كل معاملة فيها غرر أو جهالة فيما يقصد فهي باطلة.

  سلسلة قواعد فقهية في المعاملات المالية:

8/ كل معاملة فيها غرر أو جهالة فيما يقصد فهي باطلة.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي الأمين، وعلى آل بيته وأزواجه، وأصحابه، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

 إن أصل المعاملات المحرمة يرجع تحريمها إلى ثلاث قواعد:

قاعدة الغرر. وقاعدة الغش والتحايل. وقاعدة الربا.

  وسأحــلل هنا قاعدة تتكلم عن القاعدة الأولى وهي قاعدة الغرر؛ كل معاملة فيها غرر أو جهالة فيما يقصد فهي باطلة“، كما يلي:

1- مضمون القاعدة:

2- حُــجية القاعدة:

3- تطبيقات القاعدة:

4- مستثنيات القاعدة:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- مضمون القاعدة:

أ- شرح المصطلحات:

* الغرر؛ لغة: اسم مصدر لـ غرَّ يغرّ، وهو دائر على معنى النقصان والخَطَر والتعرض للهلاك. والغرَرَ بفتحتين هو الخطر وهو ما لا تعلم عاقبته، أي أن عاقبته مجهولة إما لعدمه وإما للعجز عنه وإما للجهل بقدره ووصفه.

واصطــلاحا؛ الغرر: هو المجهول العاقبة، كما قال ابن تيمية رحمه الله.

وعرفه أبو يعلى فقال: ما تردد بين أمرين ليس أحدهما أظهر. 

وعرفه ابن القيم بتعريف جامع فقال: بأنه مالا يعلم حصوله، أو لا تعرف حقيقته ومقداره.

فالغرر ما كان له ظاهر يغر المشتري وباطن مجهول, 

أما ضوابط الغرر الممنوع في المعاملات، فهي:

1- أن يمكن التحرز منه دون حرج ومشقة.

2- أن يكون الغرر كثيرًا غالبًا على العقد.

3- أن يكون في عقود المعاوضات، وما يشبهـها.

* الجهــالة؛ هي: عدم المعرفة بالشيء. وقيل: ما علم حصوله ولكن جهلت صفته.

   والفرق بين الجهالة والغرر:

– إذا كان خفاء العيب بالسلعة غير مقصود فهو جهالة، وإن كان مقصوداً فهو تغرير مذموم. 

– إذا كانت صورة البيع بحالة يحتمل معها وجود العيب، وإن لم يكن مقصوداً من البائع فهو غرر أيضاً. وكل غرر فهو جهالة، ولا عكس، فالجهالة أعم من هذه الجهة. 

فالغرر أعم من الجهالة من حيث صور البيع، المنهي عنها، ويجمعها أن الغرر هو البيع المجهول العاقبة، وفيه ظلم واعتداء.

– شرح القــاعدة:

   الغرر والجهالة من العيوب التي ترد بها المعاملات، وتُـبطلها، وهذه القاعدة ضمن قواعد الغرر، وتفيد أن كل معاملة اشتملت على غرر وجهالة فيما يقصد في البيع فهي معاملة باطلة أي أن الغرر إذا كان في الشيء المقصود أبطله.

 وقولهم “فيما يقصد” هو قيد مهم، ومعناه؛ أن يكون الغرر والجهالة مقصودين.

2- حُــجية القاعدة:

الأدلة على هذه القاعدة كثيرة نذكر منها: 

– عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر). فنهى عن بيع الغرر وهو بيع الحصاة وهو أن يقول البائع للمشتري: ارم هذه الحصاة فأي ثوب تقع عليه فعليك بكذا أو أن يبيعه من أرضه ما انتهى إليه رمي الحصاة وغير ذلك، فهذا البيع محرم لأنه معاملة فيها غرر وجهالة مقصودين. 

– عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع فضل الماء وعن بيع ضراب الجمل). ورواية الإمام البخاري من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن عسب الفحل). وهو أن يستأجر فحل الإبل أو البقر أو الغنم أو غيرها لينـزو على الإناث) وعسبه ضرابه والمراد من الحديث النهي عن أخذ الأجرة على ضراب الجمل فهو دليل على تحريم استئجار الفحل، والأجرة حرام، وذلك لأن ماء الفحل غير متقوم ولا معلوم ولا مقدور على تسليمه، وهذا هو مذهب الجمهور، والمقصود أن هذه المعاملة وهي استئجار الفحل للضراب لا تجوز لما فيها من الغرر والجهالة. والمخرج من ذلك هو عارية الفحل فقد أجمع العلماء على جواز عاريته.

– عن أبي سعيد الخذري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نهى عن المنابذة وهي طرح الرجل ثوبه بالبيع إلى الرجل قبل أن يقلبه أو ينظر إليه ونهى عن الملامسة وهي لمس الثوب لا ينظر إليه). فهاتان المعاملتان محرمتان باطلتان وذلك لوجود الغرر والجهالة مع القصد، فإن انعقاد البيع ووجوبه بمجرد اللمس والنبذ من غير نظرٍ ولا تأمل ولا تقليب للمبيع نوع من الغرر والمخاطرة.

– عن نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: (نهى النبي عن بيع حبل الحبلة)، قال ابن عمر أو نافع: (كان الرجل يبتاع الجزور إلى أن تنتج الناقة ثم تنتج التي بطنها). وهذه المعاملة لا تجوز لأن فيها غرر وجهالة فيما يقصد فإن ولد الناقة في حيز المجهول والمعدوم  ولا ندري هل سيوجد أم لا فلا هو موجود ولا مقدور على تسليمه فهو إذاً من بيع الغرر وكل معاملة فيها غرر وجهالة فيما يقصد فهي باطلة. 

عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نهى عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، نهى البائع والمشتري).

3- تطبيقات القاعدة:

– قال الفقهاء رحمهم الله: “ولا يصح بيع العبد الآبق ولا الجمل الشارد ولا طيرٍ في هواء ولا سمك في ماء ولا صوفٍ على ظهر”. فهذه المعاملات لا تجوز لأنها مشتملة على غرر وجهالة؛ وهو عدم القدرة على التسليم. 

بيع المغصوب: إذا غصب رجل عيناً فهل يجوز لصاحبها أن يبيعها؟ في ذلك تفصيل: إن كان سيبيعها على غاصبها فهذا بيع صحيح لأنها الآن في يده فالتسليم حصل لوجودها في حوزته فلا غرر ولا جهالة، وإن كان سيبيعها على قادر على أخذها من غاصبها فهذا أيضاً بيع جائز لأنه يغلب على الظن قدرته على أخذها منه، 

وأما إن باعها على غيرهما فلا يصح البيع لأن الغرر والجهالة موجودة متحققة وهو عدم القدرة على التسليم. 

– عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم: (نهى عن شراء ما في بطون الأنعام حتى تضع وعن بيع ما في ضروعها وعن شراء العبد وهو آبق وعن شراء المغانم حتى تقسم وعن شراء الصدقات حتى تقبض وعن ضربة الغائص). 

 وبيان ذلك: ما في بطون الأنعام لا يُـعلم وغير مقدور على تسليمه وهذا غرر، وما في ضروعها مجهول أيضاً ولا يعلم مقداره وهذا غرر، والعبد إذا كان آبقاً فلا ندري هل نقدر على تسليمه أم لا؟ وهذا غرر. والمغانم قبل قسمتها على الغانمين لا ندري عن أعيانها وهل يأتي لهذا الرجل القائم ما عقد عليه البيع أم لا؟ وهل سيقدر على تسليمه أم لا وهل ستقسم الغنائم أصلاً أم لا؟ ولأنها قبل قسمتها لم تدخل في ملكيته إلا على وجه العموم لا على الخصوص وملكيتها على وجه العموم مشتركة بين الغانمين جميعاً وكل ذلك غرر وجهالة.

– عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (نهى عن بيع الثمار حتى تزهي، قيل: وما تزهي؟ قال: حتى تحمر). ولتعليل هذا النهي قال: “أرأيت  إذا منع الله الثمرة، بم يستحل أحدكم مال أخيه!؟”. فهذه المعاملة وهي بيع الثمار قبل بدو صلاحها منهي عنها إلا بشرط: القطع في الحال وذلك لأن الثمرة قبل بدو صلاحها معرضة لكثير من الآفات ، فعاقبتها قبل بدو صلاحها مجهولة وهذا نوع غرر وجهالة.

– لا يجوز لمستق الزكاة بيع زكاته قبل قبضها لأنه لم يتحقق من ملكيتها بعينها ولا يقدر على تسليمها مادامت عند المزكي. 

– تحريم ضربة الغائص، وهي: أن يقول المشتري لمن يغوص في البحر إن ما تخرجه من السمك في هذه الغوصة علي بكذا وكذا وهذا فيه غرر وجهالة وذلك للجهل بقدر ما يحصله الغائص في ضربته هذه ولأنه وقت العقد غير مالك للمبيع ولا بمتحقق من القدرة على تسليمه.

– عن حكيم بن حزام رضي الله عنه مرفوعاً : (لا تبع ما ليس عندك) .

 والمعنى أنه لا يجوز للإنسان أن يبيع ما ليس في ملكه وحوزه، وذلك لأنه إذا باع ما ليس عنده فليس على ثقة من حصوله فإنه قد يحصل وقد لا يحصل وهذا جهل للعاقبة وهو الغرر فهذه المعاملة وهي بيع ماليس عنده معاملة فيها غرر وجهالة فيما يقصد وكل معاملة فيها غرر وجهالة فيما يقصد فهي باطلة. 

وليس السلم داخلاً في ذلك لأن السلم بيع موصوف في الذمة بشرط.

4- مستثنيات القاعدة:

 إذا كانت الجهالة والغرر فيما لا يقصد بالبيع فإنها حينئذٍ مغتفرة، فهو مما يتسامح بمثله، ومن أمثلة ذلك:

– بيع الدابة ذات اللبن، فإن هذا الغرر فيه والجهالة لا تؤثر في صحة البيع.

– بيع الدابة الحامل إذا قصد شراء الدابة نفسها من غير إفراد الحمل بثمنٍ مستقل فهو جائز لأن الحمل يدخل في البيع تبعاً لا قصداً. 

– شراء البيت مع الجهل بأساساته ونحوها لا يضر لأنها تدخل في البيت تبعاً فليست هي مما يقصد بعينها في البيع. وشراء الدابة ذات الصوف والوبر فإنه يجوز والجهالة بمقداره لا تضر لأنه ليس هو المقصود من البيع والشراء فهو تابع و”التابع في الوجود تابع في الحكم”.

 – شراء مزرعة فيها ماء فيه سمك لا بأس به؛ إذا لم يفرد السمك بالبيع لأن المقصود شراء المزرعة كلها فلا تضر الجهالة بقدر السمك الذي فيها لأنه تابع للمزرعة و”التابع تابع”.

– شراء مزرعة فيها أبراج حمام ولا نعلم قدره لا بأس بذلك لأن الحمام ليس مقصوداً بعينه بالبيع وإنما المقصود المزرعة على وجه الإجمال فهو تابع لها. 

والحمد لله رب العالمين.

  

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: