ظاهرة الحرقة في المجتمع الجزائري (3) – البواعث والأسباب –

بعد بيان مرجعية الحرقة من حيث المفهوم وتوصيفها كظاهرة وذكر إحصائياتها بين مختلف الفئات، نثلّث الآن في هذه الورقة بكشف الغطاء عن الأسباب والبواعث التي شكّلت خلفيات الظاهرة وأدّت إلى ارتفاع حدّتها نحو دول شمال المتوسّط.

حيث لم تَعد الحرقة مجرّد ظاهرة ظرفية مؤقتّة، بل تعاظمت وتيرتها مع تعاظم آثارها ومخلّفاتها، الأمر الذي استدعى بذل الجهود وتكثيفها والتنسيق من أجل السيطرة عليها وردعها، من خلال اجتثاث الأسباب المؤدية إليها، ومن هذا المنطلق اكتسى البحث في أسباب هذه الظاهرة أهمية لا يمكن إغفالها؛ حيث إنّ استشراف الحلول والمقاربات بمنأى عن تلكم الأسباب لن يؤتي ثمارا البتّة.

1/ رسم الإشكالات:

ما هي أهمّ الأسباب والدوافع التي أشعلت فتيل ظاهرة الحرقة لدى الشباب الجزائري؟

وما مدى تأثير المذهب البرغماتي (النفعي المادي) في أوساط العلاقات الاجتماعية الشبابية في تصاعد الظاهرة؟

2/ نظم الأسباب والبواعث:

         كثيرا ما تسوقنا المبرّرات التي يتّخذها الشباب ذريعة لإقدامهم على “الحرْقة” إلى صعوبات في فهمها وكيفية التعامل معها، وغالبا ما تفهم تلكم التصريحات على أنّها البواعث الحقيقية وراء الظاهرة.     فيكفي أن يبرّر الشاب رغبته في “الحرْقة” بعجزه عن إيجاد عمل مرموق أو لظروف عائلية ومسؤولية صعبة، أو طمعا في بناء مستقبل فاره فلم يعد يجد في بلده مستقبلا ولا أملا، وغيرها من المبرّرات التي يسعون لأن تكون مقنعة للسّامع، لكن عند إنعام النّظر في الخلفيات نجد بواعث أخرى قد لا يصرّحون بها لعلمهم أنّها لن تلقى قبولا ولا استحسانا، وهي ما سنشير إليها ضمنيا أثناء سوقنا لأسباب الظاهرة ودوافعها.

ويمكن أن نقسّم أسباب الظاهرة إلى أسباب مباشرة وأسباب فاعلة فيها وأخرى مغذية لها وغيرها محفّزة عليها:

أ/ الأسباب المباشرة:

         في مقدّمتها الوضع الاقتصادي والاجتماعي الذي بات يشكّل نسبة لا تقلّ عن 70 %من الأسباب المؤدية للظاهرة، فإذا كانت الحالة الاجتماعية تمثّل الحراك الأساسي، فإنّ الاقتصادية منها تشكّل حجر الزاوية فيها؛ لتتجلى فيما يلي:

ارتفاع مستوى البطالة في الوسط الشّبابي والتي تقدّر بحوالي 23.7% حسب تقرير المجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي، بسبب انعدام فرص العمل في القطاعات المنظّمة.

التّهميش الذي يعيشه الشّباب خاصة خريجي الجامعات والمعاهد وحملة الشهادات، وعجز المؤسسات عن استيعابهم (حيث يتخرج سنويا من الجامعات الجزائرية ما يقارب 300 ألف طالب) وتحقيق طموحاتهم وآمالهم ممّا يؤدي إلى الإحباط الفردي والسّخط الجماعي؛ ومن ثمّ الانخراط في الثقافة الهامشية والتي من مظاهرها الحرقة.[1]

التوزيع الغير العادل للثروات الوطنية والتفاوت في الدخل القومي؛ مما أدّى إلى انخفاض الأجور وتدنّي مستويات المعيشة.

محدودية الدّخل الفردي وضعف القدرة الشرائية خاصة بعد تدهور قيمة العملة المحليّة الوطنية.

إقصاء فئات الشعب الجزائري من المشاركة في السياسات التنموية للبلاد على عكس مشاركته في تحريرها.

العجز عن التكوين الذاتي المستقبلي وبناء الأسرة لارتفاع تكاليف العيش.

ب/ الأسباب الفاعلة في الظاهرة:

غياب المشروع الاقتصادي الوطني، الذي بإمكانه الإسهام في حلّ مشكل ظاهرة الحرقة وغيرها من المشاكل حلاّ منهجيا وجذريا، حيث لا تزال الجزائر ومنذ فترة الاستقلال تعتمد على الرّيع البترولي وعلى الاستيراد الذي يعرّض ميزانية الدولة للاستنزاف.[2]

ضعف الاستثمار وانعدام المشاريع التنموية المحليّة ممّا أدّى إلى التذبذب واللّاستقرار والتّباطؤ في النّشاط الاقتصادي وندرة رأس المال ليتحققّ مسمى الرّكود.

الحكم الغير الراشد الذي أدّى إلى انعدام الاستغلال العقلاني للموارد المالية التي تتمتّع بها البلاد.

الفشل في المجال الاقتصادي مؤدّاه خيارات سياسية فاشلة، نجم عنها انتشار الفساد في الأنظمة وغياب حريّة التعبير عن الرّأي وانتهاك الحقوق.

ج/ الأسباب المغذية للظاهرة:

انتشار المحسوبية والبيروقراطية الإدارية والجهوية في نيل المطالب والحاجيات، التي وصلت إلى درجة الاستخفاف بكرامة المواطن.[3]

التفاوت الطبقي بين أفراد المجتمع الواحد حيث الثراء الفاحش في مقابلة البطالة والفقر والعوز.

تآكل القيّم والأخلاق الاجتماعية وتنامي ظواهر الفساد والتفكّك الأسري والعنف والإجرام.

ضعف الوازع الديني ونقص الوعي في الوسط الشّبابي.

انتشار ظاهرة العنف خاصة عنف الملاعب المحرّض على الحرقة.

الانتشار الواسع لشبكات التهريب والاتّجار بالحرّاقة وتشجيعهم عليها بتوفير المراكب وتهيئة السُبل.

د/ الأسباب المحفّزة على الظاهرة:

صور النجاح الاجتماعي التي تبدو على المهاجر حال عودته لبلده حيث يتفانى في إظهار بوادر الغنى والثراء، ممّا يسهم في تنامي روح الحرقة لدى الشّباب.

إسهامات وسائل الإعلام المرئية ومواقع التواصل الاجتماعي، في استقطاب المشاهدين بمغريات الغرب، وترويجها للمستوى المعيشي وعرض التجارب والقصص الناجحة في الحرقة، ممّا يزيد من الإصرار على شدّ الرّحال.

الميولات الشخصية للأفراد بحيث تبرز هذه الأخيرة من خلال المكبوتات والرغبات الشخصية في البحث عن تحقيق التفوق الذاتي والاجتماعي.

 – التقليد الأعمى والاندماج الثقافي والانبهار بالغرب في كافة المجلات الذي صحبه نبذ العادات والتقاليد المتوارثة واستيراد ثقافات غربية بحذافيرها وقشورها. فالمغلوب دائما مولع بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيّه ونحلته وسائر أحواله على قول ابن خلدون رحمه الله[4] وهذه هي ضريبة التبعيّة.

3/ المذهب البرغماتي النفعي المادي ودوره في تصاعد الظاهرة في المجتمع الجزائري:

         المقصود بالمذهب البرغماتي النفعي المادي هو تلك الفلسفة القائمة على البحث وممارسة كلّ الطرق لتحقيق الأهداف والغايات المرغوبة، ولا تعنى بالنّظر إلى مبادئ الأمور وفي في أسباب نشأتها ولا إلى ماذا سيكون مصيرها، بل تعنى فقط بالنتائج الفعلية النافعة المربحة.

         وبالنّظر إلى مراحل التغير الاجتماعي التي مرّ بها المجتمع الجزائري بدءا بفترة الاستدمار حيث المرحلة التقليدية التي تميزت بانخفاض التعداد السكاني ونشوء العلاقات الوثيقة وترسّخ القيّم الارتباط بالأرض والأهل، إلى المرحلة الانتقالية خلال فترة السبعينات والثمانينات حيث ارتفاع عدد المواليد وتضاعف معدلات السكان، ما نجم عنه ظهور احتياجات خرجت عن نطاق التواجد المكاني وبالتالي نشوء الهجرة خاصة الداخلية من الريف إلى الحضر.

         وصولا إلى مرحلة المجتمع المتقدّم مع بداية التسعينات إلى يومنا هذا، تزامنا مع ما شهدته الجزائر من أوضاع أمنية وسياسية أدّت إلى تعدّد أنماط التفاعل الاجتماعي بين الأفراد وتعدّت الحيّز الداخلي إلى البحث عن المنافع المادية وتحوّل الوجهة نحو الهجرة الخارجية باعتماد كلّ السبل المتاحة ومن بينها الهجرة غير الشرعية نحو الدول الأوروبية وخاصة فرنسا، لتحسين الأوضاع وتحصيل الثروات .

         من هذا المنطلق تفسّر لنا نظرية التغيّر الاجتماعي[5] ظاهرة الحرقة في المجتمع الجزائري من منظور انتشار المذهب البرغماتي النفعي المادي، حيث تترّسخ قناعات الشباب بتأثرهم بمحيطهم ومن حولهم، فترسّمت لديهم الفكرة نتيجة النجاح الذي حققّه من سبقوهم في تجسيد أهدافهم وتحسين مستواهم في أقصر الأوقات، فلا تكاد تُطرح مسألة العمل في خطاباتهم “الحرّاقة” ضمن ثنائية العمل والبطالة، و إنّما يطـرح موضوع العمـل لديهم في عـلاقته بالنجاح الاجتماعـي، وكأنّه من المسلّمٌ به في مخيلتهم أن يؤدي هذا النشاط إلى جمع الثروة في وقت قياسي.وفي حين لم يحقق ذلك، فلا جدوى من ممارسته، فالعمل مرتبط في أذهانهم بالثروة معتقدين في الوقت نفسه أنّ العمل في بلادهم لا يحقق لهم ذلك بينما في الخارج يؤدي إلى التحصيل الآني والآلي للثروة. وعليه فإنّ تلكم التّصورات الفكرية التي اعتنقوها والإغراءات زادت من إصرارهم وتمسّكهم باتخّاذ قرار الحرقة أيّا كانت الظروف.

وفي ختام القول:

         تبقى ظاهرة الحرقة تشكّل مأساة وطنية تتزايد وتتضاعف حدّتها مع تفاقم المعوّقات والمشاكل التي يعيشها المجتمع الجزائري، ليبقى مفهومها عند الحرّاقة مجرّد بحث عن مستقبل وحياة هانئة مهما اعترتها المخاطر وجرّمتها القوانين، وتبقى الحلول كامنة في معالجة ودحض تلكم المشاكل خاصة الاقتصادية منها والاجتماعية، وتحقيق مستوى الرفاهية الذي يجعلهم في منأى عن التفكير في الحرقة وهجر البلد.

         وعليه ستكون لنا وقفة بإذن الله لمحاكمة هذه الظاهرة بالميزان الشّرعي ومن ثمَّ استشراف بعض الحلول والاستراتيجيات للحدّ من مخاطرها والتّقليل من مسبّباتها.


[1] – الهجرة السرية في المجتمع الجزائري, محمد رمضان, كلية الآداب والعلوم الإنسانية والعلوم الإجتماعية, تلمسان.ص208.

[2] – نصائح في الشأن العامّ, ظاهرة الهجرة غير الشّرعية, هيئة الاستشارات الشرعية, مؤسسة الأصالة, الجزائر, ص2.

[3] – المرجع نفسه, ص2.

[4] – المقدّمة, عبد الرحمن بن خلدون, دار الجيل, بيروت, ج1, ص162.

[5] – معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية, أحمد زكي بدوي, مكتبة لبنان, بيروت, 1986م, ص382.

اظهر المزيد

مختارية بوعلي

مختارية بوعلي/ الجزائر باحثة في طور الدكتوراه تخصص مقاصد الشريعة الإسلامية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: