مقدمات أساسية حول منهج الرحمة

المقدمة الأولى: الله عز وجل هو المصدر الأصل للرحمة: قال تعالى: (وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ)[1]. أي المالك الأصلي للرحمة، والجزء الأعظم مدخر عنده سبحانه، والأيسر مبثوث في الدنيا، عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:” جَعَلَ الله الرَّحْمَةَ مِائَةَ جُزْءٍ ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ جُزْءًا وَأَنْزَلَ فِي الأَرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا ، فَمِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ يَتَرَاحَمُ الْخَلْقُ حَتَّى تَرْفَعَ الْفَرَسُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ” “[2].

المقدمة الثانية: أن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم رحمة وتجسيد لرحمة الله تعالى في خلقه: قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ([3]. وقال عليه الصلاة والسلام في الحديث الشريف: “يا أيها الناس إنما أنا رحمة مهداة[4]، ولقد اقتضت حكمة الله تعالى أن تكون معاني الرحمة وتجلياتها الرسالية في بشر يعيشون مع الناس ويخالطونهم في كافة شؤون حياتهم هاديين موجهين مرشدين، خاتمهم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي اعتبر بحق خير من جسد الرحمة الإلهية وسط أمة هي ملاذ البشرية بعده كانت تتخذه قدوة متبعة.

المقدمة الثالثة: أن المنعم عليهم بالرحمة الإلهية والنبوية أصالة هم المؤمنون ثم باقي الناس: فالله تعالى رحيم بعباده المؤمنين) وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا[5](، ورسوله صلى الله عليه وسلم رؤوف بالمؤمنين رحيم (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)[6]. ورحمته تعالى الخاصة بالمؤمنين تتجلى في رعايتهم والدفاع عنهم وحمايتهم من كيد الظالمين، وينبغي أن تكون الرحمة متعدية للغير عامة الأقرب فالأقرب، ومن لا يرحم لا خير فيه، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمْ الرَّحْمَنُ ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ الرَّحِمُ شُجْنَةٌ مِنْ الرَّحْمَنِ فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلَهُ اللَّهُ وَمَنْ قَطَعَهَا قَطَعَهُ اللَّهُ  “[7] ، بل إن الإيمان متعلق برحمة الناس عامة، فمن لا يتصف بهذه الصفة فلا إيمان له، قال صلى الله عليه وسلم:” لَنْ تُؤْمِنُوا حَتَّى تَرْحَمُوا، قَالُوا كُلُّنَا رَحِيمٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ بِرَحْمَةِ أَحَدِكُمْ صَاحِبَهُ، وَلَكِنَّهَا رَحْمَةُ النَّاسِ رَحْمَةُ الْعَامَّةِ[8].

المقدمة الرابعة: أن الرحمة لا تتناقض مع بذل الوسع والاجتهاد: فكونه تعالى رحمانا وكون نبيه صلى الله عليه وسلم رحيما لا يعني الرخاوة والكسل والترهل، بل من تمام الرحمة تحمل بعض المشاق (المشاق جمع مشقة وتجمع مشقات أيضا) المقدور عليها في أعمال معينة، وقد يكون الابتلاء وما فيه من أذى رحمة من حيث العاقبة والثمرة لا من حيث المبتدأ والمنشأ، كما لا يعني التساهل فيما فرض الله تعالى مما يرى البعض أن فيه قسوة وشدة، بل إن “الشريعة مبناها وأساسها يقوم على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن دخلت فيها بالتأويل”[9]. وهكذا، فإن امتدادات ذلك على الناشئة وكيفيات تربيتها ليشكل رحمة حقيقية، تحتاج من المختصين بذل الوسع في بيانها والاستفادة منها عمليا في ميادين العناية بالنشء.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] الأنعام:133

[2]رواه البخاري صحيح البخاري – كتاب الرقاق، باب الرجاء مع الخوف – حديث : ‏6113‏ . وفي رواية قال صلى الله عليه وسلم:” إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَهَا مِائَةَ رَحْمَةٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً، وَأَرْسَلَ فِي خَلْقِهِ كُلِّهِمْ رَحْمَةً وَاحِدَةً، فَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الرَّحْمَةِ لَمْ يَيْأَسْ مِنَ الْجَنَّةِ، وَلَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْعَذَابِ لَمْ يَأْمَنْ مِنَ النَّارِ”[2].

[3] الأنبياء:109

[4] المستدرك على الصحيحين للحاكم – كتاب الإيمان حديث : ‏97 صححه على شرطهما، ووافقه الذهبي، ورواه ابن سعيد والدارمي عن طريق الأعمش عن أبي صالح مرسلا وسنده صحيح. وعزاه في مجمع الزوائد للبزار والطبراني، وقال: رجال البزار رجال الصحيح. وذكره الألباني في “السلسلة الصحيحة” 1 / 803

[5] سورة الأحزاب :48

[6] التوبة: 129

[7] رواه الترمذي. كِتَاب الْبِرِّ وَالصِّلَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال الألباني في “السلسلة الصحيحة” 2 / 630 :رواه أبو داود (4941) والترمذي (1/350) وأحمد (2/160) والحميدي 591) والحاكم (4/159) وصححه ووافقه الذهبي، والخطيب في “التاريخ ( 3 / 260 ) وأبو الفتح الخرقي في”الفوائد الملتقطة “(222-223)،كلهم عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبي قابوس مولى عبد الله بن عمرو
مرفوعا

[8] أخرجه الطبراني، ورجاله ثقات. قال ابن حجر في فتح الباري ص453:”- كِتَاب الْأَدَبِ – رحمة الناس والبهائم – ص 453 – قَوْلُهُ : ( بَابُ رَحْمَةِ النَّاسِ وَالْبَهَائِمِ ) أَيْ صُدُورُ الرَّحْمَةِ مِنَ الشَّخْصِ لِغَيْرِهِ ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَفَعَهُ قَالَ ): لَنْ تُؤْمِنُوا حَتَّى تَرْحَمُوا ، قَالُوا كُلُّنَا رَحِيمٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : إِنَّهُ لَيْسَ بِرَحْمَةِ أَحَدِكُمْ صَاحِبَهُ ، وَلَكِنَّهَا رَحْمَةُ النَّاسِ رَحْمَةُ الْعَامَّةِ ( ” أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ

[9] إعلام الموقعين ج 3 ص 3 .

اظهر المزيد

د.عبد الصمد الرضى

رئيس شعبة التربية الإسلامية بالمركزالجهوي لمهن التربية والتكوين البيضاء- سطات. مدير المركز الدولي للبحث العلمي. مستشار ومؤلف في المجال التربوي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: