في الذكرى 71 للنكبة.. مسيرات العودة ووعد الآخرة

مسيرات العودة ووعد الآخرة

“النكبة” مصطلح أطلقه الشعب الفلسطيني على ارتكاب العصابات الصهيونية عام 1948 عدة مجازر بحق المدنيين الفلسطينيين، والتي دمرت عددا كبيرا من المدن والقرى الفلسطينية، كما تم احتلال عدد كبير منها، وتهجير وتشريد مئات الآلاف من الفلسطينيين جماعيا من وطنهم وأراضيهم وديارهم في بقاع الأرض ومنافيها.

ومنذ ذلك التاريخ (1948) والفلسطينيون الذين يحملون هم أرضهم وحبهم لمقدسات وطنهم في وجدانهم جيلا بعد جيل يحيون ذكرى “النكبة” في 15 أيار/ ماي من كل عام، وهو اليوم الذي تم فيه إعلان قيام ما يسمى بإسرائيل بدعم من بريطانيا والدول الحليفة، بمسيرات احتجاجية تؤكد على ارتباطهم وتمسكهم بأراضيهم وحقهم في العودة لها، الذي يعتبر ثابتا من الثوابت التي يحيى من أجلها الشعب الفلسطيني المقاوم، لا يمكن أن يطاله التقادم أو النسيان.

وكيف ينسى المظلوم جرم المحتل، والجراح العميقة، والذكريات الأليمة التي خلفتها المجازر الوحشية التي اقترفها العدو الغاشم بحق الشعب الفلسطيني، في ظل الاتفاقيات والمخططات المشؤومة؟!!!. وكيف ينساها وتبعات النكبة الكارثية لا زال يعاني منها اللاجئون الفلسطينيون أقسى وأصعب ظروف الحياة المعيشية في مخيمات اللجوء؟!!!.

ومع تطور العدوان الإسرائيلي الأمريكي والمخططات التي تشرعن يهودية “الدولة” في جريمة عنصرية إضافية إلى جرائمه وفي مقدمتها “صفقة القرن”، والتي تهدف إلى تصفية القضية والحقوق الفلسطينية، وإقامة “الدولة المستقلة” ذات السيادة على حدود العام 1967 وعاصمتها القدس، ومع استمرار تشريد الكيان الغاصب للفلسطينين لأكثر من سبعين عاما، وانتهاجه للسياسات الاستيطانية التوسعية والعنصرية، وتطويق التجمعات الفلسطينية، والتنكيل بالشعب الفلسطيني، واستمرار العمل بالجدار العنصري، وحالة الحصار التي يفرضها العدو الإسرائيلي على قطاع غزة.

ولأنه كما رفع الفلسطينيون اليوم شعارا: “يوم استقلالهم يوم نكبتنا”، فقد تطورت المسيرات الاحتجاجية المحيية لذكرى النكبة لتصبح بعد أكثر من سبعين عاما مليونية يؤكد من خلالها الفلسطينيون أنه مهما بلغت المخططات والتكالبات فإنه لا يضعف من إرادتهم الصلبة التي تقف خلف تمسكهم بحقوقهم وثوابتهم، وأن المقاومة هي درع الشعب وسلاحه ضد آلة القمع والعدوان الإسرائيلية، ومَن خلفها من الحلفاء، لانتزاع حق الشعب الفلسطيني بالعودة إلى أراضيه والعيش عليها في حرية وكرامة، كما تؤكد على أن القدس كانت ولازالت وستظل  عاصمة فلسطين التاريخية، و أن أي محاولة أو مشروع أو مخطط يهدف إلى تغيير هذا الواقع سيحطمها صمود وثبات الشعب الفلسطيني المقاوم.

ورغم محاولات العدو الغاشم لمنع المسيرات؛ كفرض إغلاق شامل على المعابر مع الضفة الغربية المحتلة، وإغلاق الطرق في المستوطنات المحيطة بقطاع غزة، فإن عشرات الآلاف من المحتجين، وبعد إعلان الإضراب الشامل، يقودون المسيرات من مختلف المناطق وصولا إلى السياج الأمني الذي يفصل قطاع غزة عن باقي الأراضي المحَتلة، في تحد وصمود بطولي لانتزاع حقوقه، والمضي قدما في تحقيق أهدافه وتطلعاته ومطالبه المشروعة، حتى تحقيق العودة لكافة الأراضي المحتلة والتخلص من الاحتلال.

إن المقاومة الفلسطينية بنضالها المستمر، ومسيراتها وحركاتها الاحتجاجية المتواصلة، وانتفاضاتها الباسلة تشكّل اليوم نقطة قوة لم يشهدها التاريخ الفلسطيني، رغم التنسيق الأمني والسياسات الرسمية الخاذلة والهرولة العربية على المستوى الرسمي للتطبيع مع الاحتلال.

كما أن الهَبَّة التي تعرفها الشعوب العربية المنتفضة ضد حكامها، وتحررها من الخوف الذي جتم على صدور أبنائها، والقوة التي تسري في شرايين الأجيال الناشئة، وسعيها إلى تغيير واقع التخلف والتبعية، وكذا تطور أشكال الدعم من مختلف الشعوب في مشارق الأرض ومغاربها، كل ذلك يخدم القضية الفلسطينية، ويفضح زيف الشعارات وفساد المخططات الصهيونية التي كان يسندها الإعلام الغربي المضلل والمستقوي بتخلف الشعوب واستبداد حكمها المطبعين.

ولا شك أن الله تعالى ناصر عباده المستضعفين في الأرض، ومحقق وعده بتدمير المستكبرين في الأرض من بني إسرائل مهما طال الزمان، على يد عباده المؤمنين الذين يبعثهم سبحانه لتحقيق وعد الآخرة، مصداقا لقوله تعالى: “فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا” (الإسراء: 07)، وقوله عز من قائل: “أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) (الحج: 39-40).

واليقين في موعود الله يقتضي من كل مسلم، في مختلف بقاع العالم، كل من منصبه وموقعه، وحسب استطاعته ومُكْنَته ومكانته، أن يعمل على تحقيقه كما يسعى إلى ذلك الشعب الفلسطيني المقاوم ببسالة ويقين، لأنّ قضية فلسطين قضية إسلامية تهم كل مسلم يشعر بانتمائه لهذه الأمة، وينبض قلبه بالإيمان الصادق بما تقتضيه الأخوة الإيمانية، وبما يقتضيه واجب التهمم بهموم المسلمين، وواجب الدفاع عن الأرض والمقدسات، ففلسطين عامة والقدس الشريف خاصة لهما قدسيتهما الدينية التي يتفق عليها المسلمون، فهي الأرض المباركة؛ أرض الأنبياء والمرسلين، وأرض الإسراء والمعراج، وأرض المحشر والمنشر.

وما دامت كذلك فهي تستوجب على المسلمين ـجميعاًـ الحرص عليها من أن يدنسها الأعداء، والدفاع عنها ضد كل اعتداء، وبذل المال والنفس والوقت وكل ما هو عزيز في سبيل تحريرها ورد المعتدين عنها، وعلماء المسلمين على وجه الخصوص مطالبون بدور كبير في دعم قضية فلسطين والقدس الشريف على جميع المستويات وفي مختلف المجالات؛ على الصعيد الشعبي: توعية بحقيقة الصراع مع اليهود المعتدين بشقيه العقَدي والسياسي، وإرشادا لتقوية الوازع الديني لدى عامة الناس، وربطهم بالقضية الفلسطينية، مدرسة الجهاد، ومفرَزَة ومصفاة تمييز الصادقين، وفضحا للمشروع الصهيوني الاقتصادي والثقافي والسياسي والإعلامي وغير ذلك من أشكال التعبئة والبناء، وعلى الصعيد الرسمي بتوجيه النصح للحكام وإرشادهم لسبل الدعم والنصرة، وعلى الصعيد الدولي بتنظيم محافل الدعم والنصرة، وتأكيد فرضية الجهاد بكل أنواعه.

“وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيز”

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: