منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

لا تيأس من روح الله

0
اشترك في النشرة البريدية

بما أن قلوب الناس بين أصبعي الرحمن يصرفها كيف يشاء، وأن الله وحده هو الهادي إلى الصراط المستقيم، توجهت إلى الله عز وجل أسأله أن يسهل لي طريقا للجلوس مع الشباب المشردين، هذه الشريحة المنبوذة من المجتمع من المدمنين على المخدرات، والذين لُقّبوا في المجتمع المغربي ب”الشمكارة” جمع “شمكار“،  هذه الشريحة التي يُنظر إليها نظرة ازدراء واحتقار، وكأنهم راضون عن الوضعية التي يعيشونها، ونظرا لكون المؤمن الحق هو الذي يحبب الناس إلى الله بالليل، وذلك بالتوجه إليه في ساعة الاستجابة وهي الثلث الأخير من الليل ، حيث ينزل ربنا سبحانه وتعالى إلى السماء الدنيا، كما يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه –  كل ليلة فينادي: هل من سائل أو مستغفر أو تائب؟ ليستجيب دعواتهم ويغفر زلاتهم ويتوب عليهم،[1] ويحبب الخالق إلى الخلق بالنهار، فيبين لهم فضل الله علينا ورحمته بنا، وأن هذه التكاليف التي كلفنا بها سبحانه وتعالى لم يرد بنا من خلالها إلا سعادة الدارين، قال تعالى في محكم التنزيل: ﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾،[2] وقال سبحانه: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، [3]وهكذا حاولت أن أنهج هذا النهج النبوي.

وفي عشية يوم جمعة، والذي لم يكن عندي فيه تدريس، كان اللقاء المنتظر، والذي أعددت له من قبل روحيا بالتضرع لله والدعاء بالتوفيق، وماديا وذلك بالأخذ بالأسباب الدعوية والتي تليق بذلك المقام، إذ استدعيت بعض الإخوة الذين لهم خبرة في فن المسرح للتفكير في مسرحية هادفة تستفيد منها هذه الشريحة وتتعظ بها، وأعددت ما لذ وطاب من الحلويات، ولوجيستيكيا بإعداد مكبر الصوت وتهييء المكان، ولقنت الشاب المبعوث – الذي كانت له معهم علاقة صداقة لما كان مثلهم فتاب الله عليه وعفا عنه – بأن يركز لهم أن الدعوة المقصود بها الإكرام لا غير، ولم يُخيّب الله رجائي، إذ حضر من هذه الشريحة عدد لا يستهان بهم، يزيذ على خمسة عشر شابا، وقام المنشط وسط الحضور ورحب بهم ترحيبا لم يألفوه من أحد من قبل، حتى شكّوا في أنفسهم أهم المقصودون بهذه الحفاوة أم خطأوا في العنوان، كما قرأ المنشط على الحضور برنامج تلك المسائية حتى لا يبقوا في توجس مما سيحدث، فطعموا وشربوا وتتبعوا المسرحية التي أعدها الإخوان – جزاهم الله خيرا، أحسن إعداد – ، وكان محورها الصحبة الصالحة ودورها في توبة شاب منحرف، وبقي المجلس مستمرا حتى أذان المغرب، فختمنا  اللقاء دون أن ألقي درسا ولا موعظة، لكون المقام لا يقتضي ذلك، بل اقتصرت على الابتسامة في وجوههم والترحيب بهم، وتركت لهم الحرية بين من له الاستعداد للتوضؤ وصلاة المغرب، بعد أن وضحت لهم كيفية الوضوء، وحتى الذي يحتاج إلى الطهارة الكبرى وضحت له كيفية التيمم، وكيفية الاغتسال عندما يتيسر الأمر من بعد، فاستجاب البعض منهم والبعض الآخر – وكانوا قلة – اعتذروا وانسحبوا بهدوء وإعجاب، وصلينا المغرب جماعة وكانت عشية مباركة، فرحت بها، وفرح بها الإخوة الذين جاؤوا للخدمة وعرض المسرحية، وفرح بها أكثر منا، هؤلاء الشباب الضائع والمنبوذ والمهمش، بل فرح بها قبل كل هذا وأثناءه وبعده ربنا جل وعلا الرحمن الرحيم، الذي يفرح لتوبة عبده، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ أَحَدِكُمْ، مِنْ أَحَدِكُمْ بِضَالَّتِهِ، إِذَا وَجَدَهَا).[4]

وبقيت بعد هذه الجلسة متابعة هؤلاء الشباب الضحايا واحتضانهم، وهذه هي المرحلة الأساسية والصعبة، إذ تسهل الاستجابة لداعي التوبة، وخصوصا إذا كانت مثل تلك الأجواء التي عاشوها يوم الجمعة، ولكن أين البيئة المشجعة والصاحب ساحب؟ لهذا قال أحمد الرفاعي رحمه الله: (أي سادة، جالسوا العلماء والعرفاء، فإن للمجالسة أسرارا، تُقلّب الجُلاّس من حال إلى حال …، فالصحبة مع العاقل زيادة في الدين والدنيا والآخرة ، والصحبة مع الأحمق نقصان في الدين والدنيا، وحسرة وندامة عند الموت، وخسارة في الآخرة).[5]

وهنا نفهم الحكمة في فتوى العالم للذي قتل مائة نفس بأن يتجه إلى أصحاب البيئة السليمة ليعيش معهم دينه، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الخدري رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم- قَالَ 🙁 كَانَ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ فَأَتَاهُ فَقَالَ إِنَّهُ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ قَالَ لاَ فَقَتَلَهُ فَكَمَّلَ بِهِ مِائَةً ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ فَأَتَاهُ فَقَالَ قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ فَقَالَ نَعَمْ وَمَنْ يَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا فَإِنَّ بِهَا نَاسًا يَعْبُدُونَ اللَّهَ فَاعْبُدْ مَعَهُمْ وَلاَ تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ فَإِنَّهَا أَرْضُ سَوْءٍ، فَانْطَلَقَ حَتَّى إِذَا أَتَى نِصْفَ الطَّرِيقِ أَتَاهُ الْمَوْتُ فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلاَئِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلاَئِكَةُ الْعَذَابِ، فَقَالَتْ مَلاَئِكَةُ الرَّحْمَةِ: جَاءَ تَائِبًا مُقْبِلاً بِقَلْبِهِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَقَالَتْ مَلاَئِكَةُ الْعَذَابِ: إِنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ، فَأَتَاهُمْ مَلَكٌ فِى صُورَةِ آدَمِىٍّ فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ: قِيسُوا مَا بَيْنَ الأَرْضَيْنِ فَإِلَى أَيِّهِمَا كَانَ أَدْنَى فَهُوَ لَهُ، فَقَاسُوا فَوَجَدُوهُ أَدْنَى إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أَرَادَ، فَقَبَضَتْهُ مَلاَئِكَةُ الرَّحْمَةِ) [6]، فهل هيأت الحركات الإسلامية محاضن لاستقبال التائبين مثل هذا المشرد، وأعدت لهم برنامجا تربويا ودعويا وعلميا… ليعيشوا إسلامهم، وتستمر توبتهم، أم أنهم أهملوا مثل هذه الشريحة المنبوذة والتي لا تزداد إلا تكاثرا في مجتمعنا المادي الغافل؟ وهل أدرك العلماء دور هذه المحاضن – إن وجدت – ودلوا عليها كل تائب، أم أنهم لا يعترفون بالعمل الإسلامي المنظم الذي هو من صميم الدين؟.

الهوامش

[1][عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ :« يَنْزِلُ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ فَيَقُولُ : مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ وَمَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ وَمَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ »، أخرجه مالك (1/214 ، رقم 498) ، وأحمد (2/487 ، رقم 10318) ، والبخاري (1/384 ، رقم 1094) ، ومسلم (1/521 ، رقم 758) وأبو داود (2/34 ، رقم 1315) ، والترمذي (5/526 ، رقم 3498) وقال: حسن صحيح . وابن ماجه (1/435 ، رقم 1366) . وأخرجه أيضًا : عبد الله بن أحمد في السنة (2/480 ، رقم 1102)] . [2][سورة طه، الآيتان 123 و124]. [3][سورة النحل، الآية 97]. [4][صحيح مسلم، باب في الحض على التوبة والفرح بها (4/ 2102 ح 2675).]. [5][الرفاعي، أحمد بن علي بن ثابت الحسيني، البرهان المؤيد، تحقيق : عبد الغني نكه مي، دار الكتاب النفيس – بيروت، الطبعة الأولى، 1408]. [6][صحيح مسلم، باب قبول توبة القاتل وإن كثر قتله، (8/ 103ح 7184)].
المزيد من المشاركات
1 من 64
اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.