مراعاة النية في الأعمال

تأصيل النية

قال الله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ[1] أي على نياته فالنيات جمع نية مصدر نوى، ونوى الأمر قصده وعزم عليه[2]. وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «لا عمل إلا بنية»[3]. فالنية قصد وعزم مقرون بفعل.

وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكلّ امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه».[4]

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا ينظر إلى أعمالكم ولا إلى هيآتكم ولكن ينظر إلى قلوبكم ونيّاتكم». وقال ابن مسعود رضي الله عنه:” اجعلوا العمل رديفا للنية ولا تجعلوا النية رديفا للعمل”. وقال عبد الله: “تعلموا النية فإنها أبلغ من العمل”[5].

ومعنى النيّة أنه ينبغي لك أن تنوي أن تطيع الله عزّ وجلّ ما أبقاك؛ وتفتقر إلى الله عزّ وجلّ في ذلك بأن يمُنَّ عليك بطاعته، وأن يعصمك من مخالفته. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يؤتى بالعبد يوم القيامة ومعه من الحسنات أمثال الجبال، فينادي منادٍ: مَنْ كان له على فلان مظلمة فليجئ، فليأخذ منه فيجيء ناس فيأخذون من حسناته؛ حتى لا يبقى له من الحسنات شيء، ويبقى العبد حيران، فيقول له ربه عزّ وجلّ: إن لك عندي خيرا لم تطلع عليه ملائكتي، ولا أحد من خلقي فيقول: يا ربي وما هو؟ فيقول: نيّتك التي كنت تنوي كتبتها لك سبعين ضعفا»[6].

النية عند السلف:

قال الحسن: “رأيت النيّة أفضل من العمل”. وعن داود الطائي أنه قال: “رأيت الخير إنما يجمعه حسن النيّة”.

وروي عن إسماعيل بن أبي إبراهيم يرفعه قال: “كان يقال: لا بدّ من خمسة؛ لا بدّ من قول، ولا بدّ للقول من عمل، ولا بدّ للعمل من نيّة؛ ولا بدّ لذلك من إصابة، ولا بدّ لذلك أن يصونه كي لا يشوبه شيء يفسده”. وروي عن بلال بن سعيد أنه كان يقول: “عباد الرحمان! إن الرجل منكم ليقول قول مؤمن؛ فما يدعه الله حتى ينظر كيف عمله، فإن كان قول مؤمن وعمل مؤمن؛ فما يدعه الله حتى ينظر كيف ورعه، فإن كان قول مؤمن وعمل مؤمن وورع مؤمن؛ لم يدعه حتى ينظر كيف ما نوى، فإن صلحت النية صلح ما دونها؛ وإن فسدت فسد ما دونها”.

وروي عن قتادة في قول الله عزّ وجلّ ﴿...وَالصَّادِقِينَ…﴾ [7] قال: “صدقت نياتهم.” وروي عن الحسن قال: قال عيسى عليه السلام: “يا معشر الحواريين إن الله أبى أن يقبل منكم أقاويلكم دون نيّاتكم وأعمالكم”. وقال يوسف بن أسباط: “تخليص النيّة من فسادها أشدّ على أهل العقل من طول الاجتهاد. وبالنيّة تصحّ الأعمال، وبفقدها تفسد الأعمال”.

 إخلاص النية

وأما النّية في الأعمال فينبغي للمرء إذا أراد أن يدخل في عمل من الفرائض؛ أن ينوي أنه فرض عليه؛ فإن كانت صلاة نويت أيّ صلاة هي؛ الفجر أم الظهر أم العصر أم المغرب أم العشاء. وما كان من سائر الأعمال فينبغي أن لا يدخل في شيء منه حتى ينوي أنه يريد الله عزّ وجلّ به، لا يريد به سواه. فالعبد ليس يخلو عند دخوله في العمل من إحدى ثلاث خصال؛ إما أن يدخل فيه ونيته فاسدة يريد بالعمل غير الله، أو تصحّ نيته فيريد بها الله عزّ وجلّ، أو لا تكون معه فيه نية صحيحة ولا ينوي بها إرادة غير الله؛ فأما ما أريد به الله تعالى فهذا الذي ينبغي له أن يشكر الله تعالى عليه. وأما الذي فسدت فيه النيّة فيجب عليه أن يتوب إلى الله منه؛ وينوي أن لا يعود. وأما الذي ليس فيه نيّة فلا يعبد به، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا عمل إلا بنيّة»[8].

فلا يدخُل المرء في أمر حتى يستعمل فيه النيّة قبل الدخول فيه، والافتقار إلى الله، واستعمال ذكر الله بالقلب. وبصلاح القلب تصلح النيّة، وبصلاح النيّة تصلح الأعمال؛ لأن القلب صلاحه بذكر الله، وصلاح النيات والأعمال بصلاح القلب لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلّه وإذا فسدت فسد الجسد كلّه ألا وهي القلب»[9].

فعلى العبد أن يوقن بأن الله يراه، وهو منه قريب، وهو عليه رقيب، يعلم ما في قلبه، وما توسوس به نفسه. فإذا علم أن الله قريب منه، ويرى ظاهره وباطنه، لحقه الخوف، أو الحياء منه. فعند ذلك يصلح القلب، فإذا صلح القلب صلحت النيّة؛ وإذا صلحت النيّة صلحت الأعمال.

فواجب العبد لزوم النيّة والعناية بها. فإن الله سائله عن كلّ عمل، ولا بدّ له عند سؤاله إياه من حجة، وليس كلّ حجة في الأعمال أقوى من النية. والإخلاص في العمل خير من العمل؛ لأن العبد لو أخلص ولم يعمل كان مقيما على إخلاصه، ولو عمل ولم يخلص لم يقبل ذلك منه.

نية المؤمن خير من عمله.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «نيّة المؤمن خير من عمله»[10]. وفي هذا الحديث وجوه كثيرة من التأويل:

الوجه الأول: منها أن يكون إخلاصه في عمله أنفع له من عمله، لأنه بالإخلاص يقبل.

والوجه الثاني: قيل معناه نية المؤمن؛ على أني إن قدرت زدت في عملي، فهذا خير له من عمله. ونيّة الفاجر أي إن قدرت زدت في المعاصي فهذا شرّ من عمله.

الوجه الثالث: يعني أن نيتّه في إرادة الخير والصلاح لجميع المسلمين؛ والشفقة عليهم في دينهم خير له من الفضائل التي يعلمها.

الوجه الرابع: أي نيتّه للخير إذا حصل هناك منع، خير له من عمل يحصل بغير نيّة؛ أي نيّة تجردت عن العمل خير من عمل تجرد عن عمل.

الوجه الخامس: قيل نيّته في كسبه للعُدد والنفقة على العيال والعفة خير له من كسبه.

الوجه السادس: أن نيّة المؤمن في استقامته على الطاعة خير من الطاعة. ونية الفاجر في إصراره على المعصية شرّ من معصيته.

والوجه السابع: نيتّه خير من عمله، لأن النيّة سرّ والعمل ظاهر؛ والسرّ أفضل من العلانية.

والوجه الثامن: نيّة المؤمن خير من عمله، لأن النيّة من أفعال القلوب؛ وذلك أن القلب مَلِك والأركان جنوده، وأعمال المَلِك تعلوا أعمال الرعايا جنودِه.

  الوجه التاسع: قيل تحسره على ما فاته من الطاعات أو على ما ارتكبه من المعاصي خير له من إعجابه بطاعته.

  الوجه العاشر: قيل نيته في احتراسه في الطاعات وحفظ أركانها وحدودها، خير له من الطاعة؛ لأن حفظ الطاعة أشد من الطاعة، واحتراس القلب أشد من إتيان الطاعة. ولذلك قال النبي الله عليه وسلم: «إن الرجلين من أمتي ليقومان في الصلاة وركوعها وسجودها واحد، وأن بين صلاتهما كما بين السماء والأرض».

 الوجه الحادي عشر: قيل لأن النيّة تتشعب منها الطاعات؛ والأصل أفضل من الفرع. قال سهل رحمه الله:” العلم سعي الأركان، والنيّة سعي القلوب، والعمل يوضع في الخزائن والنيّة عنده. لأنه الذكر الخفي والعمل في ديوان الملائكة، والنيّة في ديوان الله عزّ وجلّ”.

فينبغي للسعيد أن يكون له نيّة خالصة في جميع تصرفه من حركته وسكونه وسعيه وتركه؛ فإن الحركة والسكون اللذين هما أصل الأفعال هما من أعماله التي يسأل عنها، فيحتاج إلى النية والإخلاص فيها. فليجعل جميع ذلك لله تعالى بقصد واحد ينوي المسارعة إلى الخير كيفما كان؛ فتكون نيّته في ذلك صلاح قلبه، وإسكان نفسه، واستقامة حاله. وذلك كلّه لأجل الدين، وعدة للآخرة، وشكرا لربه، ودخولا فيما أحل له، واعترافا بما أنعم عليه[11].

وأفضل العمل ما دخل في أوله لله، وخرج منه بالله، ولم تطرقه فيما بينهما آفة.

وأن لا يراد بالعمل إلا وجه الله وحده، تعظيما لحقّ عبوديته جل وعل.

والحمد لله رب العالمين

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] – [الإسراء: 84].

[2] ـ معجم المعاني.

[3] – حديث: “لا قول إلا بعمل ولا قول ولا عمل إلا بنية ولا قول ولا عمل ولا نية إلا بإحياء السنة” أخرجه الديلمى عن على (برقم 7908).

[4] – هذا أول حديث في صحيح البخاري – برقم: [1].

[5] – أخرج ابن أبي الدنيا في كتاب “الإخلاص والنية” برقم[ 62].

[6] – حلية الأولياء وطبقات الأصفياء لأبي نُعيم الأصبهاني 10/12.

[7] – [آل عمران: 17].

[8] – من حديث علي أخرجه الديلمى (برقم 7908). وأخرج عن أبى ذر (برقم 7894).

[9] – أخرجه البخاري في صحيحه ﴿بالرقم: 52﴾.

[10] – “الأجوبة المرضية فيما سئل السخاوي عنه من الأحاديث النبوية” (ص345).

[11] ـ مختصر قوت القلوب.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

‫5 تعليقات

  1. ماشاء الله عليك الله يسمح لنا و يبلغنا رمضان لا فاقدين و لا مفقودين مع صالح النية و العمل أكرمك الله أستاذة على هذه الكلمات

  2. تبار ك الله دكتورة عمل رائع جدا
    اللهم بلغنا رمضان لا فاقدين و لا مفقودين

  3. ما شاء الله حبيبتي
    يسر الله امرك ووفقك لكل خير
    موضوع يستحق التشيع خصوصا في وقتنا هاذا
    اضف الى هاذا نجد اول حديث لنبينا عليه الصلاة والسلام في الاربعين النووية يتحدث عن النية و صدقها قبل العمل
    تحياتي وتشجيعي حبيبتي
    والله المستعان 😙😙😙

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: