لذة العبادة

     أنعم الله على الإنسان بنعم كثيرة لا تعد ولا تحصى، وخص المسلم بنعمة من أفضل النعم، بل هي أفضلها، إنها لذة العبادة. قال تعالى:”من عمل صالحا من ذكر وأنثى وهو مومن لنحيينه حياة طيبة، ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون.”1 

ويقول:” إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم.” 2

 يقول ابن القيم رحمه الله معلقا عليها:” ولا تظنن أن قوله تعالى:”إن الأبرار لفي نعيم ” مختص بيوم المعاد فقط، بل هؤلاء في نعيم في دورهم الثلاثة، وهؤلاء في جحيم في دورهم الثلاثة، وأي لذة ونعيم في الدنيا أطيب من بر القلب وسلامة الصدر، ومعرفة الرب ومحبته، والعمل على موافقته، وهل عيش في الحقيقة إلا عيش القلب السليم (…) فهذا القلب السليم في جنة معجلة في الدنيا وفي جنة في البرزخ وفي جنة يوم المعاد.” 3

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:”ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود إلى الكفر كما يكره أن يقذف في النار.”4

ويقول:” ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا ورسولا.” 5

يقول ابن القيم رحمه الله:” والإقبال على الله تعالى والإنابة إليه والرضى به وعنه، وامتلاء القلب من محبته واللهج بذكره، والفرح والسرور بمعرفته ثواب عاجل وجنة وعيش لا نسبة لعيش الملوك به البتة.”

وقال ابن تيمية رحمه الله:” إن في الدنيا جنة، من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة.”

وقال أيضا:” إذا لم تجد للعمل حلاوة في قلبك وانشراحا في صدرك فاتهمه، فإن الرب تعالى شكور، يعني أنه لا بد أن يثيب العامل على عمله في الدنيا من حلاوة يجدها في قلبه، وقوة انشراح صدر وقرة عين، فحيث لم يجد ذلك فعمله مدخول.”

وكان بعض العارفين يقول:” لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه، لجالدونا عليه بالسيوف.”

وقال آخر:” مساكين أهل الدنيا، خرجوا منها وما ذاقوا أطيب ما فيها، قيل وما أطيب فيها ؟ قال: محبة الله تعالى ومعرفته وذكره.”

وقال آخر:” إنه تمر بي أوقات أقول إن كان أهل الجنة في مثل هذا، إنهم لفي عيش طيب.” 6

يقول ابن القيم معلقا على هذه الأقوال:” فمحبة الله تعالى ومعرفته ودوام ذكره والسكون إليه والطمأنينة إليه وإفراده بالحب والخوف والرجاء والتوكل والمعاملة، بحيث يكون هو وحده المستولي على هموم العبد وعزماته وإرادته هو جنة الدنيا  والنعيم الذي لا يشبهه نعيم، وهو قرة عين المحبين وحياة العارفين.” 7

أما من أعرض عن الله تعالى وغفل عنه، فإن الله تعالى يحرمه هذه اللذة وهذا النعيم المعجل، ويبدله إياها قلقا وحزنا وكآبة وضيقا. قال تعالى:” ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا.”

لحصول لذة العبادة أسباب كثيرة، نذكر منها: 

  * مجاهدة النفس

وحملها على الطاعة حتى تعتاد وتستقيم، لأن النفس تنفر في البداية، لكن مع الصبر والمجاهدة والعزيمة تطوع وتستمتع  بالعبادة. يقول أبو يزيد البسطامي رحمه الله: ” ما زلت أسوق نفسي إلى الله وهي تبكي حتى سقتها وهي تضحك.” ويقول ثابت البناني:” كابدت قيام الليل عشرين سنة، وتلذذت به عشرين سنة.”

يقول ابن القيم رحمه الله معلقا: ” إن السالك في أول الأمر يجد تعب التكاليف ومشقة العمل لعدم أنس قلبه بمعبوده، فإذا حصل للقلب روح الأنس، زالت عنه تلك التكاليف والمشاق، فصارت قرة عين له وقوة ولذة.” 8

  * الصلاة:

لذة الصلاة شعر بها واستمتع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي شهد شهادة الحق بقوله:” حبب إلي من دنياكم النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة.” رواه أحمد والنسائي

  * قراءة القرآن وتدبره:  

يقول ابن رجب رحمه الله:” لا شيء عند المحبين أحلى من كلام محبوبهم، فهو لذة قلوبهم وغاية مطلوبهم.” 9

ويقول ابن القيم:” لمحبي القرآن من الوجد والذوق واللذة والحلاوة والسرور أضعاف ما لمحبي السماع الشيطاني.” 10

 *  الذكر: 

يقول ابن القيم:” إن للذكر من بين الأعمال لذة لا يشبهها شيء، فلو لم يكن للعبد من ثوابه إلا اللذة الحاصلة للذاكر، والنعيم الذي يحصل لقلبه لكفي به، ولهذا سميت مجالس الذكر رياض الجنة، قال ابن دينار: ما تلذذ المتلذذون بمثل ذكر الله عز وجل، فليس شيء من الأعمال أخف مؤونة منه ولا أعظم لذة ولا أكثر فرحة وابتهاجا للقلب. ” 11

 *  الخلوة مع الله: 

حين يخلو المسلم مع ربه، يذكره، يناجيه، يدعوه، يسأله، ويبكي خوفا من عذابه وطمعا في رحمته، وحبا في لقائه، وشوقا إليه، يحس بلذة ما لها مثيل، فللخلوة أثرها على النفس وتجليها على القلب، يعيشها العارفون بالله المختلون به، المستأنسون به، قيل لمالك بن مغفل: أتستوحش ؟ فقال: أيستوحش مع الله أحد. وكان حبيب أبو محمد يخلو في بيته ويقول:” من لم تقر عينه بك، فلا قرت عينه، ومن لم يأنس بك فلا أنس.” وقال ذو النون المصري رحمه الله:” من علامات المحبين لله ألا يأنسوا بسواه ولا يستوحشوا معه.” 12

   قيام الليل:

 لقيام الليل لذة لا تعدلها لذة، عاشها صالحوا الأمة وحدثونا عنها، يرغبوننا في ذوقها والتلذذ بها:

يقول أحدهم: إني لأفرح بالليل حين يقبل لما يلتذ به عيشي، وتقر به عيني من مناجاة من أحب، وأغتم للفجر إذا طلع، لما أشتغل به بالنهار عن ذلك.” 

  * الصيام:

من الأعمال التي يجد الصائم فيها لذة لا تضاهيها لذة، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:”  للصائم فرحتان، فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه ” 

وحين حضرت معاذا الوفاة، بكى، فقيل له ما يبكيك ؟ فقال:” والله ما أبكي لغرس الأشجار وجري الأنهار، ولكن أبكي لظمإ الهواجر ومكابدة الساعات بالليل ومزاحمة العلماء بالركب. “

إذا كانت اللذة تحصل بالإقبال على الطاعات، فإنها تحرم بالأعمال السيئة،

 يقول يحيى بن معاذ:” سقم الجسد بالأوجاع، وسقم القلوب بالمعاصي فكما لا يجد الجسد لذة الطعام عند سقمه، فكذلك القلب لا يجد حلاوة العبادة مع الذنوب. “

وقال ابن الجوزي رحمه الله:” فرب شخص أطلق بصره، فحرم اعتبار بصيرته، أو لسانه فحرمه الله صفاء قلبه، أو آثر شبهة في مطعمه فأظلم سره،وحرم قيام الليل وحلاوة المناجاة، إلى غير ذلك.”13

كما تحرم بالغفلة عن االله والإسراف في الشهوات ورفقة الفاسدين. يقول أحمد بن حرب رحمه الله:” عبدت الله خمسين سنة، فما وجدت حلاوة العبادة حتى تركت ثلاثة أشياء: تركت رضى الناس حتى قدرت أن أتكلم بالحق، وتركت صحبة الفاسقين حتى وجدت صحبة الصالحين، وتركت حلاوة الدنيا حتى وجدت حلاوة الآخرة. ” 14

أكرمنا الله تعالى بالحياة الطيبة في الدنيا والآخرة.

 

الهوامش 

1-سورة النحل الآية 97

2- سورة الانفطار الآية 14

3- الداء والدواء 165

4 – رواه مسلم

5 – رواه مسلم 

6 – الوابل الصيب ص69

7 – الوابل الصيب ص 124

8 – مدارج السالكين ج 2 ص 373

9 – جامع العلوم والحكم ص 366

10 – الجواب الكافي ص 170

11 – الوابل الصيب ص 85

12 – جامع العلوم والحكم ص 381

13 – صيد الخاطر ص 14

14 – سير أعلاو النبلاء ج 11 ص 34

 

اظهر المزيد

محمد فاضيلي

قاص وأديب مغربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: