“كل قرض جر نفعا فهو ربا”

سلسلة قواعد فقهية في المعاملات المالية؛

5/ تحليل قاعدة: “كل قرض جر نفعا فهو ربا”.

      كما مر معنا في المقالات السابقة سنقف بالدرس والتحليل، مع قاعدة؛

“كل قرض جر نفعا فهو ربا”، وذلك حسب المنهج الآتي:

1- إثبات صيغة القاعدة:

2- حجية الكليـة:

3- مضمون القاعـدة:

4- رصـد الخلافات الفقهـية:

5- تطبيقات هذه القاعدة وفرعها:

6- مستثنيات القاعدة:

————————————

1- إثبات صيغة الكلية:

– وردت هذه الكلية في حديث نبوي شريف؛ عن عُمارة الهمداني، قال: سمعْتُ عليّاً يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “كلُّ قرضٍ جرَّ منفعةً فهو ربا[1].

– ووردَتْ من قول الصحابة رضي الله عنهم؛ فعن فَضالَةَ بنِ عُبيد رضي الله عنه صاحب النبيّ صلى الله عليه وسم أنّه قال: “كلُّ قرضٍ جرَّ منفعةً فهو وجهٌ من وجوه الرّبا”[2].

– ووردتْ هذه القاعدةُ من أقوال التابعين؛ فعن الحكَم، عن إبراهيم، قال: (حدّثنا ابنُ إدريس، عن هشام، عن الحسن ومحمد أنّهما كانا يكرهان كلَّ قرض جر منفعة)[3].

– عن الحكَم، عن إبراهيم، قال: “كلُّ قرضٍ جرّ منفعةً فهو ربا”[4].  

2- حجية الكليـة:

 يشهد لهذه الكلية أدلة كثيرة من الكتاب والسنة:

أ- من الكتاب؛ في القرآن الكريم ءايات تنهى عن أكل أموال الناس بالباطل: “ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل[5].

ب_ من السنة النبوية:

عن عُمارة الهمداني، قال: سمعْتُ عليّاً يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كلُّ قرضٍ جرَّ منفعةً فهو ربا)[6].

ج- من أقوال الصحابة رضي الله عنهم:

       روي عن فَضالَةَ بنِ عُبيد رضي الله عنه أنّه قال: (كلُّ قرضٍ جرَّ منفعةً فهو وجهٌ من وجوه الرّبا)[7].

كما نهى عن ذلك من التابعين: ابن سيرين، وقتادة، والنخعي”[8].

3- مضمون القاعـدة:

  أ- شرح المصطلحات:

– القرض: “من القطع، وهو واجب يدين به شخص لآخر”[9].  والقرض “أو الدين” عبارة عن واجب يدين به أحد طرفي المعاملة (المدين) إلى الطرف الآخر الذي يُسمى الدائن؛

– النفع أو المنفعة: (المَنْفعَةُ : كلُّ ما يُنتفَع به، مَنَافِعُ الدَّارِ : مَرَافِقُهَا”[10]. وجمعها: مَنَافِع

المنفعة العامة : ما كانت فوائدها مشتركةً بين الناس.

– الربــا في اللغة: الزيادة، ويقال: ربا المال يربو: زاد ونما، وربا الشجر: نما وزاد[11].

وفي الشرع: هو الزيادة في أحد النوعين من المال على النوع الآخر. والربا نوعان:

1- ربا الفضل مثل درهم بدرهمين.

2- ربا النسيئة: أي التأخير، مثل: درهم بدرهم إلى أجل.

ب- بيان مضمونها:

        يقتضي عموم لفظ هذه القاعدة عدمَ جواز أيِّ نفعٍ في القرض، سواء كان مشروطاً أو غير مشروط، للطرفين؛ المقرض والمقترض، أو لأحدهما، أو لطرف ثالث.

لكن الأمر يحتاج إلى تفصيل، ومزيد بيان:

* ما يتعلّق باشتراط المنفعة:

         أجمع العلماء على منع المنفعة المشروطة في القرض إذا كانت للمقرض، وممن ذكر ذلك ابن عبد البر في الكافي[12]. والباجي في المنتقى[13]. والقرطبي في تفسيره[14]. وابن المنذر في الإجماع[15]. وابن قدامة في المغني[16]. وابن حجر[17]. وغيرهم.

        وقال الإمام القرافي في الذخيرة: (وفي الجواهر: شرطُه أن لا يجُرَّ منفعةً للمُقرض، فإن شرطَ زيادةً قدراً أو صفةً فسد)[18].

* ما يتعلّق بأطراف المنفعة:

        اتفقوا على منع المنفعة المشروطة للمقرض، واختلفوا إذا كانت للمقترض؛ فذهب جمهور أهل العلم إلى جواز اشتراط منفعة زائدة في عقد القرض إذا كانت متمحّضةً للمقترض، قال الشيخ خليل رحمه الله: “إلا أن يقومَ دليلٌ على أنَّ القصدَ نفْعِ المقترِض فقطْ في الجميع”[19].

فإن لم تكن المنفعة متمحّضةً للمقترض؛ ففيها قولان:

الأوّل: المنع؛ وبه قال المالكيّةُ[20]، وبعض الشافعيّة. قال القليوبي في حاشيته: “ومثله كلّ ما جرَّ نفعاً للمقرض ولو مع المقترض، كإقراضه شيئاً بشرط أن يستأجر ملكه بأكثر من قيمته”[21].

الثاني: الجواز؛ قال به بعض المالكيّة[22]. وهي رواية في مذهب الإمام أحمد، وقال به جمعٌ من الحنابلة؛ كابنِ تيمية[23].  وابن القيّم[24]. وابن قدامة، حيث قال: (ولو أراد تنفيذ نفقة إلى عياله؛ فأقرضها رجلا ليوفيها لهم، فلا بأس؛ لأنه مصلحة لهما لا ضرر فيه، ولا يرِدُ الشرع بتحريم ذلك)[25].

4- رصد الخلافات الفقهـية:

       ارتبطت هذه القاعدة بالعرف والعمل، وبالنية والقصد، لذلك اختلف الفقهاء كثيرا في بعض الأعراف وفي بعض الجزئيات، وأذكر منها حالتـين:

الحالة الأولى: وجودُ عادةٍ على نفع المقرض:

      العرف في حكم الشرط[26]. وبهذا عمل المالكيّةُ وبعضُ العلماء[27]، وخالفَ بعضُ الحنفيّة، والشافعيةُ، والحنابلةُ؛ فمنهم مَن قال بالكراهة فقط، ومنهم من قال بالجواز وهم الأكثر[28].

       قال الإمام النووي رحمه الله: (ولو أقرضه بلا شرطٍ، فردَّ أجوَدَ، أو أكثرَ، أو ببلدٍ آخرَ؛ جازَ، ولا فرْقَ بين الرَّبوي وغيرهِ، ولا بين الرَّجلِ المشهورِ بِرَدِّ الزيادةِ أو غيرهِ على الصحيح. قلت: قال في التتمَّةِ: لو قصدَ إقراضَ المشهورِ بالزيادةِ للزيادة ففي كراهته وجهان، والله أعلم)[29]. وقال الإمام السيوطيُّ: (العادَةُ المطَّرِدَةُ في ناحيةٍ، هل تنزلُ عادتهم منزلةَ الشرط؟ فيه صور؛ منها: لو جرتْ عادَةُ قومٍ بقطْعِ الحصرَم قبل النّضْج، فهل تنزل عادتهم منزلةَ الشرط حتى يصحَّ بيعُه من غير شرط القطع؟ وجهان، أصحَّهما: لا، وقال القفّال: نعم. ومنها: لو عمَّ في النَّاسِ اعْتِيادُ إباحة منافع الرَّهن للمرتهن، فهل ينزل منزلةَ شرطه حتّى يفسد الرهن؟ قال الجمهور: لا، وقال القفّال: نعم. ومنها: لو جرَتْ عادةُ المقْتَرضِ بردِّ أزيدَ مما اقترضَ، فهل ينزل منزلةَ الشرط؛ فيحرم إقراضه؟ وجهان، أصحّهما: لا)[30].

الحالة الثانية: إذا لم يكن هناك عادةٌ بنفع المقرض. فجمهور العلماء على جواز ذلك[31].

وذهب أكثر المالكية إلى منع ذلك إن كانت الزيادةُ في العدد لا الوصف.

قال ابن أبي زيد القيرواني: “ومَنْ ردَّ في القرض أكثرَ عددا في مجلس القضاء، فقد اختُلِف في ذلك إذا لم يكن فيه شرطٌ ولا وأْيٌ[32]. ولا عادةٌ: فأجازه أشهب، وكرهه ابن القاسم ولم يجِزْهُ”[33].

قال الحطاب في مواهب الجليل: (أمّا الزيادة في العدد فلا تجوز، ولو قلَّ على المشهور)[34].

5- تطبيقات هذه القاعدة وفرعها؛

أذكر من هذه التطبيقات:

1- أجمع العلماء على منع المنفعة المشروطة للمقرض لا المقترض؛ فجمهور أهل العلم على جواز اشتراط المنفعة للمقترض. وهذا خروجٌ من عموم قولهم: (كل قرض جرّ نفعاً)؛ فالأدقّ أن يُقيّد بالمقرض.

2- جوز بعض الفقهاء اشتراط الوفاء في غير بلد القرض إن لم يكن لحمله مؤْنةٌ، ومنهم القاضي أبي الفرج من المالكيّة، وابنُ قدامة من الحنابلة، وابن تيمية، وابن القيم، وهو مرويٌّ عن بعض الصحابة والسلف[35].

3- اشتراط المنفعة للمقرض ممنوعةٌ إذا تمحّضت له. يُضافُ شرطٌ آخر: ألاّ يكون لها مقابلٌ سوى القرض نفسه[36].

4- أكثر العلماء على جواز إقراض المعروف بحُسْنِ القضاء. وهذا خروجٌ من عموم قولهم: (دفع مال إرفاقاً) كما جاء عند الحنابلة وغيرهم، فالأدقّ أن يُقيدّ بالنفع المشروط.

فهذا يدلٌّ على أنَّ قولَهم: (عقد القرض عقد إرفاق وإحسان وقربة) مقصودٌ به الغالب، وترتّبُ الأجر عليه؛ لا شرط صحّة.

جاء في تحفة المحتاج عند الكلام على سنّية الإقراض: “ومحلّ ندبِه ما لم يكن المقترض مضطرّاً وإلاّ كان واجباً، وما لم يُعلَم أو يُظنّ من آخذهِ أنّه يُنفقُه في معصية وإلاّ حرُم عليهما، أو في مكروه كُرِهَ”[37].

        ويُمكنُ تصويرُه بما إذا دفع إلى غنيٍّ بسؤالٍ من الدافع مع عدم احتياج الغني إليه، فيكون مباحاً لا مستحبّاً؛ لأنّه لم يشتمل على تنفيس كُربة، وقد يكون في ذلك غرضٌ للدافع كحفظِ ماله بإحرازهِ في ذمّة المقترض.

6- مستثنيات القاعدة:  القرض لقصد حفظ المال:

      أجاز أكثر الفقهاء القرض لا لقصد الإرفاق؛ وإنما لقصد حفظ المال، وإنّما لم تُحَرَّم هذه المنفعةُ؛ لكونها من مقتضيات العقد. قال الدكتور عبد الله بن محمد العمراني حفظه الله: (وهذه المنفعة التي يحصل عليها المُقرِضُ –وهي ضمانُ مالهِ وحفظُه عند المقترض- منفعةٌ أصليّةٌ في القرض لا إضافيّة، وهي من مقتضى عقد القرض وطبيعتِه لا تنفكّ عنه، جاءتْ تبعاً للمنفعة الأساسيّة من القرض، وهي انتفاع المقترض بمال القرض. ويقول الشيخ رفيق المصري: (ويبدو لي أخيراً أنَّ منفعةَ المقترض من مال القرض أعلى في الغالب من منفعة المقرض من ضمان مال القرض، فمنفعة المقترض مؤكّدة، سواء استخدم القرض في الإنتاج أو في الاستهلاك، أما منفعة المقرض فهي ظنّية، وقد تكون موهومة؛ لأنَّ القرض يُعرّضه لمخاطر عدم السداد، ولمتابعة المقترض، وغير ذلك، أي يكبده تكاليف في ماله ووقته وجهده، لاسيما إذا عجز المقترض عن السداد أو أفلس، أو جحد، أو ماطل، وذلك حتّى لو كان موثقاً برهن أو ضمان. المهم أنّ منفعة المقترض إذا قوبلت بمنفعة المقرض، فإنّها تفضلها وترجح عليها، وهذا هو سرّ ثواب القرض عند الله، وسبب اعتباره عند الفقهاء من عقود الإرفاق)[38].

       وهذه المنفعة التي يحصل عليها المقرض متفقٌ على جوازها، فلا أحد من الفقهاء يمنع من انتفاع المقرض بهذه المنفعة، ولا أحد يقول إن انتفاع المقرض بها يؤدي إلى أن يكون القرض جارّاً لمنفعة محرمة؛ لأنه يلزم من القول بذلك القول بالمنع من القرض؛ لأنَّ هذه المنفعة لا تنفكّ عن القرض”[39].

وخلاصة الأمر:

        تُـمنع المنفعة المشروطة في القرض إذا كانت للمقرض، وإذا لم يشترط المقرِضُ منفعة، ودفع المقترض شيئا بعد حلول الأجل دون شرط سابق، فإنها جائزة عند الجمهور، إن كانت عادة حسنة، وكانت من باب حسن القضاء؛ قال ابن قدامة في الكافي: “ولا يكْرَه قرضُ المعروفِ بحسْنِ القضاءِ. وذكرَ القاضي وجهاً في كراهتهِ؛ لأنّهُ يطمَعُ في حُسْنِ عادتِه. والأوَّلُ أصحُّ؛ لأن النبيَ صلى الله عليه وسلم كان معروفاً بِحُسْنِ الْقضَاءِ، فلم يكُنْ قرضُه مكروهاً، ولأنَّ خيرَ الناسِ أحسنُهم قضاءً، ففي كراهةِ قرْضِهِ تضييقٌ على خيرِ الناس، وذوي المروءات”[40].

والله الموفق للصواب، والحمد لله رب العالمين.


[1] – بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث الحديث رقم: 437. ج: 1 / ص: 500.

[2] – السنن الكبرى للبيهقي الحديث رقم: 10933. ج:5 / ص: 573 .

[3] – مصنف ابن أبي شيبة الحديث رقم: 20691. ج4/328 .

[4] – مصنف ابن أبي شيبة الحديث رقم: 20690. ج4/327 .

[5]– سورة البقرة / الآية: 187.

[6] – بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث الحديث رقم: 437. ج: 1 / ص: 500.

[7] – السنن الكبرى للإمام البيهقي الحديث رقم: 10933. ج: 5 / ص: 573 .

[8] – يُـنظر: المحلى لابن حزم ج:8/87 .

[9]– لسان العرب لابن منظور، ج: 7 / ص: 216-217، (مادة: ق ر ض).

[10]– القاموس المحيط للفيروزآبادي، الصفحة: 277، (مادة: ن ف ع) .

[11]– لسان العرب لابن منظور، ج: 14/ ص: 351-352، (مادة: ر ب و).

[12] – الكافي في فقه أهل المدينة ج2/657 .

[13] – المنتقى شرح الموطأ، ج3/459 .

[14] – الجامع لأحكام القرآن ج3/241 .

[15] – الإجماع لابن المنذر، ص94 .

[16] – المغني لابن قدامة، ج4/390 .

[17] – فتح الباري لابن حجر، ج5/57 .

[18] – الذخيرة للقرافي ج5/289 .

[19] – مختصر خليل، الصفحة: 165 .

[20] – بلغة السالك ج3/183 .

[21] – حاشية القليوبي على شرح جلال الدين المحلي على “منهاج الطالبين”، ج2/323 .

[22] – شرح الخرشي على مختصر خليل ج5/231 ، الذخيرة ج5/291 .

[23] – مجموع فتاوى ابن تيمية ج29/530 .

[24] – تهذيب سنن أبي داود وإيضاح مشكلاته ج2/193 .

[25] – الكافي لابن قدامة ج2/70.

[26] – شرح القواعد الفقهية للشيخ الزرقا، الصفحة: 133.

[27] – المنتقى للباجي ج3/459.

[28] – المنفعة في القرض دراسة تأصيلية تطبيقية، لعبد الله محمد العمراني: الصفحة: 260.

[29] – روضة الطالبين، للإمام النووي، ج4/34.

[30] – الأشباه والنظائر للإمام السيوطي، الصفحة: 96 .

[31] – المغني لابن قدامة ج4/392.

[32] – بفتح الواو وسكون الهمزة: الوعد الصريح. كفاية الطالب الرباني لرسالة أبي زيد القيرواني ج2/215 .

[33] – الرسالة لابن أبي زيد القيرواني ص106 .

[34] – مواهب الجليل لشرح مختصر خليل ج6/183 .

[35] – المنفعة في القرض دراسة تأصيلية تطبيقية، لعبد الله محمد العمراني: الصفحة: 145 .

[36] – المنفعة في القرض دراسة تأصيلية تطبيقية، لعبد الله محمد العمراني: الصفحة: 311 .

[37] – تحفة المحتاج مع حاشية الشبراملسي والمغربي ج4/221.

[38] – “الجامع في أصول الربا”. لـرفيق المصري.

[39] – المنفعة في القرض دراسة تأصيلية تطبيقية، لعبد الله محمد العمراني: الصفحة: 294.

[40] – الكافي لابن قدامة، ج2/70.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: