فساد الذوق في اللباس… إلى أين؟

             بالأمس القريب كنا نجد غضاضة في ارتداء سرابيل بها ثقب أوعيب يشينها ونحرص على التسربل بثياب جميلة تواري سوآتنا ـــ ولابأس ــ تكون لنا زينة نقف بين يدي ربنا متسربلين بها خلال صلواتنا في المساجد والأماكن العامة، مع أن لباس التقوى يبقى خير لباس كما يقول الله جل في علاه :”يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد ” )سورة الأعراف الآية 31(، ويقول سبحانه:”يا بني آدم قد انزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير” )سورة الأعراف الآية 26(.

          واليوم أصبحنا نعيش ما أسميه: “فوضى اللباس” أو أزمة لباس ،لباس يتنكب مسار الفطرة السوية ، ويصادم الذوق السليم .ويكفيك أن تسير في شارع عمومي أو تغشى مجالس أو نوادي لترى ذلك رأي العين  وللأسف الشديد حتى المؤسسات التعليمية لم تعد بمنأى عن هذا الانحراف في اللباس :ارتداء سراويل ممزقة تحمل ثقوبا مبعثرة دون حرج أو حياء أو حشمة تنبئ عن مسكة دين !…

          فما السبب يا ترى ؟أهو التماهي مع الموضة العالمية بدعوى الحداثة ؟ وأي موضة وأي حداثة تنزع عن الناس ثوب الحياء والعفة ، وتشيع بالتالي السفور والفحش بينهم !ويا للحسرة! نتلقف ـــ نحن المسلمين ــ ذلك فرحين مرحين غير مبالين بالوعيد والعواقب الوخيمة والآثار المأساوية التي تنتج عن ذلك من تقليد أعمى وتسيب وانفلات أخلاقي وارتماء في أحضان التبعية العمياء ….إلخ

           أم أن السبب كذلك ناتج عن استقالة الآباء من مهمة التربية حتى آل أمر الأولاد إلى اليتم، ولله در “أحمد شوقي “حينما وصف هذه الحالة قائلا:

               ليس اليتيم من انتهى أبواه مـــن               هم الحياة وخلفاه ذليلا

               إن اليتيم هو الذي تلْفى لـــــــــــــــــه             أمّاً تخلـــــت أو أباً مشغولا

          أم السبب راجع إلى العولمة وثقافتها المصدرة إلينا والتي غزت بيوتنا دون استئذان أو سابق إعلام..، وإلى الإعلام الهابط الذي يتغيـى تكوين نموذج عالمي بزي موحد عَرِيّ عن أي بعد قيمي إلا الاخلاد إلى الأرض والجري وراء الثقافة المادية الشائهة،يلهث وراءها لهث الكلب !

          وغير خاف ما تلعبه وسائل الإعلام بمختلف أشكالها وتلويناتها من ترويج لشكل اللباس المجانب للفطرة السليمة ، الشيء الذي شوه الأخلاق ، وحطّم القيم ، وأشاع الانحلال والنكوص عن المبادئ والضوابط الشرعية ….

         كل أولئك في تقديري له نصيبه من جرم صناعة أزمة الستر وخلق فوضى اللباس التي استشرت في المجتمع وانتشرت فيه انتشار النار في الهشيم..

          فيا حسرة علينا ـــ نحن أمة الريادة والقيادة ـــ كيف آل أمرنا إلى الدعة والبطر والهوان والتباهي بتوافه الأمور وسفسافها ،حتى أضحى ديدن الناس اليوم التنافس على الدنيا وتشويه الحقائق ، وإفساد الأذواق السليمة وذبح الفطرة السوية التي فطر الله الناس عليها ، وكأننا خلقنا فقط للتفاهة والعبث من التفنن في قصات الشعر من قزع وغيره وارتداء سراويل ممزقة ضيقة فاضحة كاشفة للعورات يتساوى فيها الذكران والإناث .

            فغابت عنا قضايا أمتنا المصيرية :التنمية البشرية، البحث العلمي ،تحرير الأرض السليبة ، تحرير العقول من ربقة التبعية ،الاكتفاء الذاتي ،القضية الفلسطينية ….وغيرها من القضايا الحساسة ،والتحديات الآنية والمستقبلية التي تركناها وراءنا ظهريا، لأننا انشغلنا بفتات التفاهة المادية غير آبهين بلباب السمو الروحي والتقدم والرقي والمجد وصنع الحضارة…

             ولست في هذا المقام بصدد تعميم الأحكام على سائر الأنام ،ولكن مع الأسف هذا هو الغالب الشائع في دنيا الناس مما جعل الأمة تشرد عن غاية وجودها وتتيـه في بيداء الأوهام والهنات والأهواء، لتتداعى عليها الأمم من كل جانب وتفرقها شيعا وتؤزها شياطين الجن والإنس أزّاً …

          ومع كل هذه الغيوم المتلبدة في سماء المسلمين اليوم.. ،وحتى نكون منصفين غير متشائمين فإن من المسلمين أولي بقية ينهون عن الفساد وينافحون عن القيم السامية ويقبضون على دينهم كالقابض على الجمر ، هي فئة شريفة عفيفة لاتأل جهدا في تربية أبنائها وبناتها على خلق الفضيلة والعفاف والطهر والشهامة والنبل والحرص على ما ينفعها في دينها ودنياها…وبالتالي النأي بها عن الارتكاس في حمأة الرذيلة والتفاهة والنكوص والبلادة والتحجر في الفكر…

         ألم يان لنا أن نصطف في صف هؤلاء الصالحين المخلصين لنكون بنيانا مرصوصا ، ونؤوب إلى ينابيع شريعتنا السمحة التي بينت آداب اللباس و الزينة وأحاطتها بضوابط وقيود شرعية تراعي الذوق السليم والجمال الفطري ،ولنتأمل ـــ على سبيل المثال لا الحصرــــ الموقف والرد الشامخ للصحابي الجليل عبد الله بن عباس رضي الله عنه وأرضاه حينما قدم على الحرورية الخوارج ليحاورهم ويناظرهم فأنكروا عليه حُلّة جميلة كان يلبسها قائلا لهم: ” ما تنكرون علي ،لقد رأيت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أجمل ما يكون من الحلل” كما استدل بقوله جل ثناؤه: “قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة” )سورة الأعراف الآية32.(/ أخرج هذه الواقعة النسائي في الكبرى وفي خصائص علي والبيهقي في السنن والحاكم في المستدرك والطبراني في الكبير وعبد الرزاق في المصنف وهي صحيحة .

          وهذا البراء بن عازب رضوان الله عليه يقول :” ما رأيت أجمل من رسول الله صلى الله عليه وسلم مترجلا في حلة حمراء”. )أخرجه ابن ماجة في سننه ،باب لبس الأحمر للرجال(.

       يقول جل في علاه:  “لقد كان لكم في رسول الله إسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر” )الأحزاب الآية21(

                                                                      والحمد لله أولاً وآخراً.

                                                             

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: