سر المال الخفي

سر المال الخفي: الجواب لا يعرفه الأغنياء.. اعترافات ابن عوف وبيل غيتس..

(بقلم: هشام شرنوبي ومصطفى شقرون)

لا حديث إلا عن المال: كتب تنشر على نطاق واسع وتداريب ومحاضرات تلقى هنا وهناك وبرامج مواكبة وما لا حصر له من وسائل.. كل هذا الاهتمام المتزايد إنما يعكس قوة تأثير المال على الأفراد والأمم.. قاسم هذه الوسائل المعتمدة المشترك أنها تحاول استقراء سير أغنى أغنياء العالم لفهم سر اغتنائهم.. تفصل في حياة الأثرياء علّها تعثر على المحطات أو القرارات الحاسمة التي أدّت إلى اغتنائهم المثير..
لكن كل محاولات تعليم فن الاغتناء ووصفاته تبدو بدون جدوى..
بقي أن نسأل الأغنياء أنفسهم..
غالبا ما نلتقي في إطار عملنا بعدد من الأغنياء الذين أسسوا شركات رائدة في مجالها.. نسألهم بعد انتهاء مهمتنا – طبعا بعد أن تستتب الثقة بيننا- عن أهم العوامل التي أدت إلى اغتنائهم.. والغريب أن لا أحد منهم استطاع تبين أسباب محددة أدت إلى الثراء الذي هم فيه..
يلخص عبد الرحمن بن عوف وبيل غيتس سرّ تميّزهم المالي في تصريحين متشابهين..
يعتبر ابن عوف (1) وغيتس (2) من بين أثرى أثرياء الأرض عبر التاريخ. فاقت ثروة ابن عوف 132 بليون دولار (3) . وبلغت ثروة غيتس 90 بليونا (4).
يقول ابن عوف المتفوق في ميداني التجارة الدّولية والزراعة متعجّبا من سهولة تدفّق المال عليه.. ‘لقد رأيتني لو رفعت حجرا لوجدت تحته فضة أو ذهبا”..
من جهته اعترف غيتس قائلا “لا استحق ثروتي.. لا أحد يستحق ثروته.. هي مسألة توقيت مناسب.. مسألة (حظّ).. ونتيجة لقاء أشخاص عملت معهم”..

لا يجب علينا اخذ الدرس الخطأ من القولتين فنتواكل وننتظر حصول معجزة..

شاركنا غيتس –صادقا نظنه- حيرته اتجاه طريقة اغتناءه.. حتى أنه حكم على نفسه بأنّه لا يستحقها.. والمثير في الأمر أنه قرّر توجيه ماله باتجاه مشاريع خيرية..

لكن الجانب الإنساني في الإنفاق كان –ولا يزال ليومنا هذا- أكثر فعالية ومردودية عند ابن عوف.. ذلك أنه تعدّى حياته لأجيال بل لقرون عبر نظام الوقف الدّقيق والفريد.. (للإشارة لم ندخل أصول أوقاف ابن عوف -ولا ناتجها السنوي لقرون- في حسابنا لثروته وإلا لفاقت بأضعاف تقديراتنا)..

لا يثير ابن عوف مسألة الحظّ بتاتا رغم استغرابه من انهمار المال عليه.. ربما لحكمة تشربها.. حكمة توازن بين ما يستطيع العقل فهمه وما لا يستطيع..
ربما لم يفهم كلية سرّ مجيء المال.. لكنّه فهم كيف وأين يكون ذهابه.. لأنه فهم أنّه هبة من الله –تماما كهبة العقل والقلب و باقي الحواس والجسم والصحة ووو.. – هبة تقرّب إلى الله إذا ما استعملت في مكانها الصحيح.. هبة تساعد على تهيئ السفر إلى الدار الآخرة..

لا يحب العقل الاعتراف بقصور العقل عن فهم “سر المال”.. فيفسره ب”الحظ”..
تماما كما فسر العقل “سر الحياة” ب”الحظ” والصدفة عندما فشل فشله الذريع في فهم بدء الخلق..

“الحظ”.. دائما وأبدا..
تفسير بدائي، خرافي، لا منطقي، لا رياضي..
والأهم من ذلك كله أنه تفسير لا فطري.. لا يقنع طفلا..
تفسير يائس.. محدود في آلياته ومصادره.. ومحدود بالتالي في مآله..

عبر حلقات “سر المال الخفي” سنستعمل كل الوسائل الممكنة.. والحواس المتاحة لدينا لسبر أغوار الحياة والمال.. سنسمع بعقلنا وسنسمع بقلبنا.. نسمع ما يقوله الأغنياء ونسمع ما يقوله المتخصصون.. لكن قبل ذلك وبعده.. سنسمع من وحي صاحب المال الأول.. الغني.. سبحانه..

لا مكان للحظ.. بعد اليوم..
المسألة أدق من ذلك.. وبمقدار محكم..

(إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) -سورة القمر أية 49-


(1) عاش في القرن السابع الميلادي. من أصحاب رسول الإسلام سيدنا محمد صلّى الله عليه وسلّم.
(2) معاصر. مبرمج معلوماتي ورجل أعمال أمريكي
(3) حسب المصادر التاريخية المتوفرة لدينا فقط. قيمت أملاك الصحابي بثمنها المعروف في تلك المصادر (الدور والأنعام والنخيل والرقاب التي أعتق والأفراس وميراثه إلخ..) ثم حولت القيمة من الدينار الذهبي والدرهم إلى الدولار القارّ الدّولي 1990 (المعتمد على القوة الشرائية PPP) ثم قورنت القيمة مقارنة نسبية مع الدخل العالمي وعدد ساكني الأرض عبر القرون (إحصاء ماديسون من سنة 1 ميلادي إلى سنة 2008 ثم قمنا بتحيين الإحصائيات إلى 2018).
(4) تقدير مؤسسة فوربس لسنة 2018
Shiny Shiny

اظهر المزيد

مصطفى شقرون

مدقق دولي ومستشار مالي واستراتيجي 27 سنة تجربة مهنية بشركات عالمية ومحلية كبرى كمدير مالي ومدير عام سافر عبر 47 بلدا في إطار العمل والسياحة الدعوية شاعر وملحن وكاتب معد ومخرج لوثائقيات في مقارنة المعتقدات "بساطة الحق" (The truth is simple)" ومعد لبرامج تلفزية أخرى اهمها "كتب قيمة" و"فقه الريادة" و "علوم أساطير"

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: