى يكون رسول الله هو الذى يطلقنى بيده الشريفه.

كما نزلت فى بيتها أيضاً الاية 33 من سورة الأحزاب ” إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ” , كما نزلت ايضاً ” وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا  إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ” 118 التوبة (4).

أهمية موضوع “صلح الحديبية”:

لقد قرأت كل ما وقع تحت يدى من الكتب الخاصة بالسيرة النبوية, ووجدت أن صلح الحديبية وحكمة ” أم سلمة ” رضى الله عنها فى هذا الموقف يعتبرا من أهم الأحداث التى مرت بها الدعوة الإسلامية,. ويرجع ذلك لعدة أسباب, من أهمها أنه فى هذا الوقت كانت تتنافس القوى العظمى فى العالم والمتمثلة فى الفرس والروم, كل منهما يمجد فى حضارته ويقلل ويحقر من شأن الأخرين, فكانت فترة الهدنة المتفق عليها فى صلح الحديبية, وهى عشر سنوات هى بداية المنعطف الإعلامى لنشر مبادىء الإسلام لتشمل كل أجزاء الجزيرة العربية, بل وتنتشر خارجها أيضاً, حيث أرسل الرسول  رسله إلى ملوك وزعماء العالم فى هذا الوقت, فى حملة إعلامية مدروسة ومنظمة, والتى تعتبر بحق فتحاً إعلامياً لايقل أهمية عن الإنتصارات الحربية على الأرض. وعلى هذا الأساس فإن ثمرات صلح الحديبية جاءت محققة لطموحات المسلمين جميعاً, حيث تم فتح مكة بعد الصلح فى أقل من عامين, ودخول قريش والكثير من القبائل العربية فى دين الله أفواجا, وإنكسار شوكة اليهود, وإنتشار الإسلام فى كل ربوع الجزيرة العربية (5).

والحديث عن ” أم سلمة “, كبير لا يبلغ نهايته الكثيرين من كُتَّاب السيرة النبوية. فقد حباها الله قدراً كبيراً من الجكمة ورجاحة العقل, خاصة فى الأزمات, والذى أتضح بجلاء فى نصيحتها لرسول الله , عند دخوله خيمته, بعد الإنتهاء من كتابة شروط صلح الحديبية, وعدم إنصياع المسلمون لأوامره بحلق الشعر والنحر, وكان فى شدة حزنه وغضبه, وهو يقول لها ” هللك المسلمون, هلك المسلمون ” (6).

كما كان لها مواقف متعددة, بشفاعتها لدى الحبيب المصطفى , وكانت دائما تنجح فى إقناعه برأيها, ومنها أنها حين طلبت منه عند فتح مكة, أن يصفح ويعفو عن إثنين من الذين كانوا يؤذون الرسول  وهو فى مكة قبل الهجرة, وهما: “أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب” إبن عم الرسول, و “عبد الله بن أبى أمية بن المغيرة” إبن عمة الرسول, حيث قالت له: يارسول الله لاتجعل إبن عمك وإبن عمتك أشقى الناس بك, فرق لكلامها رسول الله , واذن لهما بالدخول عليه, وأسلما, وإذ ذاك سُرّت أم سلمة سروراً شديداً بدخول هذين الرجلين إلى الإســـــلام.

وكان من شفاعتها أيضاً, فى أخيها ” المهاجر بن أبى أمية “, وكاان أسمه “الوليد”, قبل إسلامه وهجرته, فسماه الرسول  “المهاجر”, بعد إسلامه وهجرته, وكان الرسول قد استعمله على ” قبيلة كِندة ” فى وسط أرض الحجاز, وكان قد تأخر فى تبوك, فعاتبه رسول الله  بشدة, وبينما أم سلمة رضى الله عنها تغسل رأس النبى,  كانت تقول له: كيف ينفعنى العيش معك وأنت عاتب على أخى؟ وكان أخاها بالخارج عند باب حجرتها, فلما أحست برقة فى حديث الرسول  أومأت الى الخادم بدخول أخوها, وأعتذر للرسول وقبل إعتذاره, وعاد إلى عمله على قبيلة كِندة (7).

ولعل أهم مشوراتها للرسول , هى مشورتها التى يذكرها التاريخ دائماً كلما جاء ذكر “صلح الحديبية”, وكان الرسول صلى الله عليه وسلم, قد رأى فى منامه وهو فى بيتها رؤيا أنه دخل مكة مع أصحابه محلقين رؤسهم ومقصرين, وأنه أخذ مفتاح البيت, وطاف مع أصحابه مع الطائفين. فلما قُضيت صلاة الصبح, قص الرسول  رؤيته على أصحابه, وهو مستبشر برؤياه, وقد صاروا جميعاً موقنين أن الفتح قريب, فرؤيا الأنبياء وحى, وإخباراً بما سيكون فى الحقيقة. وقد خرج فعلاً رسول الله  لأداء العمرة ومعه من كل زوجاته ومنهم أم سلمة, ومعهم ألف وأربعمائة من المهاجرين والأنصار, وأحرموا للعمرة, وارتفعت التلبية ” لبيك اللهم لبيك “, تشق صمت الصحراء, فى طريقهم إلى مكة. ولكن قريشاً منعت النبى  من أداء العمرة, وتم الإتفاق على صلح الحديبية, وقد أغضبت شروط الصلح المسلمين غضباً شديداً, خاصة ما جاء بها بأن يلتزم المسلمون بالمدينة بعدم قبول أى من قريش إذا دخل الإسلام وتوجه إلى المدينة إلا بموافقة وليه, ولا تلتزم قريش بمن يرتد لها من المسلمين بإرجاعه إليهم بالمدينة. كما منعوهم من الطواف بالكعبة, وأن يكون الطواف فى العام التالى. وكان من أشد المسلمين غضباً “عمر بن الخطاب” رضى الله عنه, حتى أنه أشتد فى مناقشته مع رسول الله , وقد لامه على ذلك أبو بكر على حديثه مع النبى , وقال له: “إنه رسول الله, ولا يعصى الله, وهو ناصره, فاستمسك بغرزه حتى تموت, فوالله إنه لعلى الحق”.

وكان المسلمون على مشارف مكة, عند منطقة تسمى الحديبية على بعد أميال معدودة من مكة, وفى قلوبهم ذلك الأمل أن يطوفوا بالبيت العتيق, ولكن حدث شىء غريب, أحزنهم !!! , لقد بركت ناقة رسول الله  فى ذلك المكان ولم تتحرك !!! وأخذوا يتسألون: ماذا حدث لناقة رسول الله , وأجابهم الرسول بقوله: ” لقد حبسها حابس الفيل”. وهنا أحسوا أنهم لن يطوفوا بالبيت العتيق. وقطع عليهم هذا التساؤل نداء الرسول : أيها المسلمون, “قوموا فانحروا ثم احلقوا”, ولكن المسلمون ” ولأول مرة” لم يستجيبوا للحبيب المصطفى , الذى كررها ثلاثة مرات ولكن دون جدوى !!! وحزن الرسول صلى الله عليه وسلم حزناً شديداً, وترك المكان ودخل على زوجته “أم سلمة” حزيناً, مهموماً, حائراً, وذكر لها ماحدث, …. وتفتق ذهنها عن عبقرية قل نظيرها فى التاريخ, قالت: يا نبى الله أتحب أن يطيعوك ؟؟؟ قال: بلى, قالت: أخرج ولا تكلم أحد منهم, ولا تنظر إليهم, وأنحر بُدنك, وأدعو حالقك فيحلقك, وسينصرك الله. وأخذ الحبيب المصطفى  بمشورتها “رضى الله عنها”, فلما رأوا المسلمون ذلك قاموا فنحروا, وجعل بعضهم يحلق بعضاً من شعره فقط لإظهارسرعة الإستجابة. فياله من درس تعلمناه تعلمناه من خريجة بيت النبوة, عن دور “القدوة العملية فى التربية” (8).

كما كان لأم سلمة شرف الجهاد مع رسول الله  فى العديد من غزواته بعد زواجه منها, فكانت معه فى صلح الحديبية فى غزوة المريسيع, وغزوة خيبر, وفتح مكة, وحصار الطائف, وغزوة هوازن وثقيف,  وصحبته كذلك فى حجة الوداع, وقد توفيت أم سلمة فى عام 61هجرية, 682ميلادية, ودُفنت فى البقيع, عن عمر يناهز 84 عاماً, وهى اخر من ماتت من أمهات المؤمنين, وقيل أنها ماتت متأثرة بحزنها الشديد بمقتل الحسين (9).

المراجع:

(1)محمد إبراهيم سليم, نساء حول الرسول, مكتبة إبن سينا, 13-6-2015 

(2) د. نبيل لوقا بباوى, زوجات الرسول بين الحقيقة والإفتراء, الأزهر الشريف, 2011.

(3)محمد على قطب, زوجات الأنبياء وأمهات المؤمنين, الدار الثقافية للنشر, القاهرة, 2004.

(4)أحمد خليفة جمعة, نساء أهل البيت, دار اليمامة للطباعة والنشر, دمشق, 1994.

(5) سليم عبد الله حجازى, منهج الإعلام فى صلح الحديبية, دار المنارة, جدة, 1986.

 (6)السيد إبراهيم أحمد, نساء فى حياة الرسول صلى الله عليه وسلم, إتحاد الكتاب والمثقفين العرب, 2011.

(7)صلاح الدين محمود السعيد, زوجات النبى صلى الله عليه وسلم, دار البيان العربى, الأزهر, القاهرة, 2006.

(8)المرجع (1).

(9)المرجع (2).

اظهر المزيد

د أشرف فؤاد عثمان أدهم

باحث فى مقارنة الأديان والحضارات الإفريقيـــة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: