من سنن الله في الكون

بسم الله الرحمن الرحيم

إن سنة الله تعالى ماضية في الكون تتعاقب على الأمم ما تعاقب الزمان، فلا تخلو معالمها من نظم قوانين تعدل حال الخلق وتذكر بالخالق وترسي قواعد الاستقامة قبل الزلل والندامة وتكون الاستقامة سبب في سعادة الناس وأمنهم ورخائهم، وهذا أدعى إلى الاطمئنان الجالب للتفكر في ملكوت الله، وبناء العمران البشري البناء الشامل حيث ان قاعدته وأساسه الإنسان وفروعه تمتد بما يخدم حقيقة الاستخلاف ومعرفة الله تعالى.

ومعلوم أن الإنسان لا يستقيم على حال إلا من رحم الله عز وجل، فإن غفل عن زمن الطاعة تاه منه الطريق وأصبح هائما في الحياة تتلاطمه أمواج الفتن إلى أن يصبح غريقا لا يسعد بحال ولا تقر له عين محال، فينأى عن شرع الله ظنا منه أن لا مخرج له به وينسى مهمته الأولى في الخلق والبعث فلا يورث من الدين إلا قشوره، وتغلب عليه العادة بدل العبادة، ومن كل ذلك جاء الخذلان وتسلط على رقاب الناس من لا يخشى الله عز وجل وجبن الناس في قول الحق وعظم في قلوبهم الخوف من المخلوق أكثر من الخالق، وكان بذلك ضنك عيشهم، ويقتر الحاكم الظالم على أرزاقهم قصد إلجامهم عن كل مطلب، فكيف للبطون الجائعة أن تلتفت إلى غير صوت جوعها ؟ وهذه سنة كونية يتحدث عنها ابن خلدون في معرض كلامه عن أسباب انهيار الدول، ومن ذلك أشكال الظلم الذي تمارسه على الرعية بألوان متعددة، ومنها زيادة الضرائب والمكوس على فقراء الدولة دون أغنيائها، حيث يقول في مقدمته: “ويكثر خراج السلطان خصوصا كثرة بالغة بنفقته في خاصته، وكثرة عطائه ولا تفي بذلك الجباية لما تحتاج إليه الحامية من العطاء والسلطان من النفقة، فيزيد في مقدار الوظائف والوزائع أولا كما قلناه، ثم يزيد الخراج والحاجات والتدريج في عوائد الترف وفي العطاء للحامية ويدرك الدولة الهرم”[1]

وهذا دليل على أن انحراف المجتمع عن سنة الله في الكون حاكما ومحكومين ينتج عنه انهيار الدولة وإن عظمت، فالظلم مؤذن بتعجيل خرابها، ويضيف ابن خلدون في تبيين أشكال فساد الدولة المنحرفة عن سنة الله تعالى خاصة ما يتعلق بالتضييق على أرزاق الناس بزيادة الضرائب في قوله: “وربما يزيد ذلك في أواخر الدولة زيادة بالغة، فتكسد الأسواق لفساد الآمال، ويؤذن ذلك باختلال العمران، ويعود على الدولة، ولا يزال ذلك يتزايد إلى أن تضمحل “[2]

لا يستقيم حال هذه الاختلالات وغيرها إلا إذا اعتدل حال الناس وفق سنته تعالى في الكون فيستجيب العباد لخالقهم قلبا وقالبا، قبل أن يدركهم ما أدرك أقواما فنيت بسبب عصيانها لم يشفع لهم قرب قريب ولا اعتصام بنفس أمارة، ألم ينادي نوح عليه السلام (يا بني

اركب معنا ولا تكن مع الكافرين)[3]

فلو استجاب الابن لنداء ودعوة الأب المرسل من عند الله لما كان حاله الغرق ولو اختار جوار الأب الصالح لما ختم له بخاتمة السوء، لكنها سنة الله في الكون البقاء للأصلح بالمعنى الرباني، تصوير جميل يقدمه السيد قطب لحال نوح مع ابنه الشارد المتمرد عن دعوة الله يقول شرحا للآية أعلاه: “وفي هذه اللحظة الرهيبة الحاسمة يبصر نوح، فإذا أحد أبنائه في معزل عنهم وليس معهم وتستيقظ في كيانه الأبوة الملهوفة، ويروح يهتف بالولد الشارد، ولكن البنوة العاقة لا تحفل بالأبوة الملهوفة، والفتوة المغرورة لا تقدر مدى الهول الشامل”[4]

وكم من ملهوف على حال الأمة يردها وعظا إلى خالقها ردا فلا تستجيب، وتزيغ عن أمر ربها فيختل ميزان الكون، فتأتي عليها سنة الله في كونه فيبدل أقواما بغيرهم يقيمون أمر الله تعالى ويستقيمون عليه حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

-مقدمة ابن خلدون: تأليف عبد الرحمان بن خلدون تحقيق أبي عبد الرحمان عادل بن سعد الدار الذهبية ص305[1]

-المصدر نفسه ص 306[2]

-هود: 42[3]

-في ظلال القرآن: السيد قطب دار الشروق الطبعة الأولى ج4 ص1878[4]

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: