مصطلحات الاجتماع السياسي الإسلامي(2): الجماعة

التعريف اللغوي:

من جمع يجمع جمعا وجماعة، قال الزبيدي: “الجَمْعُ كالمنْعِ: تَأْلِيفُ المتَفَرِّقِ. وفِي المفْرَدَاتِ للرّاغِب: الجَمْعُ ضَمُّ الشَّيْءِ بتَقْرِيبِ بَعْضِه مِن بَعْضٍ. يُقَالُ: جَمَعْته فاجْتَمَعَ.. وقالَ ابنُ عَبّادٍ: الجَمْعُ جَماعَةُ النّاسِ ج: جموعٌ كبَرْقٍ وبروقٍ.. وفي الصّحاحِ: الجَمْعُ قد يَكونُ مَصْدَراً وقَدْ يَكونُ اسْماً لِجَمَاعَةِ النّاسِ ويُجْمَعُ عَلَى جموع، زادَ في اللِّسَانِ: والجَمَاعَةُ والجَمِيعُ والمجْمَعُ والمجْمَعَةُ كالجَمْعِ وقد اسْتَعْمَلُوا ذلِكَ في غَيْرِ النّاسِ حَتَّى قالُوا : جَمَاعَةُ الشَّجَرِ وجَمَاعَةُ النَّبَاتِ.
(والمسْجِدُ الجَامِعُ) الَّذِي يَجْمَعُ أَهْلَهُ، نَعْتٌ له لأَنَّهُ عَلاَمَةٌ للاجْتِمَاعِ.. وجُمَّاعُ النّاسِ: أَخْلاطُهُم وهم الأُشَابَةُ (من قَبائلَ شَتَّى). والجُمَّاعُ مِنْ كُلِّ شَيْءِ: مُجْتَمَعُ أَصْلِهِ. قالَ ابنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى “وجَعَلْناكم شُعُوباً وقَبَائِلَ” قالَ: الشُّعُوبُ: الجُمَّاع، والقَبَائِلُ: الأَفْخَاذُ، أَرادَ بالجُمّاع مُجْتَمَعَ أَصْلِ كُلِّ شَيْء، أَرادَ مَنْشَأَ النَّسَبِ وأَصْلِ المَوْلِدِ. وقِيلَ: أَرادَ بهِ الفِرَقَ المخْتَلِفَةَ مِن النّاسِ كالأَوْزاعِ والأَوْشَابِ.”
“والإِجْمَاعُ أَي إِجْمَاعُ الأُمَّةِ: الاتِّفَاقُ يقال: هذا أَمْرٌ مُجْمَعٌ علَيْه: أَيْ مُتَّفَقٌ عليه. وقالَ الرّاغِبُ: أَي اجْتَمَعَتْ آرَاؤُهُمْ علَيْه..
وقالَ أَبُو الهَيْثَمِ: الإِجْمَاعُ: جَعْلُ الأَمْرِ جَمِيعاً بَعْدَ تَفَرُّقِهِ. قالَ: وتَفَرُّقُهُ أَنَّهُ جَعَلَ يُدِيرُهُ فَيَقُولُ مَرَّةً أَفْعَلُ كَذَا وَمَرَّةً أَفْعَل كَذا فَلَمَّا عَزَمَ عَلَى أَمْرٍ مُحْكَم أَجْمَعَهُ أَيْ جَعَلَهُ جَمِيعاً.”
“والجَمَاعَةُ: عَدَدُ كُلِّ شَيْءٍ وكَثْرَتُهُ.”

الجماعة في الكتاب والسنة

لم يرد لفظ “جماعة” في القرآن الكريم، وإنما ورد بمعان تفيد معناه، مثل قوله تعالى: “وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ” [آل عمران: 103]. كما أن الخطاب القرآني في أمره ونهيه وندائه يتوجه إلى الجمع (يا أيها الناس) (يا أيها الذين آمنوا)، وعندما يتوجه إلى الإنسان بصيغة المفرد (يا أيها الإنسان)، فالخطاب موجه إلى جنس البشر وليس مخصوصا بشخص معين، إلا إذا كان في حالة تخصيص الأنبياء بأعيانهم: (يا آدم) (يا نوح) ( يا أيها النبي)
ولكن السنة جاءت صريحة في ذكر لفظ”جماعة” بإضافة “المسلمين”، وحببت لزومها وحذرت ونفرت من الخروج عليها. نذكر من الأحاديث الواردة في الباب:
 ما روي عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أنه قال: كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الْخَيْرِ وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الْخَيْرِ، فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قَالَ: « نَعَمْ ». فَقُلْتُ: هَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ؟ قَالَ: «نَعَمْ وَفِيهِ دَخَنٌ». قُلْتُ: وَمَا دَخَنُهُ؟ قَالَ: «قَوْمٌ يَسْتَنُّونَ بِغَيْرِ سُنَّتِي وَيَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ». فَقُلْتُ: هَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: «نَعَمْ دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا». فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا. قَالَ: «نَعَمْ، قَوْمٌ مِنْ جِلْدَتِنَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا». قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا تَرَى إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ؟ قَالَ: «تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ». فَقُلْتُ: فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلاَ إِمَامٌ؟ قَالَ: «فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا، وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ عَلَى أَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ».
 وعند مسلم أيضا نجد في نفس الكتاب ونفس الباب، حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مَنْ خَرَجَ مِنَ الطَّاعَةِ وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ فَمَاتَ، مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً. وَمَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عُمِّيَّةٍ، يَغْضَبُ لِعَصَبَةٍ أَوْ يَدْعُو إِلَى عَصَبَةٍ أَوْ يَنْصُرُ عَصَبَةً، فَقُتِلَ، فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ. وَمَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي يَضْرِبُ بَرَّهَا وَفَاجِرَهَا وَلاَ يَتَحَاشَ مِنْ مُؤْمِنِهَا وَلاَ يَفِي لِذِي عَهْدٍ عَهْدَهُ، فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُ».
 وعند البخاري: عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من كره من أميره شيئا فليصبر فإنه من خرج من السلطان شبرا مات ميتة جاهلية». وفي حديث آخر عنده أيضا: « من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر عليه فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات إلا مات ميتة جاهلية ».
 نجد نفس هذا الوعيد بالميتة الجاهلية لمن مات مفارقا الجماعة في حديث البيعة التالي: جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُطِيعٍ حِينَ كَانَ مِنْ أَمْرِ الْحَرَّةِ مَا كَانَ زَمَنَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ فَقَالَ: اطْرَحُوا لأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ وِسَادَةً. فَقَالَ: إِنِّي لَمْ آتِكَ لأَجْلِسَ، أَتَيْتُكَ لأُحَدِّثَكَ حَدِيثًا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُهُ. سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لاَ حُجَّةَ لَهُ وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ، مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً». وعبد الله بن مطيع كان ممن خلع يزيد وخرج عليه، وكان يوم الحَرَّة قائد قريش كما كان عبد الله بن حنظلة قائد الأنصار.

 لزوم الجماعة.. مفارقة الجماعة

إذا ربطنا بين الأحاديث السالفة الذكر، سنجد قاسما مشتركا بينها: حديث حذيفة «تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ»، وحديث ابن عباس « من فارق الجماعة شبرا » وحديث عبد الله بن عمر « َمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ» ، فلا جماعة إلا بإمام وبيعة. لكن ما المقصود بالجماعة؟ هل هي جماعة الرأي الواحد والوحيد؟ هل المعارضة محرمة في السياسة الشرعية؟ هل مكونات جماعة المسلمين متشابهة ومتماثلة على غرار الحزب الوحيد عند الشيوعيين؟ وهل تجوز بيعة الإكراه عندما ترفض فئة من جماعة المسلمين التسليم بشرعية الإمام المبايَع؟
يقول الدكتور محمد عمارة: (..هذه “البيعة”، التي يتحدث عنها الحديث النبوي الشريف كانت بيعة الذين آمنوا للرسول صلى الله عليه وسلم، الذي دعاهم إلى الإيمان .. فهي البيعة له بالنبوة، وموضوعها: التوحيد والإسلام .. إنها البيعة التي خرجوا بها من الجاهلية إلى الإسلام، ومن ثم فإن خلعها والخروج من طاعتها، هي ـ بالقطع ـ عودة إلى الجاهلية مرة أخرى .. فهي لم تكن بيعة من “الرعية السياسية” لمحمد برئاسة الدولة لأن هذه الرئاسة قد جاءت تبعاً، كضرورة اقتضتها “الدولة” التي تأسست لسياسة الرعية وحماية الدين، وإنما كانت بيعة من “المؤمنين” للنبي الرسول، عليه الصلاة والسلام .. فبيعة الرسول، هذه وحدها، دون أية بيعة أخرى لأي خليفة أو حاكم أو أمير، هي التي توصف بأنها هي “الإسلام”، وهي التدين بالدين الإسلامي .. إنها، في الحقيقة: بيعة الله سبحانه وتعالى، التي قال عنها لنبيه: (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله) .. كما قال أيضاً: (مَن يطع الرسول فقد أطاع الله ومَن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظاً) .. وليست كذلك بيعة أمراء السياسة والولاة والخلفاء والرؤساء في دولة الإسلام .. فمعارضة هؤلاء الأمراء، ورفض البيعة لهم، لاختلاف منهجهم السياسي وسبيلهم في سياسة المجتمع وحكم الأمة عن منهج المعارضين لهم، لا يعني الانتقال بالمعارضين من معسكر الإسلام والإيمان إلى معسكر الجاهلية بأي حال من الأحوال.)
ويعضد د.عمارة رأيه هذا بمواقف بعض الصحابة من بيعة أبي بكر رضي الله عنه. فهذا سعد بن عبادة الذي اجتمعت عليه الأنصار أول الأمر في سقيفة بني ساعدة عقب وفاة النبي صلى الله عليه وسلم تريد مبايعته، وهو زعيم الخزرج وأحد النقباء الإثنى عشر في بيعة العقبة وحضر المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، يأبى مبايعة أبي بكر حين اجتمع الصحابة عليه بعد الحوار الي دار بين الأنصار والمهاجرين الثلاثة تحت السقيفة. واستمر سعد على موقفه من رفض البيعة إلى زمن عمر بن الخطاب حيث توفي سنة 14ه، ولم يحدث أن أكرهه أحد على البيعة أو وسمه بالجاهلية.
ورجل آخر من المهاجرين هذه المرة وله مكانته الكبيرة في الإسلام، تخلف عن البيعة لأبي بكر: إنه علي بن أبي طالب رضي الله عنه، لم يبايع إلا بعد مرور ستة أشهر على تولي أبي بكر الخلافة، وذلك بعد وفاة زوجه فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل بعد أربعة أشهر.
والأكيد أيضا أن الزهراء رضي الله عنها نفسها ماتت ولم تكن في عنقها بيعة لأبي بكر، بل كانت غاضبة منه لمسألة الخلاف حول ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم ومطالبتها بحقها منه، فهل ماتت الزهراء، أحب الناس لرسول الله على الجاهلية!؟
من خلال ما سبق، يتبين أن وجهة نظر د.عمارة لها نصيب من الصحة، وأن المقصود بلزوم جماعة المسلمين وإمامهم والتحذير من مفارقة هذه الجماعة، له أبعاد واسعة تتسع لممارسة المعارضة بالطرق السلمية من داخل النسق السياسي للأمة، مع الحفاظ على وحدتها وعلى مبدأ الولاء. بمعنى أن الخروج على جماعة المسلمين يكون حين اللجوء للعنف ورفع السلاح لفرض شرعية مغايرة، أو حين الاستعانة بالأعداء لفرض واقع حكم جديد يدين بولائه لهم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: