مفهوم الجهاد من خلال قراءة في مخطوط “النهر الجاري في شرح صحيح البخاري” لفضيلة العلامة محمد بن محمد سالم المجلسي الموريتاني.

يعتبر الجهاد من المفاهيم الأكثر تدوالا في كتب الفقه قديمها وحديثها ، غير أن عددا كبيرا من المنتسبين للدين الإسلامي يحملون مدلوله على غير ماسيق له ، فاختل بسبب ذلك معناه عندهم ، ليمارس على أرض الواقع بعيدا عن مراد الشارع ، لأجل ذلك أود تسليط الضوء على هذا المفهوم من خلال مخطوط اهتم بدراسة عميقة لشرح صحيح البخاري ، إسهاما مني في تنوير الرأي ، ودفع اللبس عن الجهاد من حيث مفهومه و تفعيله كما أراد لذلك سبحانه وتعالى . 

ومن الأمانة العلمية أن أشير ابتداء إلى صاحب المخطوط مبرزا مكانته العلمية ، من خلال سيرته العلمية وأهم كتبه ، قبل الحديث عن الجهاد كما ورد في المخطوط.

العلامة محمد بن محمد سالم المجلسي: حياته، شيوخه، كتبه.

هو  محمد بن محمد سالم بن محمد سعيد بن عمر بن أبي بكر بن علي بن يمغدش بن وديعة الله بن عبد الله بن أحمد بن يفت ــ ومعناه بالعربية يعيش ــ بن يدر بن إبراهيم المجلسي، وإبراهيم الذي يعود نسب الشيخ باتفاق المؤرخين إليه هو إبراهيم الأموي قاضي الأمير اللمتوني أبي بكر بن عمر المرابطي1.

 ولد لمرابط محمد ولد محمد سالم الملقب دبِّ سالم في مطلع القرن الثالث عشر الهجري، وكان مسقط رأسه في تيرس على ما تفيده بعض الروايات، وقد نشأ في كنف ورعاية والديه خاصة والدته الصالحة السيدة حفصة بنت سيد محمد بن عبد الله بن المختار التيشيتي. وكعادة أبناء محيطه فقد بدأ بدراسة القرآن الكريم.

في وقت مبكر من عمره، وذلك على يد والدته، وخاله محمد بن سيد محمد، وقد كان قوي الحافظة شديد الذكاء، لدرجة أنه أنهى دراسة القرآن العظيم حفظا ورسما وضبطا وتجويدا في العقد الأول من عمره2، وفي تحديد عمره الذي عاش، وتعيين سنة مولده خلاف، فهناك من يقول إنه عاش مائة وعاما، أي أنه ولد في 1202 وتوفى 1303هــ3. وينحدر محمد بن محمد سالم من أولاد بو سيدي، من بطون مدلش، وهذه الكلمة من الألفاظ العربية التي انحرفت بها الألسنة، ومعناها مجلس العلم وسميت القبيلة مجلسا لأنها كانت مجلس علم، فكانت حلقات العلم فيهم مظهرا من مظاهر الحياة القبلية.

شيوخه: أخذ محمد بن محمد سالم عن العلامة الفقيه حامد بن أعمر البارتيلي، أحد أعيان وفقهاء منطقته، حيث درس عليه مختصر خليل بكامله، وأقام عنده فترتين كلاهما لا تتجاوز شهورا”4، وشيخه في الطريقة النقشبندية خالد محمد بن سيد محمد، وهو أخذها عن لمجيدري بن حبيب الله عن عبدالوهاب التازي عن عبد العزيز الدباغ، وقد اتصل بأحمد محمود بن ابيه، ومكث في محظرته فترة5، ثم إن محمد ولد محمد سالم اتصل بالكثير من العلماء وذاكرهم واستفاد منهم وأفادهم، وعده ضمن سلسلة سنده الذي أوصله إلى العلامة علي الأجهوري وقد تتلمذ عليه من يعجز عن عدهم الفك، ويضيق عن حصرهم الصك، فمما قيل عن كثرة تلاميذه: “إنه كان يوجد في ألواحهم جميع مختصر خليل كاملا، ويرى بعض الباحثين أن عدد الطلاب في محظرة لمرابط محمد بن محمد سالم تجاوز ألف تلميذ”6.

كتبه: أذكر على سبيل المثال بعضا من مؤلفاته :

في التوحيد:

-نظم الواضح المبين على الضروري من علوم الدين، يقع في حوالي 800 بيت وقد شرحه.

-السلم القاصد إلى شرف المقاصد، شرح لعقيدة والده الأشعرية – توضيح طريق أهل السنة شرح إضاءة الدجنه لأحمد المقري.

في الفقه:

شرح مختصر خليل، يشبه أن يكون اختصارا لكتاب والده لوامع الدرر.

– توضيح المعاني من رسالة القيرواني.

في السيرة النبوية:

-شرح قرة العينين في غزوات سيد الكونين، لأحمد البدوي المجلسي (ت 1220هـ(

– نزهة الأفكار وطيب الثمار في حل غوامض قرة الأبصار، لعبد العزيز اللمطي المغربي.

في النحو و في البيان:

شرح على ألفية بن مالك لم يكتمل- شرح عقود البيان

الجمان على ألفية المعاني والبيان، للسيوطي (ت 911هــ(.

في المنطق:

-شرح السلم للأخضري، أما في شروح الحديث وفي التفسير:-النهر الجاري على صحيح البخاري- الريان في تفسير القرآن.

وبالعودة إلى الموضوع قيد الدراسة نجد مفهوم الجهاد عند بعض الفرق والجماعات المخالفة منهجا واعتقادا لسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ، كانت له انعكاسات سلبية على المجتمعات الإسلامية،من ذلك تقتيل المسلمين بغير الحق و إراقة دمائهم و تفجيرهم ، وهذا هو واقع الحال الذي عصف بالأمة الإسلامية، حيث ابتليت بآفة التطرف والغلو التي عصفت زوابعها في أذهان بعض البسطاء وجهالها باسم الجهاد، والتي افتتن بها أهل الأهواء الذين زاغت قلوبهم عن اتباع كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ، فكانت النتيجة أن وقع الاختلاف في أصول الدين والاعتقاد وكثر أهل الأهواء، مما جرَّهم إلى التطرف البغيض، وافترقوا إلى فرق متنازعة متناحرة، همها الوحيد إرغام خصومها ومعارضيها على اعتناق آرائها الفاسدة المخالفة للقرآن والسنة الثابتة بأيّ وسيلة كانت ، ولا يثنيها عن ذلك تفسيق وتبديع لمعارضيهم بل وتكفير فذبح وتنكيل، وأخذ بعضهم يصدر أحكام التكفير الشمولي على من خالفهم كائنًا من كان.

فالجهاد ليس تطرفا وليس إراقة للدماء بناء على أهواء بعض الجماعات المخالفة منهجا واعتقادا لسيرة نبينا المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه، وإنما الجهاد مؤداه وهدفه رحمة الناس وإدخالهم في دين الإسلام وبهذا يحصل لهم السعادة في الدنيا والآخرة، أما التطرف البغيض فهو سلوك مخالف للشرع يأخذ طابعًا حادًّا جدًّا، يهدف إلى تحقيق مكاسب معينة، أو تغيير وضع اجتماعي معين بطريق مخالف للدين، والعنف بهذا المعنى وسيلة لا يقرها الشرع الحنيف، وكما هو واضح فإن من يستخدم العنف المذموم يكون غالبًا على جهل عميق بأحكام الشريعة الإسلامية ومن ذلك الجهل بالجهاد وأحكامه، فإنه عندما تستطيع الجماعة المتطرفة أن تمتلك وسائل العنف والقوة فإنها قد تلجأ سواء على المستوى الفردي أو المجتمعي أو الدولي ـ إلى استخدام ما يسمى بوسيلة الإرهاب الفكري أو النفسي أو المادي ضد كل من يقف عقبة لتحقيق أهدافها، وبهذا يحصل لها الرواج على مستوى الجهال الذين ليس لهم أي مسكة من العقل أوفهم بأحكام الشريعة لا يأخذون من الدين إلا مظهره ، وهذا ليس جديدا في التاريخ الإسلامي فالناظر إلى زمن السلف وأخص بالذكر زمن أصحاب رسول الله ﷺ فقد ظهرت فرقة في ذلك الوقت تجرؤوا على الصحابة الكرام رضي الله عنهم بالتكفير والتقتيل وإراقة الدماء وذلك في عصر قريب من زمن النبوة الذي يكثر فيه العلماء والفقهاء والحفاظ والعباد والزهاد فما بالك في زمننا هذا ، فإن هؤلاء المتطرفين الذين يقتلون المسلمين باسم الجهاد ونشر الإسلام ، بعيدون كل البعد عن منهج الصحابة الكرام وإنهم يستغلون عقول الجهال الذي كثروا بسبب بعد كثير من الناس عن علم الدين وأحكامه، والذي لا شك فيه أن التطرف اقترن عبر العصور بالعنف الدموي البغيض، الأمر الذي يؤكّد القصور الفكري لدى هؤلاء المتطرفين عن مواجهة الفكر المستنير بالحجة الهادئة، والكلمة الرشيدة والمنطق العقلاني، ونتيجة لهذا الجهل ينتج عادة ما يُعرف بالتطرف باسم الدين، والذي يأخذ منحنى خطيرا يحاول المتطرفون من خلاله إنشاء منظمات وخلايا سرية، وتدريب الأعضاء على استعمال الأسلحة وأعمال التدمير، بهدف اغتيال بعض الشخصيات والقيادات، وإشاعة الفوضى، وصولا لمحاولات لتحقيق أحلامهم المزعومة بإنشاء دولة خلافة على أساس الحاكمية الشرعية الإسلامية، والتطرف ظاهرة عامة قد تصيب أي مجتمع في الشرق أو الغرب، وإن هذه الظاهرة ترجع أساسًا إلى الجهل بالدين الحنيف وتعاليم الإسلام السمحة، وغياب التحديد الواضح للهوية الحضارية، هذا بالإضافة إلى التفاوت الاقتصادي والاجتماعي، والبحث عن مخارج للأزمات والمشاكل الشخصية والمجتمعية.

وقد عالج المخطوط مفهوم الجهاد من الناحية اللغوية والاصطلاحية بطريقة علمية ، قال ابن منظور “وجاهَدَ العدوَّ مُـجاهَدة وجِهاداً: قاتله وجاهَد فـي سبـيل اللَّه”7.

قال الزرقاني: “ويطلق علـى مـجاهدة النفس بتعلـم أمور الدين ثم العمل بها ثم علـى تعلـيـمها، وعلـى مـجاهدة الشيطان بدفع ما يأتـي به من الشبهات وما يزينه من الشهوات، وعلـى مـجاهدة الفساق بـالـيد ثم اللسان ثم القلب8.

قال ملا علي القاري: “والجهاد مصدر جاهدت العدوّ إذا قابلته في تحمل الجهد أو بذل كل منكما جهده، أي طاقته في دفع صاحبه، ثم غلب في دار الإسلام على قتال الكفار، قال ابن الـهمام: وهو دعوتهم إلى الدين الحق وقتالـهم إن لم يقبلوا”9. 

قال الثعلبي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ سورة الحج/78 . قال عبد الله بن المبارك: هو مجاهدة النفس والهوى وذلك حقّ الجهاد، وهو الجهاد الأكبر على ما روي في الخبر أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال حين رجع من بعض غزواته: «رَجَعْنَا مِنَ الجِهَادِ الأَصْغَرِ إِلَى الجِهَادِ الأَكْبَرِ»10

أما الجِهادُ فِى سبيلِ الله، فبِه حِمايَةُ بيضَةِ الدّين، بِهِ رِفْعَةُ أَهْلِ هذا الدّين وسَلامَتُهُم، بهِ سَلامَةُ بِلادِ المسلمينَ وهدايةُ الناسِ إلى الحق، وَقَد ذَكَرَ الجِهادَ فِى القُرءان مَقْرُونًا بِالهِدايَة،  والجهاد يوجب الترغيب في الإيمان، والزجر عن الكفر. والجهاد داخل في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”12.

 قال ابن حجر: لدي يظهر أن تقديم الصلاة على الجهاد والبر لكونها لازمة للمكلف في كل أحيانه، وتقديم البر على الجهاد لتوقفه على إذن الأبوين. وقال الطبري: إنما خص صلى الله عليه وسلّم هذه الثلاثة بالذكر لأنه عنوان على ما سواها من الطاعات، فإن من ضيع الصلاة المفروضة حتى يخرج وقتها من غير عذر مع خفة مؤنتها عليه وعظيم فضلها فهو لما سواها أضيع، ومن لم يبر والديه مع وفور حقهما عليه كان لغيرهما أقل براً، ومن ترك جهاد الكفار مع شدة عداوتهم للدين كان لجهاد غيرهم من الفساق أترك، فظهر أن الثلاثة تجتمع في أن من حافظ عليها كان لما سواها أحفظ، ومن ضيعها كان لما سواها أضيع”13.

خلاصة لما سلف نقول بأن الجهاد مبحث عظيم في دين الله تعالى ، وباب يرجو أي واحد من أبناء المسلمين شرقا وغربا أن يفهم قيوده الواردة في الشرع كما هي، وخصوصا بعد أن يسمع أحاديث المصطفى ﷺ في فضله ، وكما أشرنا سلفا ، ظهر عبر امتدادات التاريخ الإسلامي من يستخدم عنوان الجهاد ويهلك الناس ويريق دماءهم وهم المتطرفون، فقد كان هؤلاء المتطرفون عبر الزمن أقل من القليل وأذلّ من الذليل منبوذين ملاحقين مرفوضين من جمهور الأمة. ولقد تميزت عقيدة المؤمنين الأوائل بالاعتدال ونبذ التطرف وعدم تكفير أحد من أهل القبلة بذنب ما لم يستحلَّه، فلم يعتبر المسلمون من ارتكب معصية ولو كانت من الكبائر كافرًا يحلّ دمه، وعلى هذا كان السلف الصالح، كما ولم تحثّ على الانحلال وارتكاب الذنوب، بل من قواعدها أن المؤمن يكون «بين الخوف والرجاء»، يخاف عقاب الله له على ذنوبه، ويرجو مغفرته لذنبه، ولم تبح إنزال العقوبة بالمذنب في الغالب إلا للحاكم ومن يفوّضه من القضاة حتى لا يكون الأمر فوضى، فكفلت حفظ المجتمعات من الظلم ومن استباحة دماء الأبرياء، بَيْدَ أنه لم تسلم بلاد المسلمين من فرق شذّت فانحرفت عن سنة رسول الله ﷺ، فمنهم من يعجبه العيش في كنف مجتمع هادئ مطمئن، ومنهم من يميل إلى الشذوذ والتشدّد في غير محله إلى حدّ اتهام الآخر بما يبيح به لنفسه ماله ودمه، ومنهم من يميل إلى الانحلال والتسيّب. فالفريقان الثاني والثالث هما طرفا إفراط وتفريط، والفريق الأول طرف الاعتدال والوسطية.

-الهامش :

1- منح العلي في شرح الأخضري ص 12.

2- مقدمة ولد الرضي ج1 ص 57- 60.

3- مذكرة تخرج للقاضي محمد الأمين ولد داداه من المعهد العالي للدراسات والبحوث الإسلامية للعام

الدراسي 84- 85 ص 11 و 19.

4- مقدمة تحقيق أحمد ولد الرضي ، رسالة لنيل درجة الدكتوراه ، جامعة ابن طفيل سنة 2006 ، جامعة ابن

طفيل ، المغرب ، القنيطرة ص 14.

5- محمد الأمين ولد داداه ص 69.

6- مذكرة القاضي محمد الأمين ولد داداه ص 24 . و المنبر ص 29.

7-لسان العرب (ج2/ص397)، تأليف الإمام أبي الفضل جمال الدين محمد بن مكرم ابن منظور الافريقي

المصري (630-711 هـ)، تحقيق: محمد عبد الوهاب ومحمد الصادق العبيدي، دار إحياء التراث العربي،

بيروت، الطبعة الثالثة، 1419هـ/1999.

8-شرح الزرقاني على موطأ مالك (ج2/ص268)، تأليف محمد الزرقاني، تصحيح محمد الأسيوطي، المطبعة

الخيرية، مصر، 1310هـ.

9-الدين الملا الهروي القاري (المتوفى: 1014هـ)، تحقيق: الشيخ جمال عيتاني، دار الكتب العلمية،

بيروت-لبنان، الطبعة الأولى، 1422هـ/2001م.

10-الكشف والبيان المعروف بتفسير الثعلبي، تفسير سورة الحج (ج7/ص35-36)، تأليف الإمام الهمام أبو

إسحق أحمد المعروف بالإمام الثعلبي (المتوفى 427 هـ)، تحقيق: أبي محمد بن عاشور، دار إحياء التراث

العربي، بيروت-لبنان، الطبعة الأولى، 1422هـ/2002م.

11- التفسير الكبير: لفخر الدين الرازي: ج 18، ص 210.

12- فتح الباري بشرح صحيح

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: