كيف نقرأ تاريخنا الإسلامي؟

مقدمة:

كتب الكثير من المسلمين وغير المسلمين عن التاريخ الإسلامي، وتنوعت المذاهب والمناهج في كتابة التاريخ، وتفسيره كل من زاويته ومقاربته.
وممن ساهم من المسلمين في إعادة كتابة التاريخ الإسلامي، اقتناعا منهم بأن التاريخ لم يسلم من الزيادة والنقصان، والتحريف والميل، نجد محب الدين الخطيب في تعليقه على كتاب بن العربي المالكي: “العواصم من القواسم”، وسيد قطب في كتابه: “التاريخ فكرة ومنهج”، وأخوه محمد قطب في كتابيه: “كيف نكتب التاريخ الإسلامي” و” حول التفسير الإسلامي للتاريخ”، والدكتور عماد الدين خليل في كتابه: “حول إعادة كتابة التاريخ الإسلامي”، والدكتور أنور الجندي في كتابه: “في سبيل إعادة تاريخ الإسلام”، والدكتور جمال عبد الهادي في كتابه: “أخطاء يجب أن تصحح في التاريخ” وغيرهم.
يقول محمد قطب متحدثا عن جملة من الأسئلة تطرح حول هذا الموضوع: ” أما التاريخ الإسلامي ــ أي تاريخ الأمة الإسلامية ـ فعل أي أساس نقول أنه يجب أن تعاد كتابته؟ ما الهدف من إعادة كتابته؟ وما العيب فيما هو مكتوب بالفعل؟ ما نواحي التقصير التي نريد أن نستكملها، أو نواحي الانحراف التي نريد أن نتحاشاها حيث نعيد كتابة التاريخ؟
الحقيقة أن هناك عدة ملاحظات في أكثر من اتجاه، تجعلنا نلح على ضرورة إعادة كتابة التاريخ الإسلامي” .
فإننا إذا نظرنا إلى المصادر الإسلامية القديمة التي كتبها كبار المؤرخين المسلمين نجد فيها ذخيرة ضخمة من الأخبار والوقائع التي تصلح زادا للباحث المتعمق، لكنها، ــ بصورتها الراهنة ــ لا تصلح للقارئ المتعجل الذي يريد أن يجد الخلاصة جاهزة ممحصة سهلة الاستيعاب سهلة الهضم .
لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه هو ما الغاية من إعادة قراءة متن تاريخنا الإسلامي؟ وكيف السبيل إلى ذلك؟
سنحاول أن نجيب عن هذين السؤالين من خلال المحورين الآتيين:
المحور الأول: الانكسار التاريخي الصدمة القاسية
إن المقصود بالانكسار التاريخي تلك الفتنة التي نشبت بمقتل عثمان رضي الله عنه، والتي على آثرها سيعرف التاريخ الإسلامي تحولات خطيرة، انعكست بشكل سلبي على حياة المسلمين وفكرهم وسلوكهم، ومن ثمة ظهرت نعرات وعصبيات، مما أدت إلى انقسام المسلمين وانفراط عقدهم، ومن هذا المنطلق لا يمكن الحديث عن تجديد مدركاتنا الجماعية، إلا بفهمنا السديد والعميق لهذه المرحلة التاريخية الخطيرة، التي انتقضت فيها عروة الحكم، وتحولت الخلافة فيها إلى ملك عاض وجبري بالمفهوم النبوي، عسكري استبدادي بالمفهوم العصري الحديث، وقد أخبرنا الذي لا ينطق عن الهوى المصطفى المعصوم صلى الله عليه وسلّم بهذه التحولات ووضح ملامحها وخصائصها حين قال: “تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِيكُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ، فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا عَاضًّا، فَيَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ الله أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا جَبْرِيّاً، فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ، ثُمَّ سَكَتَ” ويؤكد هذا التحول ويبين خطره حديث آخر قال فيه الرسول الله صلى الله عليه وسلم: “ليُنقـَضَنَّ عُرَا الإسلام عروةً عُروة، فكلما انتقضت عُروة، تشبَّثَ الناسُ بالتي تليها، وأولهُنَّ نقضاً الحُكم، وآخِرُهنَّ الصلاة” وفي حديث آخر يزدنا أكثر دقّة قال سعيد بن جهمان: حدثني سفينة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: “الْخِلافَةُ فِي أُمَّتِي ثَلاثُونَ سَنَةً، ثُمَّ مُلْكٌ بَعْدَ ذَلِك”. ثُمَّ قَالَ لِي سَفِينَةُ: أَمْسِكْ، فَأَمْسَكْتُ خِلافَةَ أَبِي بَكْرٍ، وَخِلافَةَ عُمَرَ، وَخِلافَةَ عُثْمَانَ، وَخِلافَةَ عَلِيٍّ، فَوَجَدْتُهَا ثَلاثِينَ سَنَةً .قال سعيد: فقلت له: إن بني أمية يزعمون أن الخلافة فيهم! قال: كذبوا، بنو الزرقاء! بل هم ملوك شر الملوك!” .
ومن خلال هذه الأحاديث المشرقة يتبين لنا أن مرحلتي النبوة والخلافة الراشدة، مرحلتان متقاربتان، إذ كان الخلفاء الراشدون يتخذون المنهاج النبوي نبراسا لهم فيها، وقد أوصانا النبي صلى الله عليه وسلم باتباع سنتهم والعض عليها بالنواجد. أما مرحلة الملك العاض، فهي مرحلة جاءت بعد الخلافة الراشدة، بدأت بحكم معاوية، وتجدر الإشارة إلى أنه لا يوجد في تعبير النبي صلى الله عليه وسلم لفظة “الخلافة” بل تجد لفظة “الملك” وهذا بيان واضح للفرق بين المرحلتين التاريخيتين.
ونخلص في هذا المحور إلى القول بأن الوقوف على فترة الانكسار التاريخي وفهمها ضرورة منهاجية، لإعادة الوضع إلى ما كان عليه سابقا من وحدة وتماسك، بين المسلمين على المستوى التربوي، والمستوى الفكري والمستوى السياسي.

المحور الثاني: من أعالي التاريخ

كتب الكثير وألح على ضرورة إعادة كتابة التاريخ الإسلامي، لكن السؤال الذي يطرح هو كيف نقرأ هذا التاريخ؟ وللجواب عن هذا السؤال نقول إن أساس استقامة الرؤية ــ وجعل نظرتنا نظرة إلى التاريخ نظرة منهاجية، هو أن ننظر إلى التاريخ من أعاليه وليس من أسافله. ونقصد بهذه الآلية التتلمذ على الوحي مباشرة، والتلقي عن الله ورسول الله صلى الله عليه وسلم لفهم التاريخ. أي إعادة قراءة الأحداث من خلال التوجيه القرآني والنبوي، من خلال هذين المرتفعين فقط يمكن لنا أن ننظر إلى الواقع من مكان عالي، نبصر بوضوح وشمولية في واقعنا مواقع الأقدام على أرض واقع مشلول مفتون.
وبهذه النظرة من الأعالي للتاريخ الإسلامي لابد من استحضار عاملين اثنين أساسين:
العامل الأول: هو عامل الغيب الذي يتمثل في قضاء الله وقدره وتصرفه المطلق في ملكه سبحانه.
والعامل الثاني: عامل التدخل البشري: الذي تمثل في استيقاظ عصبية، ونشوب صراعات بين طوائف ممن اندست في الإسلام ولم تتربى تربية كاملة.
ونخلص للقول في هذا المحور إلى أن استقامة النظرة إلى التاريخ بعين واحدة، لا تكفي، بل لابد من النظر إلى التاريخ من أعاليه مستحضرا عامل الغيب، وعامل التدخل البشري حتى تكون نظرتنا نظرة شمولية متكاملة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: