مقاصد الزواج

بسم الله الرحمن الرحيم. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه.

مقاصد الزواج هي الغايات التي تتحقق بالزواج، وهي الحكمة التي وضعها الله عز وجل في النكاح، ومن هذه المقاصد ما لا يقوم بغير زواج، وما إذا غابت فلا عبرة من بقائه. ومنها ما إذا زال أثَّر بالسلب على حياة الزوجين.

ومعرفة مقاصد الزواج لازم على من يرغب في الزواج أو التزويج، من أزواج وولاة؛ لأنه من العبث القيام بأعمال يجهل آثارها ونتائجها والأهداف منها، فقد يخالف الجاهل بها قصد الشارع، فيقع في المحرم أو المكروه أو المحظور.

ومقاصد الزواج هي نيات يستحضرها الـمُقدِم على تأسيس أسرة، والمرء على قدر نيته يعطى ويؤجر، وإنما الأعمال بالنيات.

ونعدد في هذه المقالة جملة من مقاصد الشريعة من عقد الزواج، ونذكر منها:

أولا: الاستجابة لله عز وجل

إن مما يدخل السرور على قلب العبد المؤمن طاعة مولاه، ولا حياة لقلبه بغير الاستجابة لأمره، ولا يستقيم سره إلا بتلبية دعوته لما فيه نجاته في الدنيا والآخرة.

ولقد أمر الله عز وجل عباده بالزواج في قوله سبحانه وتعالى: ﴿ وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾[1]، “وأيامى مقلوب أيا يم جمعُ أيِّم وهو مَن لا زوج له من الرِّجالِ والنِّساءِ بكراً  كان أو ثيِّباً”[2]، والأمر في الآية موجه للآباء وأولياء الأمور لتزويج من لم يتزوج ممن هم تحت ولايتهم، فباعتبار أعمارهم وتجربتهم فهم أقدر على معرفة مقاصد النكاح وآثاره وثماره، ويكون ذلك أدعى لهم على حث أبنائهم وتيسير أمور الزواج عليهم.

وكل ما فرض الله علينا وندبنا إليه وسيلة تقربنا إلى جنابه وسلم يرفعنا إلى حضرته جل وعلا، لذلك تسمى الطاعات قربات، فمن قصد بالزواج الاستجابة لأمر الله فهو يتقرب إليه تعالى، ولا يزال العبد يتقرب إلى مولاه حتى يحبه.

ثانيا: اتباع المصطفى صلى الله عليه وسلم

سَأل نفر من الناس عن عبادة رسول الله صلى الله عليه وسلم واستقلوها، وعزم أحدهم وقال: “أنا أعتزل النساء فلا أتزوَّج أبدًا”، فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله، إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقُد، وأتزوَّج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني[3]، ولقد تزوج رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم ولم يخالف سنة الأنبياء من قبله الذين وصفهم الله ومدحهم بقول عز وجل: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾[4]. وأمر به في قوله صلى الله عليه وسلم: “مَنْ كَانَ ذَا طَوْلٍ فَلْيَتَزَوَّجْ”[5]، وفي قوله صلى الله عليه وسلم: “مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ[6]، والأمر النبوي موجه لذوي الاستطاعة بالزواج، وليس في ترك الزواج تقرب إلى الله أو تعبُّد كما تصور أحد النفر في الحديث المذكور آنفا.

ثالثا: إحراز الدين وإكماله

وخير ما يبتغى به وجه الله الاهتداء بسنة الأنبياء عليهم السلام وسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وليس من الزهد ترك الزواج، وهجر النساء، وقد قال سفيان بن عيينة: “كثرة النساء ليس من الدنيا لأن عليا رضي الله عنه كان أزهد الصحابة وكان له أربع نسوة ..”[7]، فإذا طلب المقبل على الزواج رضى الله عز وجل فقد حصَّل شطر دينه كما في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: مَنْ تزَوَّجَ، فَقَدْ أَحْرَزَ شَطْرَ دِينهِ، فَلْيَتَّقِ الله فِي الشَّطْرِ الآخَرِ” وفي لفظ آخر “فَقَدِ اسْتكمَلَ نِصْفَ الإيمَانِ”[8].

وإن العبادات والأعمال تنقطع بالموت، ولا تنقطع عبادة النكاح، قال ابن عابدين: “ليس لنا عبادة شرعت من عهـد آدم إلى الآن ثم تستمر في الجنة إلا النكاح والإيمان.”[9]

واتباع الهدي النبوي هو عين الاستقامة، والاستقامة خير من ألف كرامة كما قيل، ومن اتبع المصطفى حاز السلامة إذ يقول: “من نكح لله وأنكح لله اسْتحق ولَايَة الله عز وَجل”[10]، وهكذا ختم الحبيب صلى الله عليه وسلم لمن رغب إلى الله بالزواج بختم الولاية، وشهد له باستكمال الإيمان حين قال صلى الله عليه وسلم: “من أعْطى لله وَأحب لله وَأبْغض لله وأنكح لله فقد اسْتكْمل إيمَانه”[11].

رابعا: حفظ النسل وبقاء بني آدم

لقد قرر العلماء أن حفظ النسل من الضروريات الخمس، ولا خلاف بينهم أنه من المقاصد الكلية للنكاح، قال صاحب الهداية: “الْمَقْصُودَ الْأَصْلِيَّ مِنْ النِّكَاحِ الْوَلَدُ”[12].

وخلق الله الإنسان لتحقيق غايتين؛ عبادة الله عز وجل، وعمارة الأرض. قال تعالى: (هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا)[13]، (استعمركم) أي طلب منكم عمارة الأرض، فالسين والتاء إذا دخلت على الفعل تفيد الطلب.

 ولا يعترض عاقل على أن عمارة الأرض والحفاظ على النوع البشري متوقف على التناسل وتكثير بني آدم، وإن الحد من النسل يصيب المجتمعات بالشيخوخة والفناء. ولذلك قرر الفقهاء أنه: ” ـ لا يجوز إصدار قانون عامّ يحد من حرّية الزوجين في الإنجاب.

ـ يحرم استئصال القدرة على الإنجاب في الرجل، أو المرأة، وهو ما يُعرف بـ “الإعقام”، أو “التعقيم” ما لم تدع إلى ذلك الضرورة بمعاييرها الشرعيّة.”[14]

ولقد شرع بعض الفقهاء جواز التطليق لعدم الإنجاب أو الخصي أو فقد الشهوة الجنسية أو للعيوب التي تمنع الوطء لأنه لا يتحقق مقصد حفظ النوع البشري بوجود هذه الموانع.

كما شرع الله التعدد لنفس المقصد. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لرجل تزوج وهو خصي: أأعلمتها أنك عقيم، قال: لا، قال: فانطلق فأعلمها ثم خيرها.[15]

ولقد زرع الله في الناس شهوتي حب الخلود والبقاء، وانجذاب الذكور للإناث والعكس. فحب الإنسان بقاء ذكره بعد موته يدفعه إلى الرغبة في الإنجاب ويجعله يصبر على مشاق التربية والتنمية والإنفاق.

خامسا: تكثير سواد أمة محمد على الصلاة والسلام

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ بِالْبَاءَةِ، وَيَنْهَى عَنِ التَّبَتُّلِ نَهْيًا شَدِيدًا، وَيَقُولُ: «تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ؛ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ الْأَنْبِيَاءَ بِكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»[16]، التبتل في هذا الحديث: ترك الزواج، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عنه نهيا شديدا كما يخبرنا سيدنا أنس رضي الله عنه.

ولقد جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني خطبت امرأة ذات حسب، وجمال وإنها لا تلد، فنهاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: “تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة“.

وهذه امرأة ذات حسب وجمال أحسن منها امرأة ولود تحسن التودد والتبعل لزوجها فهي ودود. وإن الأنبياء يوم القيامة يحشرون وتحشر معهم أممهم وتحشر أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فيباهي بسوادها وكثرتها الأنبياء والأمم الأخرى. عن عياض بن غنم قال: قال لي رسول الله ذات يوم: “يا عياض: لا تزوجن عجوزا ولا عاقرا فإني مكاثر بكم.”[17]

سادسا: رجاء الولد الصالح

غدا يوم القيامة يتباهى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمته، فهل تكفي الكثرة لتكمل المباهاة؟! فرب فئة قليلة غلبت فئة كثيرة، وإن الغثاء المتكاثر لا يصلح إلا أن يكون قصعة على الموائد يتداعى عليها الأعداء، وإنما تقر أعين الصالحين والأنبياء بالذرية الصالحة.

قال ابن عباس رضي الله عنهما في قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾[18]: “يعنون من يعمل بطاعة االله، فتقر به أعينهم في الدنيا والآخرة”[19].

ويقول الحسن البصري رحمه الله: “والله لا شيء أقر لعين المسلم من أن يرى ولدا، أو ولـد ولـد، مطيعا لله عز وجل”[20].

لذلك كان دأب الأنبياء والصالحين اللجوء إلى الله عز وجل طلبا للولد الصالح فهذا زكرياء عليه السلام يقول: ﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا[21]، وقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً[22].

ومن ترك الولد الصالح لا ينقطع أثره بعد موته، ويتصل عمله، وتصله أجوره في قبره، ويخلد في الصالحين ذكره، ألم تسمع دعاء زكرياء عليه السلام: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا، يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ[23]، ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إذا مات ابنُ آدمَ انقطعَ عملُه إلا من ثلاثٍ: صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ ينتفعُ به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له[24]. ولقد أراد ابْنُ عُمر ألاّ يَنْكحَ فقالتْ له حَفْصَة تَزَوَّج فإن وُلِدَ لكَ وَلدٌ فعاشَ مِنْ بَعْدِكَ دَعَا لَكَ[25].

وحب البقاء ومحبة الخلود غريزة فطرية في الإنسان، منها دخل الشيطان على آدم ليغريه ليأكل من الشجرة ويخرج من الجنة، وإنما يتحقق خلود الإنسان بوراثة الأبناء للآباء.

ومن الناس من يطلب الولد ليرث ماله الكثير، والإيمان أثمن وأغلى من المال، وهو أعز ما يمكن توريثه للأبناء، قال الله تعالى: (وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[26].

وإن الولد يشفع لوالديه إذا مات قبلهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مَا لِعَبْدِي الْمُؤْمِنِ عِنْدِي جَزَاءٌ إِذَا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا ثُمَّ احْتَسَبَهُ إِلَّا الْجَنَّةَ[27].

وليكون الولد طيبا ينبغي مع الدعاء والرجاء حسن العناية به وتربيته أحسن تربية، والقيام عليه بالإنفاق والرعاية ليقوى بدنه وينضج عقله ويصلح قلبه.

سابعا: القيام على أمة من إماء الله عز وجل

قال أحمد بن عجيبة رحمه الله: “فمن أراد بنفقته على أهله وقيامه بكفايتهن وحسن معاشرتهن ابتغاء ثواب الله كان له ذلك”[28]. ولقد جعل الله في النساء ضعفا، فأوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرفق بهن في قوله: “أرفق بالقوارير[29]؛ قال شعيب أرنؤوط: “بالقوارير“: بالنساء، استعير اسم القارورة للمرأة لضعف بنائها ورقتها، ولطافتها”[30]. واستوصى صلى الله عليه وسلم بهن خيرا في حجة الوداع حيث قال: ” أَلَا فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عَوَانٌ عِنْدَكُمْ، لَيْسَ تَمْلِكُونَ شَيْئًا غَيْرَ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ، وَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا، إِنَّ لَكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلِنِسَائِكُمْ عَلَيْكُمْ حَقًّا، فَأَمَّا حَقُّكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ فَلَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ مَنْ تَكْرَهُونَ، وَلَا يَأْذَنَّ فِي بُيُوتِكُمْ لِمَنْ تَكْرَهُونَ، أَلَا وَحَقُّهُنَّ عَلَيْكُمْ أَنْ تُحْسِنُوا إِلَيْهِنَّ فِي كِسْوَتِهِنَّ وَطَعَامِهِنَّ”[31].

“عوان عندكم”: أي أسرى في بيوت أزواجهن. وحقهن عليهم أن يحسنوا إليهن بجميع أنواع الإحسان، وخير المؤمنين خيرهم لأهلهم كما كان صلى الله عليه وسلم في أهله.

وإنما يكون (الرجال قوامون على النساء) بالإحسان والرفق والرحمة والمعاشرة الطيبة والتغاضي والكلمة الطيبة والوجه الباش المبتسم، لا بالجهالة والعنف والضرب، فقد قال صلى الله عليه وسلم: “لن يضرب خياركم”[32].

ثامنا: إعفاف النفس وتحصينها من الزنا

اتفقت شرائع الأنبياء عليهم السلام على تحريم الزنا، ولا يخفى على ذوي الألباب عواقبه المضرة بالمجتمع والصحة العامة، ولا يسع المؤمن إذا أراد رضى الله والجنة إلا تجنب الفواحش والكبائر ما ظهر منها وما بطن، وإن المغريات كثيرة خاصة في زماننا، والدعوات تنادي من كل حدب وصوب تقول للفتى والفتاة “هيت لك”.

قال الله تعالى: (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا)[33].

وإن الفروج لتوقع أصحابها في التهلكة، فمن كان فقيرا تحصن بغض البصر والصوم والعبادة، ثم يسعى لتحصيل الباءة، وحق على الله أن يعينه، وأما من كان غنيا فلابد له أن يستجيب لأمر المصطفى صلى الله عليه وسلم حين قال: “مَنِ اسْتَطَاعَ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ[34]، ورواية أخرى تخص الشباب لأنهم الأكثر عرضة للانحراف والوقوع في الزنا بسبب فوران شهوتهم قال صلى الله عليه وسلم: “يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، عَلَيْكُمْ بِالْبَاءَةِ؛ فَإِنَّهُ أَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَأَغَضُّ لِلْبَصَرِ”[35].

والباءة: مؤن النكاح من مسكن ونفقة وقدرة على المعاشرة، وأصلها كلمة تبوء أي استقر، ولا يستقر العزب إلا بالزواج.

تاسعا: سعادة الجسد

نقرأ عند كثير من العلماء أن الشهوة خلقت باعثة مستحثة، غايتها إخراج البدر أي إنجاب الولد، فهل هي مجرد سبب أو وسيلة أو مقصودة بذاتها؟

نقرأ أيضا في كتب الطب النفسي المعاصرة ما يحدث للإنسان من اضطرابات عويصة إذا لم يمارس علاقات جنسية سليمة.

ولا يسلم الإنسان من التطرف، فقد أهمل أبو الدرداء رضي الله عنه وهو من خيرة الصحابة أهله حتى ذبل حالها وظهر ذلك منها، فتدخل أخوه سلمان الفارسي رضي الله عنه وأخبره أن لأهله عليه حق.

وتفيد التجربة أن من رغب عن الزواج عاش في قلق واضطراب، وتقرر في الشرع أن الزواج سكينة واستقرار، ولهذا يتبين خطأ من قال أن الوطء وسيلة فقط بل هو وسيلة وغاية مقصودة أيضا.

فهل إذا أتى أحدنا شهوته له أجر؟

عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَة” قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيَأْتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ يَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ: “أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي الْحَرَامِ، أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ؟ وَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ، كَانَ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ[36].

ولا غضاضة في أن يأتي الرجل أهله وأن يحب ذلك، فقد قال صلى الله عليه وسلم: “حُبِّبَ إِلَىَّ مِنَ الدُّنْيَا النِّسَاءُ وَالطِّيبُ، وَجُعِلَ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلاَةِ”[37]، وقال صلى الله عليه وسلم: “عليكم بالأبكار فإنهنَّ أعذب أفواهاً وأنتق أرحاماً وأرضى باليسير”[38].

قَالَ جَابِر بْن عَبْدِ اللَّهِ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَيِّبًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَهَلَّا بِكْرًا تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ وَتُضَاحِكُهَا وَتُضَاحِكُكَ؟»[39].

عاشرا: الصحبة والسكينة والمودة والرحمة

قال الله تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)[40].

في الآية بيان لمقصد رئيس من مقاصد الزواج هو السكن، ولا يتصور استقرار أسري بين الزوجين بدونه، ولحصول هذا السكن جعل الله بين الرجل وأهله مودة ورحمة.

“(لّتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا) أي لتألفُوها وتميلُوا إليها وتطمئنُّوا بها فإنَّ المُجانسةَ من دَوَاعي التَّضامِّ والتَعارفِ كما أنَّ المخالفةَ من أسبابِ التفرُّقِ والتَّنافرِ”[41].

السكينة انجذاب فطري وآية من آيات الله؛ يحب الرجل المرأة ويتعلق بها ولم يكن بينه وبينها قرابة، فتكون سكونه إذا غضب، وسكينته إذا قلق، وسكته إذا ضل، وسكنه إذا فتن.

ولتدوم المودة والرحمة والسكينة ينبغي العمل بقول الله عز وجل: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ)[42] وقوله عز من قائل: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ)[43].

قال الشيرازي: “من مقاصد الزواج دوام العشرة، وحسن الصحبة”[44]. وقال ابن القيم: “النكاح صلة بين الزوجين يتضمن عشرة ومودة، ورحمة، وسـكنًا، وازدواجا، وهو مثل الأخوة، والصحبة، والموالاة، ونحو ذلك من الصلات التـي تقتضي رغبة كل واحد من المتواصلين في الآخر بل هو من أوكد الصـلات، فـإن صلاح الخلق وبقاءه لا يتم إلا بهذه الصلة بخلاف تلـك الصـلات فإنهـا مكمـلات للمصالح”[45].

 وقال ابن تيمية: “فإن النكاح مقصوده الاستمتاع، والصلة، والعشرة، والصحبة بل هـو أعلى درجات الصحبة، فمن ليس قصده أن يصـحب، ولا يسـتمتع، ولا أن يواصـل ويعاشر بل أن يفارق؛ لتعود إلى غيره فهو كاذب”[46].

وفي الختام ينبغي القول أن مقاصد الزواج عديدة منها ما لم نذكره في هذه المقالة كتأسيس أسرة، وحفظ الصحة، والتعاون بين الزوجين على المصالح الدنيوية والأخروية، ودفع الفقر والفاقة، وحصول التعارف بالمصاهرة، …

ولأجل نجاح الزواج ينبغي للمقبل عليه تجنب الفخر والخيلاء والرياء وطلب الوصول إلى المال والجمال، وأن يظفر بذات الدين.


[1] ـ سورة النور، الآية 32.

[2] ـ تفسير أبي السعود، إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم، ج6، ص171.

[3] ـ أخرجه البخاري في صحيحه، باب الترغيب في النكاح، ج 7 ص2، رقم 5063.

[4] – سورة الرعد، الآية 38.

[5] – أخرجه ابن ماجة، كتاب النكاح، حديث رقم 1863، عن عائشة رضي الله عنها.

[6] ـ رواه البخاري في صحيحه، باب الصوم لمن خاف على نفسه العزبة، ج3، ص26، رقم 1905.

[7] – أحمد بن عجيبة، النيات الصالحات، ص120.

[8] ـ أخرجه الطبراني في الأوسط، ج7 ص332.

[9] ـ حاشية ابن عابدين، ج3، ص3.

[10] – أخرجه الإمام أحمد، كما ذكر العراقي في تخريجه لأحاديث الإحياء للإمام الغزالي، ص 457.

[11] ـ رواه الإمام أحمد في المسند، ج24 ص399، رقم 15638.

[12] ـ المرغيناني، الهداية في شرح بداية المبتدي، ج 2، ص 308.

[13] ـ سورة هود، الآية 61.

[14] ـ قرار مجمع الفقه الإسلامي رقم: 39 (1/5)، مجلة مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي بجدة، العدد الخامس، قرار رقم 1.

[15] ـ سنن سعيد بن منصور، باب ما جاء في العنين، ج2 ص81. ورواه عبد الرزاق في المصنف، ج6 ص162 رقم 10346.

[16] ـ أخرجه أبو داود في سننه، باب النهي عن تزويج من لم يلد من النساء، ج2 ص220.

[17] ـ أخرجه الحاكم في المستدرك، باب ذكر عياض بن غنم الأشعري، ج3 ص329.

[18] ـ سورة الفرقان، الآية 74.

[19] ـ تفسير ابن كثير، ج 6 ص119.

[20] – تفسير ابن كثير، ج 6 ص119.

[21] ـ سورة مريم، الآية 6.

[22] ـ سورة آل عمران، الآية 38.

[23] ـ سورة مريم، الآيتين 5و6.

[24] – رواه مسلم في صحيحه، باب ما يلحق المسلم من ثواب بعد موته، ج3 ص 1255، رقم 1631.

[25] ـ الإمام الشافعي، المسند، ص 273.

[26] ـ ـ سورة البقرة، الآية 132.

[27] – أخرجه الإمام أحمد في المسند، مسند أبي هريرة رضي الله عنه، ج15 ص230، رقم9393.

[28] ـ أحمد بن عجيبة، النيات الصالحات، ص 121.

[29] – أخرجه الإمام أحمد في المسند، مسند أنس بن مالك رضي الله عنه، ج 20 ص 164، رقم 12761.

[30] ـ على هامش مسند الإمام أحمد، ج19 ص97.

[31] ـ رواه الترمذي، باب تحريم الدماء، رقم 2610.

[32] ـ ابن أبي شيبة، المصنف، باب في الرجل يؤدب امرأته، ج5 ص223، رقم 25458.

[33] ـ سورة الإسراء، الآية 32.

[34] ـ رواه البخاري في صحيحه، باب الصوم لمن خاف على نفسه العزبة، ج3، ص26، رقم 1905.

[35] ـ رواه البخاري في صحيحه، باب من لم يستطع الباءة فليصم، ج7، ص 3، رقم 5066.

[36] ـ رواه الإمام أحمد في مسنده، مسند أبي ذر الغفاري، ج35 ص376، رقم 21473.

[37] ـ رواه الإمام أحمد في مسنده، مسند أنس بن مالك، ج19 ص307، رقم 12294.

[38] ـ رواه ابن ماجه في سننه، باب تزويج الأبكار، ج3 ص64، رقم 1861.

[39] ـ أخرج الإمام البخاري في صحيحه، باب تستحد المغيبة وتمتشط الشعثة، ج7 ص37، رقم 5247. وبهذا اللفظ يرويه الطيالسي في مسنده، مسند جابر بن عبد الله، ج3 ص 278، رقم 1812.

[40] ـ سورة الروم، الآية 21.

[41] – تفسير أبي السعود، ج7 ص56.

[42] ـ سورة النساء، الآية 19.

[43] ـ سورة البقرة: الآية 228.

[44] ـ المهذب ج2 ص433.

[45] ـ ابن قيم الجوزية، إغاثة اللهفان ج 2 ص 82.

[46] ـ ابن تيمية، الفتاوى الكبرى ج 6 ص 272.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: