مصير عقد الذمة في عصرنا

مقدمة                                                                            

    لقد ألف المسلمون قديما عند فتح أحد الأقاليم غير الإسلامية تخيير سكانها بين الدخول في الإسلام أو البقاء على دينهم، فإذا اختاروا البقاء على دينهم يتم عقد الذمة معهم.

    وفي العصر الحاضر توقفت الفتوحات الإسلامية وسقط الملك العثماني الذي كان شوكة المسلمين، واستبيحت بيضة الإسلام وتعرضت دار الإسلام للاحتلال وانقسمت إلى عدة أقطار متمزقة، ولا زال أحفاد أهل الذمة السابقين يسكنون بجوار المسلمين في بلدانهم.

     فهل عقد الذمة الذي عقدته الدولة الإسلامية لأهل الذمة في زمانها مع غير المسلمين لا يزال ساريا على أحفادهم أم انحل العقد ولم يعد قائما؟

سيحاول هذا الموضوع الإجابة عن هذا الإشكال بدءا بتعريف عقد الذمة لغة واصطلاحا ومرورا بذكر خصائصه وانتهاء باستعراض آراء مجموعة من العلماء المعاصرين حول هذه القضية.

أولا: الذمة لغة

    الذمة في اللغة الأمان والعهد والضمان[i]، وجاء في اللسان: “والذِمام كل حرمة تلزمك إذا ضيعتها المذمة، ومن ذلك سمي أهل الذمة وهم الذين يؤدون الجزية من المشركين”.[ii]

ثانيا: عقد الذمة شرعا

     عرفه ابن عرفة: “التزام تقريرهم في دارنا وحمايتهم والذب عنهم بشرط بذل الجزية”.[iii]

     وعرفه عبد الكريم زيدان بـ” عقد بمقتضاه يصير غير المسلم في ذمة المسلمين أي في عهدتهم وأمانهم على وجه التأبيد، وله الإقامة في دار الإسلام على وجه الدوام”.[iv]  

     وعند سليم العوا: “عقد مؤبد يتضمن إقرار غير المسلمين على دينهم وتمتعهم بأمان الجماعة الإسلامية وضمانها، بشرط بذلهم الجزية وقبولهم أحكام دار الإسلام في غير شؤونهم الدينية”.[v]

ثالثا: خصائص عقد الذمة

    عقد الذمة يمنح جنسية الدولة الإسلامية  وامتيازاتها، هذا ما تدل عليه عبارة الفقهاء “الذمة من أهل الإسلام”.[vi]   

 الأصل في عقد الذمة هو الرضا بين طرفيه كسائر العقود والمعاهدات، فإن كان غير المسلمين منفردين في قرية أو ناحية فلهم قبول عقد الذمة أو رفضه، ما داموا لا يهددون المسلمين بعدوان أو بإعانة معتد، وقد عقد الرسول ﷺ مع أهل البحرين وكانوا مجوسا عقد الذمة، ومع أهل نجران وكانوا نصارى، وهم بهذا العقد يحفظون أرضهم وثرواتهم ولا سبيل عليهم إلا بالجزية. [vii]

     إن عقد الذمة بنظر الدولة الإسلامية يمثل تأمينا لها من أعدائها أن يكيدوا لها عن طريق جيرانها، ولذلك إذا كان هؤلاء الجيران مسالمين من أنفسهم، ولا يتوقع استغلالهم من غيرهم…فهم أحرار في قبول عقد الذمة أو رفضه، لكن إذا كانوا يشكلون تهديدا ما، فإن عقد الذمة يضمن ولائهم وتأمين الدولة من جهتهم ويضمن لهم الحماية والمساواة والحرية والتضامن، دون استغلال أو اضطهاد.[viii]

رابعا: مصير عقد الذمة اليوم

     يمكن إجمال ثلاثة آراء للفقه المعاصر حول هذه المسألة :

الرأي الأول: عقد الذمة باق وأثره لا يزال ساريا حيث يرى محمد خير هيكل أن عقد الذمة باق رغم سقوط الخلافة، وأن لأعقاب أهل الذمة حكم آبائهم، لأن عقد الذمة عقد أبدي ما بقي منهم واحد.[ix] 

الرأي الثاني: زال عقد الذمة وصار الذميون أهل حرب غير معصومي الدماء والأموال وهو رأي سليم زيرار حيث يقول:” أن عقد الذمة كسائر العقود لا يستعصي عليه الزوال بزوال أحد أطرافه أو كليهما أو بالظروف الخارجة عن الطرفين، وأن تأبيد عقد الذمة لا يمنع من انحلال العقد، وإنما معناه أنه لا يزول بموت الحاكم الذي أبرمه وأنه يلزم الحكام المسلمين بعدهم أبدا، ما بقي حكم إسلامي، وبقي ذميون يفون بواجباتهم، ومن أسباب زوال عقد الذمة: زوال الخلافة التي تلتزم بتأمين أهل الذمة وتطالبهم بواجباتهم وأيضا خروج أهل الذمة من دار الإسلام لزوال سلطة المسلمين في غير دارهم”، ثم يخلص هذا الباحث إلى أن زوال هذا العقد بزوال أطرافه رفع العصمة عن غير المسلمين لأن الدماء والأموال في الإسلام يعصمها الإسلام أو الذمة، وليس معهم أي منهما.[x]

الرأي الثالث: زوال عقد الذمة وحلول المواطنة محله وهو رأي غالبية العلماء المعاصرين، حيث يقررون زوال عقد الذمة في عصرنا بسقوط الدولة العثمانية وسيطرة الاستعمار والغرب على أغلب ديار المسلمين وانقطاع العمل بالشريعة، ويؤكدون على أن غير المسلمين معصومو الدماء والأموال، وموفورو الحقوق بموجب عقد جديد هو عقد المواطنة.[xi] 

    إن سليم العوا ومن وجهة نظر قانونية يرى زوال العقد بزوال أحد أطرافه فيقول: “والعقد الذي سمي عقد الذمة قد أصابه بعض ما يصيب العقود فينهيها ويذهب بآثارها، فقد انتهى عقد الذمة الأول بذهاب الدولة التي أبرمته، فالدولة الإسلامية القائمة اليوم في أي قطر ليست خلفا للدولة الإسلامية الأولى التي أبرمت عقد الذمة، فتلك زالت من الوجود بالاستعمار الذي ذهب بسلطانها وملك ديارها وبدل شرائعها القانونية “.[xii]

    وقد ألف فهمي هويدي كتابا حول هذه القضية بعنوان ” مواطنون لا ذميون” يوضح فيه رأيه بوضوح في المسألة وأن المواطنة اليوم عوضت عقد الذمة ويدعو لمراجعة لفظ الذمي فيقول:” إننا نقف في حقيقة الأمر في مواجهة صيغة لا تستند إلى نص قرآني، واستخدامها في السنة النبوية كان من قبيل الوصف لا التعريف.[xiii]

     وفي هذا الصدد يقول هويدي انطلاقا من مبدأ المساواة بين مواطني الدولة الإسلامية: “إن أول وثيقة مكتوبة في تاريخ الإسلام …والتي عرفت باسم الصحيفة تضمنت نصا اعتبر اليهود مع المسلمين أمة واحدة بحيث عوملوا كمواطنين في الدولة الإسلامية الوليدة ولم يعاملوا كرعايا أو أجانب من الدرجة الثانية”.[xiv]

     وأيضا عبد الرحمن الطيار يوافق هويدي في ضرورة مراجعة لفظ أهل الذمة في واقعنا واستبداله بالمواطنة قائلا: “إن تعبير أهل الذمة لم يعد معبرا عن الواقع الراهن، لأن جميع أبناء الدولة مواطنون، يستمدون حقوقهم ويتحملون واجباتهم بناء على صفة المواطنة التي ترفض التمييز بينهم بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة،[xv] ويرى أيضا اختفاء هذا العقد اليوم لغياب مسبباته فيقرر: “نجد أن عقد الذمة في العصر الحالي قد اختفى ويرجع ذلك للأسباب التالية: زوال دولة الخلافة وتوقف الجهاد الإسلامي المسلح وبالتالي انتفاء وجود طرفي عقد الذمة[xvi]، ويوضح تغير طبيعة علاقة المواطن اليوم بدولته فيقول: “أصبح من الصعب قبول نظام عقد الذمة كوصف لعلاقة الدولة الإسلامية المعاصرة بفريق من الرعايا، ذلك أن خضوع هؤلاء للسيادة الإقليمية للدولة الإسلامية يغني في تنظيم شؤونهم عن عقد الذمة.[xvii]

     والمستشار طارق البشري كذلك من أصحاب هذا الرأي تأسيسا على الفرق بين شرعية الفتح وشرعية التحرير حيث يقول: “لقد قامت الدولة الإسلامية الأولى على شرعية الفتح والغلبة، فأسلم أغلب أهل البلاد المفتوحة، ومن لم يسلم منهم بقي انتماؤه للدولة منقوصا، ويتحدد مركزه فيها حسب درجة ولائه للدولة واطمئنانها له أو حذرها منه، على هذا المعيار انبنت أحكام أهل الذمة ومشاركتهم في الوظائف، أما الدولة الحديثة فقامت على شرعية التحرير، وهو معيار آخر لتحديد مركز غير المسلم في الدولة فمن شارك في التحرير وانضم إلى أهل الدار ضد المستعمر، فهو ذو ولاء وصفاء لمصالح الإسلام والمسلمين ومن انضم إلى المستعمر فهو بخلافه”.[xviii]

      كما يرى راشد الغنوشي أن مصطلح أهل الذمة لم يعد لازم الاستعمال في الفكر السياسي الإسلامي “طالما تحقق الاندماج بين المواطنين وقامت الدولة على أساس المواطنة أي المساواة حقوقا وواجبات”.[xix]

       وهذا ما ذهب إليه وهبة الزحيلي بقوله: ” وإنما هم -أهل الذمة-  مواطنون كالمسلمين لا رعايا من الدرجة الثانية….إذن فلا تفرقة في منهج الإسلام بين مواطني دار الإسلام بسبب الدين أو العنصر أو اللغة…”[xx]

  ويؤكد سليم العوا اعتماد رأي “حلول المواطنة محل عقد الذمة” من غالبية المعاصرين: “وهذا الرأي هو رأي جمهور العلماء المعاصرين ومنهم الشيخ مصطفى الزرقا، والشيخ محمد شلتوت، والشيخ جاد الحق علي جاد الحق، والدكتور يوسف العالم والشيخ محمد الغزالي والقرضاوي ووهبة الزحيلي وعبد الكريم زيدان وطارق البشري ومحمد عمارة وفهمي هويدي….[xxi]

خاتمة   

انطلاقا مما سبق يتبين أن رأي جمهور المعاصرين هو زوال عقد الذمة وتعويضه بالمواطنة وهو الرأي الأنسب والأصلح الذي يراعي فقه الواقع، فعقد الذمة اليوم فقد مبررات استمراره لأنه كان نتيجة حدث تاريخي لم يعد قائما، وظهرت مستجدات واقعية أدت لغياب مسببباته وبالتالي  إلى اختفاءه،  وهذا إعمالا للقاعدة الفقهية ” لا ينكر تغير الأحكام بتغير الزمان “[xxii]، وأما من يجمد على أحكام عقد الذمة كما كانت عند علمائنا السابقين ويستصحبها في عصرنا ولا يراعي تكيف الأحكام مع تغير الأحوال فحتما سيؤدي به ذلك إلى فتنة في الأرض وفساد عريض.

[i] (مفردات ألفاظ القرآن)، الراغب الأصفهاني، ص331.

[ii] (لسان العرب)، ابن منظور، مادة ذمم، 1/1077.

[iii] (حاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدردير)، الدسوقي، 2/200.

[iv] (أحكام الذميين والمستأمنين في دار الإسلام)، عبد الكريم زيدان، ص20.

[v] (في النظام السياسي للدولة الإسلامية)، محمد سليم العوا، ص251.

[vi] (بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع)، الكاساني، ط2: 1986، 6/281.

[vii] (الجهاد في الإسلام كيف نفهمه وكيف نمارسه)، البوطي، ص222.

[viii]  المرجع نفسه،ص145-146.

[ix] (الجهاد والقتال في السياسة الشرعية)، محمد خير هيكل، ص219.

[x]  (استيزار الذمي في الفقه الإسلامي)، سليم سرار، ص368-372.

[xi] (حول أوضاع المشاركة في شؤون الولايات العامة لغير المسلمين في المجتمعات الإسلامية المعاصرة)، طارق البشري، ص125.

[xii]  التطبيع بين ضرورات الأنظمة وخيارات الأمة، ص93/94.

[xiii]  مواطنون لا ذميون ، فهمي هويدي، ص111

[xiv]  التدين المنقوص، فهمي هويدي، ص126.

[xv]  حقوق غير المسلمين في الدولة الإسلامية، علي عبد الرحمن الطيار، ص122.

[xvi]  نفسه 161/162.

[xvii]  حقوق غير المسلمين في الدولة الإسلامية، علي عبد الرحمن الطيار، ص 160.

[xviii] نفسه، ص125-128.

[xix]  الحريات العامة في الدولة الإسلامية، راشد الغنوشي، ص 48.

[xx]  نظام الإسلام، وهبة الزحيلي، ص403/404.

[xxi] (للدين والوطن)، سليم العوا، ص31-32.

[xxii]  القواعد الفقهية وتطبيقاتها في المذاهب الأربعة، الزحيلي، 1/353.

اظهر المزيد

ّحميد نعيمي

أستاذ التربية الاسلامية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: