فضل الاعتكاف

تقديم:

جاء في لسان العرب مادة عكف.

” عَكَف على الشيء يَعْكُفُ ويَعْكِفُ عَكْفاً وعُكوفاً: أَقبل عليه مُواظِباً لا يَصْرِفُ عنه وجهه، وقيل: أقام ؛ ومنه قوله تعالى:” يَعكفون على أَصنام لهم “، أَي يُقيمون ؛ ومنه قوله تعالى: “ظَلْتَ عليه عاكفاً“، أَي مُقيماً. 
وعَكَفَ يَعْكُف ويَعْكِفُ عَكْفاً وعُكوفاً: لزم المكان. 
والعُكُوفُ: الإقامةُ في المسجد: قال اللّه تعالى: “وأَنتم عاكِفونَ في المَساجد “.

قال المفسرون وغيرهم من أَهل اللغة: عاكِفون مُقيمون في المساجد لا يُخْرُجون منها إلا لحاجة. 
ويقال لمن لازَمَ المسجد وأَقام على العِبادة فيه: عاكف ومُعْتَكِفٌ. 

الاعتكاف اصطلاحا هو: المكث في المسجد، بنية التقرب إلى الله تعالى بالصلاة وقراءة القران.

وحكمه سنة مؤكَّدة، كما روت عائشة -رضي الله عنها”أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، حتى توفّاه الله -عز وجل-، ثم اعتكف أزواجه من بعده” رواه البخاري.

ومن الظلم منع الناس من الاعتكاف في المساجد، قال الله تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) سورة البقرة(114).

فضل الاعتكاف:

عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر شدّ مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله» رواه البخاري ومسلم. كان هذا هو سلوك الصحابة والتابعين في الثلث الأخير من شهر رمضان يجتهدون في إتمام العمل وإكماله وإتقانه، ويخافون من رده، وهؤلاء هم الذين قال الله عز وجل في حقهم {يُؤتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُم وَجِلَةٌ} (المؤمنون:60). ورُوي عن علي رضي اللّه عنه، قال: ” كونوا لقبول العمل أشد اهتماماً منكم بالعمل، ألم تسمعوا الله عز وجل يقول: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} (المائدة:27). وعن الحسن قال: إن الله جعل شهر رمضان مضماراً لخلقه، يستبقون فيه بطاعته إلى مرضاته، فسبق قوم ففازوا، وتخلف آخرون فخابوا.

وللاعتكاف فضائل كثيرة نلخصها فيما يلي:

  • المكث في المسجد وانتظار الصلاة، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الملائكةُ تصلِّي على أحدكم ما دام في مُصلَّاه، ما لم يُحدِثْ: اللهمَّ اغفرْ له، اللهمَّ ارحمْه، لا يزال أحدُكم في صلاةٍ ما دامت الصلاةُ تحبسُه، لا يمنعه أن ينقلبَ إلى أهلِه إلا الصلاةُ))؛ (متفق عليه، واللَّفظ للبخاري).
  • الاجتماع على قراءة القرآن الكريم وذكر الله تعالى، عن أبي هريرة رضي الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”ما اجتمَعَ قومٌ في بيتٍ من بيوتِ اللَّهِ يتلونَ كتابَ اللَّهِ، ويتدارسونَهُ فيما بينَهم إلَّا نزلَت عليهِم السَّكينةُ، وغشِيَتهُمُ الرَّحمةُ، وحفَّتهُمُ الملائكَةُ، وذكرَهُمُ اللَّهُ فيمَن عندَهُ“رواه مسلم في صحيحه.
  • تحقيق الصحبة والإنجماع على الله، قال الله تعالى ” وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً “الكهف28 
  • التفرغ لعبادة الله والتقرب إلى الله بالذكر الكثير والتسبيح والاستغفار. سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي العباد أفضل وأرفع درجة عند الله يوم القيامة؟ فقال: “الذاكرون الله كثيرا”. قيل: ومن الغازي في سبيل الله؟ قال: “لو ضرب بسيفه في الكفار والمشركين حتى ينكسر ويختضب دما فإن الذاكر لله أفضل منه درجة“. أخرجه الترمذي عن أبي سعيد.
  • تجديد الإيمان، روى الإمام أحمد بإسناد حسن أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال”جددوا إيمانكم قيل: يا رسول الله كيف نجدد إيماننا؟ قال: أكثروا من قول لا إله إلا الله“.
  • الإكثار من الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم. عن أبي هريرة رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من سره أن يكال له بالمكيال الأوفى [وفي رواية أخرى لأبي هريرة: من سره أن يكتال بالمكيال الأوفى، إذا صلى علينا أهل البيت فليقل: اللهم صل على محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد) صحيح البخاري، مسلم
  • قيام الليل و التهجد. قال تعالى: يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1)قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا(4) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا )سورة المزمل
  • المرابطة في سبيل الله. يقول الإمام أحمد رحمه الله تعالى في مسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “منتظر الصلاة من بعد الصلاة كفارس اشتد بفرسه في سبيل الله على كشحه تصلي عليه ملائكة الله، ما لم يحدث أو يقوم وهو في الرباط الأكبر” وقال عليه الصلاة والسلام “من الرباط انتظار الصلاة بعد الصلاة”. ويقال فلان رابط الجأش إذا قوي قلبه. قال الله عز وجل في حق الفتية الذين رابطوا في الكهف: وربطنا على قلوبهم.
  • حفظ الصيام من كل ما يؤثر عليه من حظوظ النفس والشهوات.
  • تحري ليلة القدر، قال صلى الله عليه وسلم: ( من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ) – متفق عليه.

خاتمة:

الاعتكاف مدرسة للتدريب على المواظبة على يوم المؤمن وليلته، والتحلي بالأخلاق الفاضلة والصفات الحميدة، الاعتكاف مدرسة لتقوية الإرادة والعزيمة وبث روح الجندية في صفوف المؤمنين لاقتحام العقبات التي تعترض سلوكهم إلى الله…

والآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين اللهم اعتق رقابنا من النار ووفقنا لما تحبه وترضاه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: