منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

ما ينبغي أن تعرفه عن حكم سجدة الشكر وحكمتها

0
اشترك في النشرة البريدية

المحاور الأساسية

مقدمة

أ – تعريف السجود وأنواعه وهيأته

1 – السجود في اللغة

المزيد من المشاركات
1 من 31

2 – السجود في الاصطلاح

3 – السجود في القرآن الكريم

4 – أنواع السجود

5 – هيئة السجود وحالته وذكره

6 – العبادة في السجود

ب – تعريف الشكر لغة واصطلاحا

1 – الشُّكر في اللغة

مقالات أخرى للكاتب
1 من 4

2 – الشكر في الاصطلاح

ج – تعريف سجدة الشكر

د – مشروعية سجدة الشكر

ه – كيفية أداء سجدة الشكر

و – مذاهب الفقهاء في مشروعية سجدة الشكر

ز – سجدة الشكر داخل الصلاة

ح – أسباب سجدة الشكر

*****

مقدمة

عَن أبي يحيى صُهَيْب بن سنانٍ – رضي الله عنه – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ)[1]، فالمؤمنة مثل المؤمن طيلة عمرها بين شكر وصبر، ما دامت الحياة الدنيا فيها ما يسر وفيها ما يضر، ومن أشكال شكر المسلمة لربها؛ أن تُقبل على الله ساجدة له، ويقترن سجود الشكر عادةً بالنِّعم الظاهرة، فعندما ينعم الله على أمَته نعمةً معينةً؛ كشفاء مريضٍ أو الشفاء من مرض، أو دفع نقمةٍ أوشكت أن تصيبها، أو أن تُرزق بمولود بعد يأس وربما عقم ، فإنّ أوّل ما تفكر به المؤمنة أن تسجد لله سبحانه وتعالى شكراً وحمداً له على نعمه الجليلة[2]، وقد جعل الإسلام لسجود الشكر كيفيةً وهيئةً محددة، وقد نُقل العمل بسجود الشكر عن الكثير من العلماء، وإذا كانت سجدة الشكر خالصة لوجه الله سبحانه وتعالى، فلها الأجر والجزاء الحسن من الله.

أ – تعريف السجود وأنواعه وهيأته

1 – السجود في اللغة:

من الفعل سجد، نقول: سجد الشخص؛ وضع جبهته على الأرض خضوعاً وتعبُّداً، وتأتي بمعنى خضَع وانحنَى، وسجدت المخلوقات؛ أي خضعت وانقادت.[3]، وكما يكون السجود بوضع الجبهة على الأرض، قد يكون أيضاً بالإيماء بالعين أو أن يُطأطأ الرأس لمن لا يستطيع أن يضع جبهته على الأرض، ويقال: سَجَدَ، سُجُوداً، أي: خضع وتطامن[4]، ومنه قوله تعالىٰ من سورة الحج: ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ … )[5]، فهذا لسان حال تلك المخلوقات في الطاعة والخضوع، وكلّ شيء ذلّ فقد سجد [6]، وهو ساجد. والجمع: سُجّد، وسُجودٌ[7]، والمسجَدُ: بفتح الجيم، جبهة المرأة وكذا الرجل حيث يصيبها أثر السجود [8]، والجمع مَسَاجِدُ، والمساجِدُ من بدن الإنسان: الأعضاء السبعة التي يسجد عليها، وهي: الجبهة واليدان والركبتان والقدمان[9].

2 – السجود في الاصطلاح :

هو الانحناء ووضع أعضاء السجود السبعة علىٰ الأرض، والتي هي: الجبهة، والكفّان، والركبتان، وإبهاما الرجلين، كما ذهب إليه أحمد بن حنبل واختاره الشافعي في أحد قوليه[10].

وحقيقة السجود: وضع الجبهة وباطن الكفّين والركبتين وطرفي الإبهامين من القدمين علىٰ الأرض، بقصد التعظيم[11]، وقد ورد عن الإمام علي كرم الله وجهه تسمية مثل هذا السجود بالسجود الجسماني، وهو أقلّ رتبةً من السجود الآخر المسمّىٰ بالسجود النفساني، قال رضي الله عنه : « السجود الجسماني : هو وضع عتائق الوجوه علىٰ التراب، واستقبال الأرض بالراحتين والركبتين وأطراف القدمين مع خشوع القلب وإخلاص النية، والسجود النفساني: فراغ القلب من الفانيات، والإقبال بكنه الهمّة علىٰ الباقيات، وخلع الكبر والحمية، وقطع العلائق الدنيويّة، والتحلّي بالأخلاق النبويّة» [12].

3 – السجود في القرآن الكريم :

ورد في القرآن الكريم مادة السجود بمختلف مشتقاتها 92 مرة منها:

28 مرة حول المساجد وأحكامها.

64 مرة حول أنواع السجود منها:

24 مرة حول سجود الملائكة عليهم السلام، وإبليس لعنه الله.

38 مرة حول سجود السماوات والأرض والنجم والشمس والقمر والملائكة والبشر والظلال وبقية الموجودات بنحو الإشارة والإجمال. وورد في القرآن الكريم ما يشير إلىٰ ضربين من السجود وهما:

– سجود اختيار: وهو خاصّ بالإنسان، وبه يستحقّ الثواب، نحو قوله تعالى : (فَاسْجُدُوا للهِ وَاعْبُدُوا)[13]، أي تذللوا له، وهو المراد بالتعريف الاصطلاحي المتقدم[14].

– سجود تسخير: وهو للإنسان والحيوان والنبات والجماد، وعلىٰ ذلك قوله تعالىٰ: ( وَللهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا )[15]، وقوله تعالىٰ: ( وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ)[16]، ولم يُرد الباري عزَّ وجل أنّ المذكور في هذه الآية الشريفة يسجد سجود البشر في صلاته، وإنّما أراد تعالىٰ أنّ تلك الأشياء غير ممتنعة من فعله تعالىٰ، فهي كالمطيع له سبحانه، وهذا ما عبّر عنه بالساجد.

وقد ورد في القرآن الكريم ما يؤيّد كلا النوعين من السجود « التسخير والاختيار » بآيات كثيرة ، كقوله تعالىٰ: (وَللهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِن دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ )[17].

4 – أنواع السجود

السجود أربعة أنواع وهي كالتالي:

سجود الصلاة.

سجود السهو.

سجود التلاوة.

سجود الشكر.

5 – هيئة السجود وحالته وذكره :

للسجود هيئة وحالة وذكر، تنطوي علىٰ جملة أسرارٍ تتجلّىٰ للإنسان المؤمن والمؤمنة على حد سواء، من خلال سجودهما بمقدار درجة الإقبال، وحضور القلب، ووعي تامّ لما يقومان به من حركة السجود، وما يتلفّظانه من كلمات.

– هيأة السجود: إراءة حالة التواضع وترك الاستكبار والعجب من خلال وضع الجبهة علىٰ الأرض وإرغام الأنف، إظهاراً لكمال التخضّع والتذكّر والتواضع.

– حالة السجود: هي وضع أعضاء السجود السبعة علىٰ الأرض، وبما أنّ تلك الأعضاء تعدّ مظهراً لعقل الإنسان وقدرته وحركته، فيكون إرغامها علىٰ التذلّل والخضوع والمسكنة عبر السجود لله عزَّ وجلّ، مظهراً من مظاهر التسليم التامّ له سبحانه، وهذا يعني شعور الأمَة والعبد بالندم والتوبة وطلب المغفرة والابتعاد عن الخطيئة بشتىٰ أشكالها، ومع حصول تلك المعاني في نفس الساجدة، فلاشكّ أنّها ستشعر بحالة من الأنس، ورهبة حقيقيّة تمنعها من العدول إلىٰ ارتكاب المعصية من جديد.

– ذكر السجود: هو « سبحان ربّي الأعلىٰ وبحمده » فإنّه متقوّم بالتسبيح، وهو التنزيه عن التوصيف، وذكره تعالىٰ بأنّه العلي الأعلىٰ، والعلي من الأسماء الذاتيّة لله تعالىٰ.

6 – العبادة في السجود :

لا شكّ أنّ السجود في ذاته عبادة، إذ إنّه يمثل غاية الخضوع، بل هو أبلغ صور التذلّل لله سبحانه وتعالىٰ؛ لأنّه يربط بين الصورة الحسّية والدلالة المعنويّة للعبادة في ذلّة الأمَة والعبد، وعظمة الربّ، وافتقار الأمة لخالقها. ولا يكون الإنسان عبداً وأمَة لله تعالىٰ إلّا بهذا التذلّل وبهذه العبوديّة. ومن هنا يظهر سرّ اختصاص السجود بالقرب من الله تعالىٰ [18]، قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: « أقرب ما يكون العبد إلىٰ الله وهو ساجد»[19].

ب – تعريف الشكر لغة واصطلاحا

1 – الشُّكر في اللغة:

عِرفان النعمة وإظهارُها والثناء بها، والشُكْرانُ: خلاف الكفران.[20]

2 – الشكر في الاصطلاح:

صرف الأمَة والعبد لما أنعم الله سبحانه وتعالى به عليهما من النعم في طاعة الله.[21].

ج – تعريف سجدة الشكر:

هي سجدة كسجود الصلاة يؤديها الشخص عند حصول نعمة له، أو ذهاب نقمة عنه.[22].

د – مشروعية سجدة الشكر

يُشرَعُ سجودُ الشُّكرِ عند حدوثِ نعمةٍ، أو رفع بلاء، أو أيّ شيءٍ يَسُرُّ الشخص، ومن الأدلة على ذلك:

1 –  عن أبي بكرةَ – رضي الله عنه -: (أنَّ النَّبيَّ – صلَّى الله عليه وسلَّم – كان إذا أتاه أمرٌ يسرُّهُ، أو بُشِّرَ به: خرَّ ساجدًا؛ شُكْرًا للهِ تعالى) [23].

2 – سجد النبي صلى الله عليه وسلم شكرا لله تعالى، كما ورد ذلك بقول عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: (خرج رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فاتَّبعتُه حتَّى دخل نخلًا، فسجد فأطال السُّجودَ حتَّى خِفتُ أو خَشيتُ أن يكونَ اللهُ قد توفَّاه أو قبضه، قال: فجِئتُ أنظرُ، فرفعَ رأسَه فقال: ما لك يا عبدَ الرَّحمنِ؟ قال: فذكرتُ ذلك له، قال: فقال: إنَّ جبريلَ عليه السَّلامُ قال لي: ألا أبشِّرُك، إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يقولُ: من صلَّى عليك، صلَّيْتُ عليه، ومن سلَّم عليك، سلَّمْتُ عليه، زاد في روايةٍ فسجدتُ للهِ شكرًا)[24].

3 – روى البيهقي – وأصله في البخاري- عن البراء بن عازب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عليًا إلى اليمن فذكر الحديث قال: (فكتب علي بإسلامهم، فلما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب خرَّ ساجداً شكرًا لله تعالى على ذلك). وقال الترمذي إسناده صحيح.

4 – سجد أبو بكر رضي الله عنه حينما جاءه خبر قتل مسيلمة الكذاب.

5 – روى عبد الرزاق في مصنفه أن عمر رضي الله عنه أتاه فتح من قبل اليمامة فسجد.

6 – سجد علي رضي الله عنه حين جاءه خبر مقتل ذي الثدية، وهو رجل من الخوارج، أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم ووصفه.

7 – ثبتَ في الصَّحيحين (أنَّ كعبَ بنَ مالكٍ – رضي الله عنه – سجدَ لَمَّا جاءَتْهُ البُشرى بتوبةِ اللهِ عليه) [25].

8 – رُوي سجود الشكر عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم.

لذلك لا صحّة للقول: فهو ثابتٌ بظهوره وانتشاره، ففعله تارةً وتركه تارة ليس دليلًا على بطلانه، بل دليل استحبابه [26].

ه – كيفية أداء سجدة الشكر

اختلف الفقهاء الذين أقروا بمشروعية سجدة الشكر في شروطها إلى قولين:

القول الأول: ذهب المالكية في قول عندهم، وابن جرير الطبري، وابن حزم، وابن تيمية، وابن القيم، والإمام الشوكاني، إلى أنه ليس لسجود الشكر شروط، مثل الطهارة وغيرها، واستدل أصحاب هذا القول بما يلي:

1- الرَّاجحُ أن سجدَة الشُّكرِ لا يُشترَط فيها شيءٌ من شروطِ الصَّلاة، من طهارةٍ، واستقبالِ القِبْلة، وسَتْر العورةِ، ومنه الحجاب للمرأة، وهذا قول كثير من السلف، وقد اختاره بعض المالكية، وكثير من المحققين؛ كابن جرير الطبري، وابن حزم، وابن تيمية، وابن القيم، والشوكاني، والصنعاني وغيرهم، واستدلّوا بأدلة منها:

عدم وجود دليلٌ يُحتجّ به في الكتاب أو السنَّة أو الإجماع، أو القياس الصحيح في اشتراط الطهارة لسجود الشكر؛ وفي الشريعة لا يجوز أن يُفرض حكم لا دليل عليه.

جاءت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في صفة سجوده للشكر بأنّه كان يخرُّ ساجداً متى ما حدث السبب الموجب له، ودون الإشارة إلى التفاته عليه الصلاة والسلام إلى الطهارة، فيسجد سواءٌ أكان محدثاً، أم متطهراً، وقد كان هذا ظاهر فعل أصحابه رضي الله عنهم.

بُعث النبي صلى الله عليه وسلم معلماً ومرشداً، وكانت سنته موضحة لكثير مما جاء من تشريعات، لذلك يستبعد أن تكون الطهارة شرطاً واجباً لصحّة سجدة الشكر دون أن يشير النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك وينبّه أصحابه ويأمرهم به، ودون أن يُروى ذلك عنه. وقد جاء مقررا عند علماء الأصول، أنه لا ينبغي تأخير البيان عن وقت الحاجة.

 يحصل سبب سجود الشكر فجأة، وفي تأخير السجود بعد حصول سببه حتّى يتوضأ أو يغتسل من كان على غير طهارة، زوالٌ للبّ المعنى الذي شُرع من أجله سجود الشكر.

عدم اعتبار سجود الشكر صلاةً؛ فلم يرد في الشرع بتسميته صلاةً، فهو لا يحمل أيّ صفاتها من تكبير أو سلام أو ركوع أو اصطفافٍ، في حين نجد هذه الشروط في صلاة الجنازة وسجدتي السهو بعد السلام، وسائر الصلوات، لذلك كان ما يُشترط للصلاة ليس ما يشترط لسجدة الشكر.

يوجد هناك الكثير من الأذكار التي تفعل في الصلاة وتشرع خارجها كقراءة القرآن من الحفظ دون مصحف، والتسبيح والتكبير والتهليل والحمد، وهي أمورٌ لا تشترط لها الطهارة إذا كانت خارج الصلاة، لذلك تمّ قياس السجود المجرد إن كان خارج الصلاة في أحكامه على أحكام هذه العبادات.

2- المشروعُ هو سجدةُ الشكر؛ كما ثبَتَ في الأحاديثِ، وليس هناك صلاةٌ تسمَّى صلاةَ الشُّكرِ، كما يظنُّهُ البعض.

3- ليس مِن السُنَّة السجود للشكر بعد كل صلاة.

4- لا يُشرَعُ في سجودِ الشكر تكبيرٌ، كما لا يُشرَعُ التَّسليم بعدها، وكذلك لا يُشتَرَط أن يقوم ليأتي بها مِن قيام.

5- يَجوز أن تقول المؤمنة في سجدة الشُكر: (سبحان ربي الأعلى)، كما يجوز أن تحمد اللهَ تعالى فيها بأي صيغة.

القول الثاني: ذهب فقهاء الشافعية، وأكثر فقهاء الحنابلة، وبعض الحنفية، وبعض المالكية، إلى أنّه يُشترط في سجود الشكر ما يُشترط لصلاة النافلة من شروط؛ من طهارة وغيرها، واستدل أصحاب هذا القول بأنّ السجود المجرّد صلاة، ويُقصد به التقرب إلى الله سبحانه وتعالى، فيُشترط له الطهارة، وذلك لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: (مِفتاحُ الصَّلاةِ الطُّهور، وتحريمُها التَّكبيرُ، وتحليلُها التَّسليمُ …)،[27] واستدلوا أيضاً بأنّ سجود الشكر يُقصد به القربة، فيُشترط به ما يُشترط في سجود التلاوة.

و – مذاهب الفقهاء في مشروعية سجدة الشكر

للفقهاء في حكم سجدة الشكر آراء ثلاثة مختلفة:

منهم من استحبها، ومنهم من كرهها؛ إما كراهة تحريم أو كراهة تنزيه، وبيان أقوالهم وآرائهم في ذلك على النحو الآتي:[28]

1 – الحنفية: مكروهة كراهة تنزيهية: ذهب فقهاء الحنفية إلى أنّ سجدة الشكر مكروهة كراهة تنزيهية، أما المفتى به عندهم هو أنّ سجدة الشكر مستحبة، وتُجزئ صاحبها إذا نواها ضمن ركوع الصلاة أو سجودها، ويُكره الإتيان بها بعد الصلاة لكي لا يتوهم الناس أنها واجبة.

2 – المالكية: مكروهة كراهة تحريمية: ذهب فقهاء المالكية إلى أنّ سجدة الشكر مكروهة كراهة تحريمية في المشهور، لأن الإنسان لا يخلو من نعمة، وأنّ من السُنّة عند حدوث نعمة، أو ذهاب نقمة، أن يُصلّي المسلم ركعتين شكراً لله سبحانه وتعالى. وانظر تفصيل أقوالهم في المدونة الكبرى[29]، و في البيان والتحصيل [30] وذكر القاضي أبو الحسن بن القصار أنه قال: لا بأس به، أي بسجود الشكر . وبه أخذ ابن حبيب [31] ، و جاء في التاج و الإكليل أن ابْن عَرَفَةَ قال: فِي جَوَازِ السُّجُودِ لِلشُّكْرِ وَكَرَاهَتِهِ وَمَنْعِهِ ثَلَاثُ رِوَايَات [32].

3 – الشافعية والحنابلة: ذهب فقهاء الشافعية والحنابلة إلى أنّ سجدة الشكر مستحبة، وهي من السُنّة؛ عند وجود سببها، وذلك لما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحاديث تدلّ على مشروعيتها.

ز – سجدة الشكر داخل الصلاة:

نصّ فقهاء الشافعية والحنابلة، إلى أنّ سجدة الشكر داخل الصلاة غير جائز، وتكون الصلاة باطلة إن احتوت عليها؛ لأنّ سبب سجدة الشكر خارجٌ عن الصلاة، أما إذا كان المُصلّي ناسياً، أو جاهلاً فلا تبطل صلاته، وقد ذهب فقهاء الحنابلة في قولٍ آخر عندهم إلى أنّه لا بأس بسجدة الشكر داخل الصلاة.[33].

ح – أسباب سجدة الشكر

يُسنُّ سجدة الشكر عند من قال بها من الفقهاء في حالتين:

الحالة الأولى: إذا طرأت للإنسان نعمة ظاهرة؛ كأن يُرزق بالولد بعد عدد من السنين، وغيرها….

الحالة الثانية: اندفاع نقمة عن الإنسان؛ كالشفاء من المرض، أو نجاته أو نجاة ماله، أو نجاة أهله من الغرق أو الحرق، إلى غير ذلك من الأمور…، وقد ذكر فقهاء الشافعية والحنابلة أنّ سجدة الشكر تكون إذا كانت النعمة الحاصلة أو النقمة الزائلة خاصة بالشخص، أو ولده، أو عامة المسلمين، وذهب فقهاء الحنابلة في قول عندهم إلى أنّه يُسجد للشكر لنعمة عامة، ولا يُسجد للشكر لنعمة خاصة.[33].

الخاتمة

هذه هي سجدة الشكر، وهذا تعريفها و كيفية أدائها، تقوم بها الأخت والأخ على حد سواء إذا بشر أحدهما بما يسر مما لا يخالف الشرع، كمن رزقها الله ولدًا بعد عقم، أو بشرت بأن أمها شفيت من مرضها الذي لا يرجى شفاؤه أو أباها، أو بشرت بأن المسلمين فتح الله لهم ونصروا على عدوهم…، في مثل هذه الحالات وفيما يشبهها من الحالات المشروعة، يشرع السجود شكرًا لله تعالى، وتقول في السجود مثلما تقول في سجود الصلاة: سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي الأعلى، وتقول: اللهم اغفر لي، اللهم ارزقني الشكر على نعمتك، الحمد لله على هذه النعمة. ولا يشترط لها طهارة ولا استقبال قبلة ولا تكبير  ولا تشهد ولا سلام.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

[1] [أخرجه مسلم، 8/227 ، (ح 2999 )]. [2][فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (2006)، الطبعة الأولى، الرياض، المملكة العربية السعودية: الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء، جزء 6، صفحة 170، بتصرّف]. [3] [ معجم اللغة العربية المعاصر، أحمد مختار عبد الحميد عمر (2008)، الطبعة الأولى، بيروت، عالم الكتب، جزء 2، صفحة 1034. بتصرّف]. [4] [المعجم الوسيط 1 /416 « سجد » ، مكتب نشر الثقافة الإسلاميّة 1412 ه،‍ الطبعة الرابعة.]. [5][سورة الحج ، الآية 18.] [6] [المصباح المنير 1 / 266 « سجد ».]. [7][المعجم الوسيط 1 / 416 « سجد ».]. [8][أساس البلاغة، ص 285 « سجد ».]. [9][المعجم الوسيط 1 / 416 « سجد ».]. [10] [المغني، لابن قدامة الحنبلي 1/591، والاُم، للشافعي 1/ 114.] [11] [مهذب الأحكام في بيان الحلال والحرام، السيّد السبزواري، 6/614 ، مؤسّسة المنار 1412 ه،‍ الطبعة الرابعة]. [12][غرر الحكم ودرر الكلم، عبدالواحد الآمدي 1/122 / 2234 و 2235 ، مؤسّسة الأعلمي، بيروت 1407 ه‍ ، 1987م، الطبعة الأولى]. [13][سورة النجم، الآية 62.]. [14][معجم مفردات ألفاظ القرآن، الراغب الاصفهاني، ص 229 مادة « سجد ».]. [15][سورة الرعد، الآية 15.]. [16][سورة الرحمن : الآية 6]. [17] [سورة النحل ، الآية 49.]. [18][فقه السجود، علي بن عمر بادحدح، ص 20 و 21 بتصرف، دار الأندلس، جدة 1415 ه‍.]. [19] [صحيح مسلم بشرح النووي، 4 / 267 ، ح482 باب 42 ما يقال في الركوع والسجود، تحقيق محمّد فؤاد عبدالباقي ، دار الكتب العلميّة، بيروت 1415 ه‍ ، الطبعة الأولى، وسنن أبي داود 1/ 231 / ح875، باب الدعاء في الركوع والسجود، دار الفكر، بيروت، وفيض القدير شرح الجامع الصغير، المناوي 2 / 87 ،ح 1384 ، دار الكتب العلميّة، بيروت 1415 ه‍ ، 1994 م، الطبعة الأولى.]. [20][ الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري الفارابي (1987)، الطبعة الرابعة، بيروت: دار العلم للملايين، جزء 2، صفحة 702، بتصرّف.]. [21][ الموسوعة الفقهية الكويتية، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية – الكويت (1427هـ)، الطبعة الأولى، مصر: دار الصفوة، جزء 24، صفحة 245، بتصرّف.]. [22][ معجم لغة الفقهاء، محمد رواس قلعجي، حامد صادق قنيبي (1988)، الطبعة الثانية، الأردن: دار النفائس للنشر والتوزيع، صفحة 265. بتصرّف.]. [23][ حديث حسن لغيره، رواه أبو داود (2774)، والترمذي (1578)، وابن ماجه (1394)، وانظر “إرواء الغليل” للألباني (474)]. [24][ حديث صحيح أو حسن أو ما قاربهما، رواه المنذري، في الترغيب والترهيب، عن عبد الرحمن بن عوف، الصفحة أو الرقم: 2/399، إسناده صحيح أو حسن أو ما قاربهما]. [25][حديث صحيح، رواه البخاري (4418)، ومسلم (2769)، وأبو داود (2773)، والترمذي (3102)]. [26][المغني، محمد بن عبد الله بن قدامة ، الطبعة الثالثة،(1997) الرياض، المملكة العربية السعودية: دار عالم الكتب، جزء 2. صفحة 371 – 372، بتصرّف]. [27][ حديث صحيح، رواه الألباني، في صحيح الترمذي، عن أبي سعيد الخدري، الصفحة أو الرقم: 238.]. [28][ الموسوعة الفقهية الكويتية، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية – الكويت (1427هـ)، الطبعة الأولى، مصر: دار الصفوة، جزء 24، صفحة 247،. بتصرّف.][ الفقه على المذاهب الأربعة، عبد الرحمن بن محمد الجزيري (2003)، الطبعة الثانية، بيروت: دار الكتب العلمية، جزء 1، صفحة 426، بتصرّف.]. [29][المدونة الكبرى رواية سحنون، مالك بن أنس بن مالك بن عامر الأصبحي المدني (المتوفى: 179هـ)، دار الكتب العلمية الطبعة الأولى، 1415هـ – 1994م، ج1 ص 197]. [30][البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة، أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520ه)، حققه: د محمد حجي وآخرون، دار الغرب الإسلامي، بيروت – لبنان، الطبعة الثانية، 1408 هـ – 1988 م، ج 1 ص 393 ، 394.]. [31][شرح التلقين ، أبو عبد الله محمد بن علي بن عمر التَّمِيمي المازري المالكي (المتوفى: 536هـ)، تحقيق محمَّد المختار السّلامي، دار الغرب الإِسلامي، الطبعة الأولى، 2008 م، ج 2 ص 806 ]. [32][التاج والإكليل لمختصر خليل، محمد بن يوسف بن أبي القاسم بن يوسف العبدري الغرناطي، أبو عبد الله المواق المالكي (المتوفى: 897هـ)، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 1416هـ-1994م، ج2 ص 79]. [33][ الموسوعة الفقهية الكويتية، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية – الكويت (1427هـ)، الطبعة الأولى، مصر: دار الصفوة، جزء 24، صفحة 245، بتصرّف.].
اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.