قانون علم أصول الحديث من الإفادة إلى الاستفادة

لم يخل علم من العلوم الدنيوية من قانون مقرر يحتكم أهله إلى شريعته إما ضبطا لقواعدهأوغاية لأهدافه ومعالمه. فالعلم- كما قال الحسن اليوسي (ت1102ه)- ما هو إلا” قواعد مقررة يجمعها موضوع وغاية”[1].وإذا أردنا أن نبين قانون علم أصول الحديث يمكننا القول بأنه في إجماله يرجع إلى التثبت من صدق الخبر بالنظر إلى قائله وفحوى خطابه.وبهذا يكون قانون علم أصول الحديث قائم على بيان المقبول و المردود من الكلام المنسوب للرسولﷺ.

كما أن هذا البيان جارٍ على عملية التثبت والتيقن، بتغليب الظن في صدق المخبر سندا ومتنا، ويطلق على هذا الإجراءبالنقد الحديثي للأسانيد والمتون.وهذا النقد لا يحصل إلا بإعمال العقل والإيمان بمقدراته المعيارية، ومقاييسه الظنية، بل هو شرط في تحصيله وإدراك غايته.لذلك قال الفقهاء”العقل مناط التكليف”.قال ابن تيمية (ت728ه):” العقل شرط في معرفة العلوم، وكمال وصلاح الأعمال، وبه يكمل العلم والعمل، لكنه ليس مستقلا بذلك لكنه غريزة في النفس، وقوة فيها بمنزلة قوة البصر التي في العين، فإن اتصل به نور الإيمان والقرآن، كان كنور العين إذا اتصل به نور الشمس والنار، وإن انفرد بنفسه لم يبصر الأمور التي يعجز وحده عن دركها، وإن عزل بالكلية كانت الأقوال والأفعال مع عدمه أمورا حيوانية قد يكون فيها محبة ووجد وذوق، كما قد يحصل للبهيمة، فالأحوال الحاصلة مع عدم العقل ناقصة، والأقوال المخالفة للعقل باطلة”[2].

لقد خاض العقل في المنظومة الفكرية الإسلامية ثلاث انتقالات[3] :

النقلة التصورية: حيث حرر العقل وكرم ووضع في مساره الصحيح، وذلك من خلال الانتقال به من عبودية التعدد إلى عبودية الواحد، ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومنالتضرع والالتجاء إلى التماثيل والأصنام والحجارة إلى التعلق برب السماء المنزه عن كل تمثيل أو تجسيم.

النقلة المعرفية:فأمر بالقراءة والتسلح بالمعرفة لتتشكل لديه التصورات العامة عن الكون والطبيعة وعالم الموجودات، فجاء النداء من السماء يحث على التفكر والتدبر والتبصر.

النقلة المنهجية: وهو الخيط الذي ينظم بين النقلتين السابقتين، فلا محصل لهما إلا بالمنهج، فبدونه ليس ثمة طريق يوصل إلى الأهداف مهما بذل المرء من جهد وعطاء.

ولأهمية المنهج في صياغة الأفكار وضبط التصورات، وإرساء المقاييس التي بها يحرز التثبت من الأخبار،نهج العقل الإسلامي منهج أصول الحديث وعلومه والذي “كان بناؤه بناء عقليا، ولولا هذه الصفة لما كان له أبدا هذا الأثر البالغ في بناء وتشكيل العقل المسلم”[4]، فحقق بذلك حصانة علمية وثقافية محكمة ومسددة. وفي هذا البناء المنهجي يقول الإمام أبو الفرج ابن الجوزي (ت597ه):” كل حديث رأيته يخالف المعقول أو يناقض الأصول فاعلم أنه موضوع فلا تتكلف اعتباره”[5].

وتظهر عقلية المسلم الناقدة عند تصديه للأخبار والمرويات الحديثية سندا ومتنا في بنائين اثنين يتأسس عليهما علم أصول الحديث وهما : علم الجرح والتعديل وعلم العلل.

فإذا كان علم الجرح والتعديل يبحث في حال الرواة ومدى تفاوتهم في الحفظ والضبط والإتقان، فإن علم العلل أدق من سابقه،حيث يبحث في الخبر الذي ظاهره السلامة وليس للجرح فيهمدخل. ويمكن أن نقول أنه منهجنقدي عميق يهتم بموضوع الرواية ومدى مطابقتها للحس والمقاصد العامة للشريعة وقواعدها المقررة،وذلك بموافقة المرويات للأصول العامة التي بنيت عليها الشريعة وأن لا تخالف المنحىالعقدي أو الفقهيأو التاريخي أوالاجتماعي أوالنفسي[6].

وهذا المعطى يدفعنا إلى تقريرثلاثة أمور:

المقرر الأول:يستند العقل عند ولوجه إلى عملية النقد الحديثيعلى المزواجة بين النقل المسدد والعقل السليموفق مقاييس وقواعد حددها علماء أصول الحديث. قال ابن خلدون (ت808ه): “الأخبار إذا اعتمد فيها على مجرد النقل، ولم تُحَكَّم أصول العادة، وقواعد السياسةوطبيعة العمران والأحوال في الاجتماع الإنساني، ولا قيس الغائب منها بالشاهد، والحاضر بالذاهب، فربما لم يؤمن فيها من العثور، ومزلة القدم، والحيد عند جادة الصدق. وكثيرا ما وقع للمؤرخين والمفسرين وأئمة النقل المغالط في الحكايات والوقائع، لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثا أو سمينا، لم يعرضوها على أصولها، ولا قاسوها بأشباهها، ولا بمعيار الحكمة، والوقوف على طبائع الكائنات، وتحكيم النظر والبصيرة في الأخبار، فضلوا عن الحق، وتاهوا في بيداء الوهم والغلط”[7].

لقدوضع علماء أصول الحديث ضوابط ومقاييس منهجية لنقد متن الحديث في غاية الصرامة والدقة.

صحيح أن ما نريد أن نؤسس له من حيث الاستفادة من منهج النقد الحديث يختلف عن منهج النقد الخطابي المتداول. فالأول أكثر صرامة ودقة لتعلقه بالمرويات من المتون الحديثية وما اتسمت به من مكانة سامية في التشريع، أما المنهج الثاني فيروم نقد الخطاب العقلاني بغض النظر عن موضوعه أو قائله، ولن يحتكم إلى منهج علماء الحديث بحذافيره، وإنما يرومالاستفادة من الإفادة التي قدمهامنهج أصول علم الحديث في نقد المرويات للوقوف قدر الإمكان بما يرجح غلبة الظن على صدق المخبر وسلامة خطابه وترابط أفكاره. ومن المقاييس التي يمكن أن نستفيد منها في هذا الباب:

  1. عرض الحديث على المسلمات العقلية.
  2. عرض الحديث على الحس والمشاهدة.
  3. عرض الحديث على الواقع والتاريخ.
  4. اعتبار الشهرة والتواتر في الخبر.

كما أن هناك الكثير من المقاييس النقدية للرواية الحديثية لا يتسع المقام لذكرها، خاصة في باب مختلف الحديث ومنهج العلماء في الجمع بين الأحاديث التي ظاهرها التعارض، ناهيك عن ما يزخر به مسلك الترجيح من مقاييس علمية دقيقة تنمي في عقل المرء ملكة الحس وصفة الناقد المتيقظ الفطن.

المقرر الثاني: عملية النقد المنهجي لا تتحققإلا بأمرين اثنين: الإحاطة والأدب.

أما الإحاطة فهي شرط في إحراز ملكة النقد الحديثي، قال عبد الرحمن المعلمي اليماني (ت1386ه):” ليس نقد الرواة بالأمر الهين، فإن الناقد لا بد أن يكون واسع الاطلاع على الأخبار المروية، عارفا بأحوال الرواة السابقين، وطرق الرواية، خبيرا بعوائد الرواة ومقاصدهم وأغراضهم، وبالأسباب الداعية إلى التساهل والكذب والموقعة في الخطأ والغلط، ثم يحتاج إلى أن يعرف أحوال الراوي: متى ولد؟ وبأي بلد؟ وكيف هو في الدين والأمانة والعقل والمروءة والتحفظ؟ ومتى شرع في الطلب؟ ومتى سَمِعَ؟ وكيف سَمِعَ؟ وكيف كتابه؟ثم يعرف أحوال الشيوخ الذين يحدث عنهم، وبلدانهم، ووفياتهم، وأوقات تحديثهم، وعاداتهم في التحديث. ثم يعرف مرويات الناس عنهم، ويعرض عليها مرويات هذا الراوي، ويعتبر بها…

ويكون مع ذلك: متيقظا، مرهف الفهم، دقيق الفطنة، مالكا لنفسه، لا يستميله الهوى، ولا يستفزه الغضب، ولا يستخفه بادر ظن حتى يستوفي النظر، ويبلغ المقر، ثم يحسن في حكمه فلا يجاوز ولا يقصر”[8].

أما صفة الأدب فهي صفة كمال متوجبة ومتعينة لكل من تصدر للنقد.فالناقد هو الذي يحترم خصمه ولا يهون ولا ينقص من شأنه. الناقد هو الذي ينصفالرأي المخالف ولا ينسفه ” ومعنى إنصافه إعطاؤه الحق في الظهور، والتعبير عن نفسه، والدفاع عن ذاته، ما دام صادرا عن تفكير واجتهاد، ويمثل وجهة نظر معتبرة، قريبة كانت أم بعيدة. ولا يسوغ الحكم بالإعدام على رأي لمجرد أنه يخالفنا، أو يخالف أكثرنا، أو يخالف المألوف والموروث، ويدعو إلى هدم القديم، وإقامة بناء جديد”[9] وكتابةعلماء الحديث منذ العصور الأولى في آداب المحدث والسامع يؤكد هذا المقرر؛ لأن بناء المعارف لا تستقيم إلا بتنمية الحس التربوي في مخيلة الطالب،وتحصل له المشاهدة الحية لصفة العالم بما عمل والعامل بما علم. ومن الذين ألفوا في هذا الفن،ابنخلادالرامهرمزي(ت369ه)في كتابه “المحدث الفاصل بين الراوي والواعي”والخطيبالبغدادي (ت463ه) في كتابه “الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع”

فكان غاية إدراج الأدب ضمن العملية التعلميةإقرارا على أن العلم وحده لا يكفي لتكوين شخصية المحدث؛ لأن التلقين الكمي إذا عدمه الحس التربوي والأخلاقي لا يحقق غايته المرجوة، بل تتحول هذه المعرفة إلى سلطة قد تحيد بصاحبها عن موضعها وغايتها، فيحمله سلطانه المعرفي إلى الجور والشطط في استعمال هذه المقدرات إما أداء أو توظيفا.

المقرر الثالث:كان لعلم أصول الحديث الأثر الكبير في جعل العقل المسلم “ينتقل:

  • من عقل خرافي يتبع الظنون والأوهام إلى عقل علمي يتبع الحجة والبرهان.
  • من عقل مقلد تابع إلى عقل متحرر مستقل.
  • من عقل متعصب إلى عقل متسامح.
  • من عقل راكد إلى عقل متحرك.
  • من عقل مُدَّعٍ متطاول إلى عقل متواضع، يعرف حده فيقف عنده”[10].

ومحصلة المقال تنحو بنا إلى القول بأن منهج أصول علم الحديث خلف إرثا ضخما ساهم في تشكيل وتكوين الشخصية الناقدة التي تعصم العقل “من الفوضى والاضطراب والتلجلج في التصورات والحركاتوالبناء العمراني، الذي يتمثل في ضياع المقاييس، وإهمال الضوابط أو تجاوزها، وغياب الرؤية الشاملة، وعدم إبصار الأولويات مما يقع معه الاجتراءوالافتراءعلى الدين”[11].

كما أن “التوقف عند عمليات الفخر والاعتزاز بإنجاز السلف، سوف يشكل عبئا ومعوقا ينقلب إلى ضده إذا لم يترجم إلى واقع، ويبقى المطلوب دائما: إشاعة علوم المنهج في الأمة بشكل عام، واستمرار تناولها بالبحث والدرس، والنقد والموازنة والترجيح حتى يتشكل البحث في المنهج مناخا عاما ينشأ عليه عقل الأمة”[12].

مصادر ومراجع:

  • أثر علم أصول الحديث في تشكيل العقل المسلم، خلدون محمد سليم الأحدب، محاضرة بجامعة الملك عبد العزيز في وجدة سنة 2006، مجمع الفقه الإسلامي بجدة منتدى الفكر الإسلامي.
  • الجرح والتعديل ومزيته، لابن أبي حاتم الرازي. تحقيق عبد الرحمن المعلمي اليماني.
  • ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر، ابن خلدون، تحقيق خليل شحادة، دار الفكر بيروت، الطبعة الثانية، سنة 1988.
  • السنة مصدرا للمعرفة والحضارة، الشيخ يوسف القرضاوي، دار الشروق، الطبعة الثالثة سنة 2002.
  • الفكر المنهجي عند المحدثين لهمام عبد الرحيم سعيد، كتاب الأمة، الطبعة الأولى، سنة 1987.
  • القانون في أحكام العلم وأحكام العالم وأحكام المتعلم، الإمام الحسن اليوسي، تحقيق حميد حماني، مطبعة شالة الرباط، الطبعة الأولى سنة 1998.
  • مجموع الفتاوى، ابن تيمية، تحقيق عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، سنة 1995.
  • الموضوعات، أبو الفرج ابن الجوزي، تحقيق عبد الرحمن محمد عثمان، المكتبة السلفية بالمدينة المنورة، الطبعة الأولى، سنة 1966.

[1]– القانون في أحكام العلم وأحكام العالم وأحكام المتعلم، الإمام الحسن اليوسي، تحقيق حميد حماني، مطبعة شالة الرباط، الطبعة الأولى سنة 1998ص:145.

[2]– مجموع الفتاوى، ابن تيمية، تحقيق عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، سنة 1995. ج:3/338-339.

[3]– أثر علم أصول الحديث في تشكيل العقل المسلم، خلدون محمد سليم الأحدب، محاضرة بجامعة الملك عبد العزيز في وجدة سنة 2006، مجمع الفقه الإسلامي بجدة منتدى الفكر الإسلامي. ص: 5-6-7. بتصرف.

[4]-أثر علم أصول الحديث في تشكيل العقل المسلم، خلدون محمد سليم الأحدب، محاضرة بجامعة الملك عبد العزيز في وجدة سنة 2006، مجمع الفقه الإسلامي بجدة منتدى الفكر الإسلامي. ص: 19.

[5]– الموضوعات، أبو الفرج ابن الجوزي، تحقيق عبد الرحمن محمد عثمان، المكتبة السلفية بالمدينة المنورة، الطبعة الأولى، سنة 1966. ج:1/106.

[6]– الفكر المنهجي عند المحدثين، همام عبد الرحيم سعيد، كتاب الأمة، الطبعة الأولى، سنة 1987. ص:105.

[7]– ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر، ابن خلدون، تحقيق خليل شحادة، دار الفكر بيروت، الطبعة الثانية، سنة 1988، ج:1/13.

[8]– الجرح والتعديل ومزيته، لابن أبي حاتم الرازي، تحقيق عبد الرحمن بن يحي المعلمي اليماني، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، سنة 1952، ج:1/ ب-ج.

[9]– السنة مصدرا للمعرفة والحضارة، الشيخ يوسف القرضاوي، دار الشروق، الطبعة الثالثة سنة 2002، ص:218.

[10]– المرجع السابق، ص:205.

[11]– أثر علم أصول الحديث في تشكيل العقل المسلم، خلدون محمد سليم الأحدب، محاضرة بجامعة الملك عبد العزيز في وجدة سنة 2006، مجمع الفقه الإسلامي بجدة منتدى الفكر الإسلامي. ص: 29. بتصرف.

[12]– تقديم عمر عبيد حسنة لكتاب الفكر المنهجي عند المحدثين لهمام عبد الرحيم سعيد، كتاب الأمة، الطبعة الأولى، سنة 1987. ص:13.

اظهر المزيد

الواعر الخليل

طالب باحث في سلك الدكتوراه بالكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالجديدة، وأستاذ متعاقد مع الكلية نفسها شعبة الدراسات الإسلامية، صاحب كتاب خواطر في التربية دراسة من منظور إسلامي، وكتاب نوازل وأحكام القاضي محمد يحظيه بن عبد الباقي ت1370هـ، قيد الطبع.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. السلام عليكم
    بوركتم أستاذ فقد أثرتم موضوع مهمّ ألا وهو إشكالية المنهج أو القانون في العلوم خاصة الإنسانية منها، وقد وُفقتم إلى حدّ ما في ربط هذا الموضوع بأصول علم الحديث النبوي، فكما لا يخفى أنّ جلّ أصول المنهج النقدي المتداولة عندنا منتقاة من رحم نظرية المعرفة الغربية الحديثة، التي تمّ استلهامها وإعمالها في الخطابات وتنزيلها على النص العربي حتّى دون أدنى تمحيص لأصولها، من هذا المنطلق يمكن القول أنّ مشكلتنا الحالية هي مشكلة منهج، ولن يتمّ إقلاعنا العلمي ولا الحضاري إلا بعد اهتدائنا إليه وتفقهنا فيه، وأردت التنبيه إلى نقطة مهمة وهي أنّ منهج علم أصول الحديث يعتبر منهج خاصا تعلّق بفنّ معيّن، بحيث لا يمكن تعميمه على مسائل العلوم الأخرى وإن كانت لا تعدم الاستفادة منه في ضبط مبادئ وأصول عامة، وكمبدأ عامّ في نظرية التنهيج كما أقر ذلك العلماء أنّ هناك مناهجا أساسية عامّة تتبعها أو تتفرّع عنها مناهجا خاصة.
    جزيتم خيرا ودام لكم التوفيق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: