ضوابط لإنجاح حوار الحضارات

المطلب الأول: في ماهية الحوار[1]

الحوار اليوم هو من “روح” العصر وإحدى ظواهره المهمة، وقد تميز عصرنا بثورة الاتصال التي هي إحدى ثمار ثورة العلم التي تفجرت فيه، ومن ثورة الاتصال هذه بأجهزتها السلكية واللاسلكية المسموعة والمرئية، وبوسائلها البرية والجوية قوي “التواصل بين بني الإنسان، واتسعت دائرة الحوار وتنوعت موضوعاته بصورة لم تعرفها الإنسانية من قبل”، ويشهد على هذا العدد الضخم للمؤتمرات والندوات والاجتماعات التي تعقد كل يوم في عالمنا وتنوع الموضوعات التي تبحثها، ويدخل موضوع الحوار في إشكالية العلاقة مع (الآخر) بصفة عامة.[2]

المطلب الثاني: في ماهية الحضارة

إن المعاجم العربية مجمعة على أن كلمة (حضارة) تقابل كلمة(بداوة)، وكذلك كلمة(حضارة ) تقابل كلمة(بادية)، وخلاصة ما في المعاجم عن مادة “حضارة” تنتهي بنا إلى أن الحضارة مجرد الحياة في المدينة على حين تكون البداوة مجرد الحياة في البادية.

وظلت الكلمة بجميع مشتقاتها على هذا المدلول ولم تتحول عنه إلا لمعناها القديم وجاوزته إلى مدلول آخر هو التعبير عن ارتقاء المجتمع وارتفاعه عن المستويات البدائية.[3]

وقد عرف ول ديوارنت الحضارة بأنها ” نظام اجتماعي يعين الإنسان على الزيادة من إنتاج الثقافة، وإنما تتألف الحضارة من عناصر أربعة، الموارد الاقتصادية والنظم السياسية والتقاليد الخلقية ومتابعة العلوم والفنون”.[4]

والحضارة عند ابن خلدون: إنما هي تفنن في الترف وإحكام الصنائع المستعملة في وجهه ومذاهبه من المطابخ والملابس والمباني والفرش والأبنية وسائر عوائد المنزل وأحواله…وهي أحوال عادية زائدة عن الضروري من أحوال العمران زيادة تتفاوت بتفاوت الرفه وتفاوت الأمم في القلة والكثرة تفاوتا غير منحصر.[5]

المطلب الثالث: ضوابط لإنجاح حوار الحضارات

إن الحوار حول قضية ما، أو إشكاليات في العلاقة يحتاج إلى توافق الأطراف على نحو يحقق مصلحة الجميع على حد سواء، وبذلك لابد أن يحقق الحوار أفاقه ويحقق هدفه الأهم المتمثل بتجاوز إشكالية التصادم، ولكن ذلك لا يمكن أن يتحقق إلا وفق ضوابط تتحقق في طرفي أو أطراف الحوار، ومن هذه الضوابط على النحو التالي:

1. التوازن في القوى من أهم شروط الحوار:

فلا ينبغي للضعيف أن يتوهم أنه يكون طرفا في حوار وهو في حالة ضعف، فلا بد له قبل الحوار أن يتجاوز حالة الضعف، وأن يحقق توازن ولو في حدود معينة مع الطرف الذي يرشح نفسه للحوار معه، فذلك التوازن ضروري للضعيف لبلوغ مستوى الشريك في الحوار، فإذا توازنت القوى كان هناك مجال للحوار..[6]

2. الاحترام المتبادل:

إن ظواهر الأحادية، والانتقاص من شأن الآخرين، والسعي إلى بسط الهيمنة عليهم، وإلا فإرهابهم، وملاحقتهم، والمظاهرة عليهم – لا تعكس بحال أي نوع من الاحترام المتبادل، وإن صح تقييم تلك الظواهر على جانب آخر فإنما يعكس- بمرارة- عدم احترام أولئك الآخرين أنفسهم وتراثهم، فحق فيهم الضعف والارتخاء وقلة الفاعلة، وتبددت هيمنتهم في نفوس أندادهم.[7]

3. المعرفة المسبقة بالطرف الآخر:

نظرا لتفاوت عقول الناس وأفهامهم ومستويات علمهم، فإن المحاور الفطن يعرف من يحاور، وبالتالي يعرف الطريقة التي ينبغي له أن يناقشه بها ويحاوره.[8]

ومن الضرورة أن يعرف كل محاور الطرف المقابل له معرفة دقيقة فيعلم شيئا عن ظروفه وبيئته وقدرته ومنزلته وعلمه وأحواله فيخاطبه بما يحقق الغرض، ويصل به إلى المطلوب من أيسر طريق.

4. ملائمة الموضوع:

على المحاور أن يتذكر أنه مطالب بحسن انتقاء الموضوعات التي يطرحها، وأن يكون الموضوع يندرج تحت اهتمام السامعين. فما يصلح أن يقال أمام الخاصة لا يصلح أن يطرح أمام العامة وما يتقبله الناس في بلد قد يرفضونه في بلد آخر.[9]

5. الصدق:

عند الحوار لابد من احترام الحقيقة والقيام بمسئولية الكلمة، والحوار الهادف المبارك هو الحوار الصادق الذي يطمئن كل طرف فيه إلى الآخر، أما اللجوء إلى الغموض والمراوغة فإنه قلة في الإخلاص وضعف في النفس، ويؤدي إلى فقدان الثقة بين الطرفين ومن ثم إلى فشل الحوار.[10]

6. البحث عن مواطن الاتفاق:

إن بدء الحديث والحوار بمواطن الاتفاق طريق إلى كسب الثقة وفشوٍّ روح التفاهم. ويصير به الحوار هادئا وهادفا.

والحديث عن نقاط الاتفاق وتقريرها يفتح آفاقا من التلاقي والقبول والإقبال، مما يقلل الجفوة ويردم الهوّة ويجعل فرص الوفاق والنجاح أفضل وأقرب، كما يجعل احتمالات التنازع أقل وأبعد.

والحال ينعكس لو استفتح المتحاورون بنقاط الخلاف وموارد النزاع، فذلك يجعل ميدان الحوار ضيقا وأمده قصيرا، ومن ثم يقود إلى تغير القلوب وتشويش الخواطر، ويحمل كل طرف على التحفّز في الرد على صاحبه متتبعا لثغراته وزلاته، ومن ثم ينبري لإبرازها وتضخيمها، ومن ثم يتنافسون في الغلبة أكثر مما يتنافسون في تحقيق الهدف.[11]

7. الالتزام بوقت محدد في الكلام:

ينبغي أن يستقر في ذهن المحاور ألا يستأثر بالكلام، ويستطيل في الحديث، ويسترسل بما يخرج به عن حدود اللباقة والأدب والذوق الرفيع.

يقول ابن عقيل في كتابه فن الجدل ) وليتناوبا الكلام مناوبة لا مناهبة، بحيث ينصت المعترض للمستدل حتى يفرغ من تقريره للدليل، ثم المستدل للمعترض حتى يقرر اعتراضه، ولا يقطع أحد منهما على الآخر كلامه وإن فهم مقصوده من بعضه).

وقال: (وبعض الناس يفعل هذا تنبيها للحاضرين على فطنته وذكائه، وليس في ذلك فضيلة إذ المعاني بعضها مرتبط ببعض وبعضها دليل على بعض، وليس ذلك علم غيب، أو زجرا صادقا، أو استخراج ضمير حتى يفتخر به)[12]

8. العلم:

لابد للإنسان أن يتكلم بعلم، فلا يقول شيء إلا ويعلم مستنده، ويعرف دليله، لئلا يكون ممن يتكلم بأمور لا يعرف الحق فيها، ولا يسندها إلى علم صحيح.[13]

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وقد ينهون عن المجادلة والمناظرة إذا كان المناظر ضعيف العلم بالحجة وجواب الشبهة فيخاف عليه أن يفسده ذلك المضل) [14]


[1] – من الحور: الرجوع عن الشيء وإلى الشيء، يقال حار إلى اشيء وعنه حوار ومحارا ومحاورة وحؤورا: رجع عنه وإليه، والحوار: من الحور وهو التردد، وحار المائ في الغدير تردد فيه، وحار في أمره: تحير، قال رسول الله صلى الله علبه وسلم “اللهم إني أعوذ بك من الحور بعد الكور “.وقوله تعالى:{ قال له صاحبه وهو يحاوره}الكهف:37.وما رجع إلى المرء حين يكلم آخر هو”حوار (بفتح الحاء وكسرها) ومحاورة وحوير ومحورة ” أي “جواب”. وأحار عن جوابه أي رده.ويقال “سمعت حويرهما وحوارهما “.والمحاورة هي المجاوبة، والتحاور هو التجاوب، وهم يتحاورون أي يتراجعون في الكلام، والمحاورة هي مراجعة المنطق والكلام في المخاطبة.

(لسان العرب، مادة حور)

[2] – حوار الحضارات والظاهرة الاستغرابية الإسلامية، الدكتور محمد البنعيادي، ط2، 2019م، مطبعة وراقة بلال المغرب، ص17.

[3] – نفسه، ص 14.

[4] – قصة الحضارة: ول ديورانت، ص31.

[5] – المقدمة، لابن خلدون، تحقيق درويش الجويدي المكتبة العصرية صيدا،ص 160- 241.

[6] – الخصوصية والعالمية في الفكر الإسلامي المعاصر،قضايا إسلامية معاصرة، طه جابر العلواني، ط.1، 1424ه-2003م، دار الهادي، بيروت-لبنان،ص 126.

[7] -حوار الحضارات –إشكالية التصادم، وآفاق الحوار، حقائق ومفاهيم لاينبغي أن تغيب، الويشي- عطية فتحي،ط.1،1422ه-2001م، مكتبة المنار الإسلامية،الكويت، ص274.

[8] – الحوا في الإسلام، عبد الله بن حسين الموجان،الطبعة الأولى،1427ه-2006م، ص81.

[9] -المرجع السابق،ص 84.

[10] – المرجع السابق، ص 79.

[11] – أصول الحوار وآدابه في الإسلام، صالح بن عبد الله بن حميد، الطبعة الأولى، 1415ه-1993م، دار المنارة للنشر والتوزيع جدة –مكة، ص 12.

[12] – علم الجدل، ابن عقيل، ص 13.

[13] – آداب الحوار، للدكتور. سعد بن ناصر الشثري، الطبعة الأولى 1427ه-2006م،دار كنوز إشبيليا للنشر والتوزيع،-بتصرف- ص 17.

[14] – أنظر درء تعارض العقل والنقل،ابن تيمية، المحقق: محمد رشاد سالم،ط1991م، ( 7/173).

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. جيد ونحن في حال نحتاج فيها إلى ضوابط الحوار للتعايش والتعاون مع الأفراد والمجتمعات والكون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: