زهراء عذراء السلاطين

زهراء الكوش المراكشية

في هذه الأسطر قليلة سوف أتحدث عن امرأة لم تنل حقها من التعريف مثلها مثل الكثير من بنات جنسها، نظرا لقلة من تعاطى للتعريف بأعلام المغرب العربي عموما، وبرموز نسائه خصوصا.

فمن هي عذراء السلاطين؟ وصاحبة القبة البيضاء بساحة الكتبية؟

اسمها:

 هي زهراء الكوش من أم فاسية لم يذكر التاريخ عنها الشيء الكثير، غير أن الكاتبة أمال كالا تحدثت عن الدور البارز لوالدة زهراء في تربيتها وتكوين شخصيتها القوية. وأب مراكشي، هو الفقيه والعالم المجاهد عبد الله الكوش المراكشي الذي وقف مدافعا مع ثلة من المجاهدين عن ثغر أزمور الذي استولى عليه المستعمر البرتغالي، والذي لم يتوانى أو يتخاذل عن مهمة صد العدوان حتى أسر ومن معه[1]، وبعد افتدائه نفي خارج مدينته الأصلية، فكان المقام بمدينة فاس التي لازالت تحتفظ برفاته بمقبرة العرص[2]. ولدت زهراء في مدينة مراكش بمنزل قرب ساحة الكتبية، وفيه عاشت حياتها بكل تفاصيلها.

ألقابها:

عذراء السلاطين: لقبت بهذا اللقب واشتهرت به، لأنها رفضت عرض السلطان زيدان بن أحمد المنصور السعدي الزواج بها[3]، في الوقت الذي كان الكل يتهافت على أبواب السلطان، ولا يرد لحاشية البلاط طلب، فبأحرى أن يرفض للملك أمر، فداع صيت رفضها وما تعرضت له من مضايقات من الملك وحاشيته. يقول صاحب الإعلام ” كما أن رفضها الزواج من السلطان وتفضيلها لقب ” ؤأمة الله ” عوض زوجة السلطان زاد من شهرتها[4]. وتتساءل الكاتبة أمال كالا قائلة: كيف لامرأة كرست نفسها لخدمة الإسلام، وتعلق قلبها بحب الله أن تكون ضمن حاشية البلاط الملكي؟[5] فحق لها ان تنعت بالعذراء الهاربة من السلطان.

حمامة مراكش: أحيانا يولد الإعجاب بشخص ما قصصا وحكايات، وهذا ما حصل مع زهراء الكوش، حيث نسجت مخيلة الناس حول شخصها أساطير منها أنها تصير حمامة ليلا تنشر السلام في مدينة مراكش والنواحي، ووجودها بالقرب من مسجد الكتبية جعلها تحمل لقب ” حمامة مراكش”[6].

تعلمها وتربيتها الدينية:

لكل ولد من والديه نصيب كما يقال، وزهراء بنت أبيها بلا شك، فقد كانت تلميذة نجيبة متفوقة، حيث أخذت عن والدها العلوم الشرعية وبرعت فيها، كما أخذت علوم التربية والتصوف السني المقرون بالجهاد.

فهمت زهراء الكوش حقيقة الدنيا التي لا تساوي في ميزان الآخرة جناح بعوضة، فملأت حياتها بما ينفعها عند الحق سبحانه، فقد روي أنها كانت صاحبة أذكار وأوراد[7]، كثيرة الصلوات، ذات سمت حسن، مما بوأها مرتبة ومنزلة بين أولياء الله المتبعين، والنساك الصادقين العارفين، كما ورد في مقال بمجلة المريد[8]، تقول أمال كالا ” امرأة كرست نفسها لخدمة الإسلام، ترفض أن تكون لغير الله تعالى[9].

 كما أنها ورثت من أبيها شيم الكرامة والكرم، يحكى أن عبد الله الكوش كان كثير البذل والكرم، يطعم كل مسكين، ولا يرد صاحب مسألة.

 لقد تشربت زهراء من محيطها الأسري معاني الكمال العلمي، وأيقنت أن التعلم هو السبيل الأنجع في التغيير والتأثير، لذا أخذت على عاتقها مهمة تعليم الصبيان أصول دينهم، والنساء أمور معاشهن ومعاذهن، وهي الزاهدة في الدنيا، المقبلة على ربها.

زهراء والتجربة الصوفية:

يعد عبد الله الكوش من مريدي الزاوية الجزولية المنتسبة لمؤسسها سيدي محمد بن سليمان الجزولي، ولا شك أن زهراء ستتشرب معاني السلوك من تلك الزاوية، وهي الناشئة في رحاب العلم والإيمان، الزاهدة في حريم السلطان، الرافضة للخوض في ما لا نفع، فكان استقرارها قرب مسجد الكتبية يزيد من همتها وإرادتها لطلب العلا والتشوق لما عند الله عز وجل. متجردة من كل ما يمنعها من الترقي في مدارج الإحسان، قدوتها في ذلك من سبقتها من متصوفات أمثال ” رابعة العدوية ” التي ذاع صيتها في عالم التصوف والزهد. وفقد أخذت مكان والدها بعد نفيه خارج مراكش في صدر الزاوية التي كان يستقبل فيها الوافدين والمريدين، واستمرت على خطاه جامعة نساء المدينة والوافدات من الضواحي للتعليم والتوجيه، غير آبهة بما قد يلحقها من ظلم واضطهاد من قبل من كان يرى حينئذ في الزوايا منافسا قويا على السيادة.

كرامات زهراء الكوش:

حين تعلو الهمة، وتتقد الإرادة في زمن الخنوع والخضوع، وتبرز امرأة كانت تعد من ضعاف القوم شاهرة عبارة الرفض في وجه الجاه والمال والسلطان، لا شك أن المخيلة الشعبية ستمنحها مكانة علية، وستنتج حولها حكايات وقصص، وستظهر لها كرامات تتناقلها الأجيال عبر العصور، يقول الكاتب قاسم المراكشي: ” وحدثني من وقع له ما ذكر معها رضي الله عنها، أنه لما كانت النساء مجتمعات في موسمها الذي يعملنه في زاويتها بحومة الكتبيين، ولصبا الحاكي إذ ذاك، أراد أن ينظر إلى النسوة المذكورة، ولم يجد سبيلا إلى ذلك إلا بأن التحف لحفة النساء ودخل الزاوية المذكورة، فلما دخل عمي وصار لا يرى شيئا، فرجع ناكصا على عقبه في الحال. وتاب من ذلك، ورجع له بصره واعتقد كمالها[10]، كما جاء بقصة وردت في كتاب الإحياء ونسبها لزهراء الكوش، ويقول: ” وذكر في باب الإخلاص من ( الإحياء)ما نصه: وقيل كان رجل يخرج في زي النساء ويحضر كل موضع يجتمع فيه النساء، فسرقت درة فصاحوا أن أغلقوا الباب حتى تفتش النساء، فكانوا يفتشون واحدة حتى بلغت النوبة إلى الرجل وإلى امرأة معه، فدعا الله بإخلاص وقال إن نجوت من هذه الفضيحة لن أعود إلى مثل هذا، فوجدت الدرة مع تلك المرأة، فصاحوا أن اطلقوا الحرة فقد وجدت الدرة” [11].

وفاة زهراء:

بعد عمر حافل بالعطاء، وبعد ما خلدت زهراء اسمها في زمرة العارفين والمتصوفة العاملين، وسجلت بصمتها في تاريخ مراكش، أسلمت الروح لباريها سنة 1027 هجرية الموافق 1617 م تاركة وراءها ذكرا طيبا وضريحا ذا قبة بيضاء تجاور مسجد الكتبيين بمراكش.


[1] – الاستقصا لأخبار المغرب الأقصى، شهاب الدين أبو العباس الناصري، تحقيق جعفر ومحمد الناصري، دار الكتاب البيضاء، 4/111.

 المرجع السابق.[2] –

 – السعادة الأبدية، محمد المراكشي ص 272 و 273.[3]-

 [4] – الإعلام بمن حل بمراكش وأغمات من الأعلام، قاسم بن إبراهيم المراكشي، مطبعة الثقافة، ط 2 سنة 1997م 3/252.

[5] – مقال للكاتبة أمال كالا منشور بمجلة فلاش أنفو تحت عنوان لالة زهراء الكوش.

[6] – المرجع السابق.

[7] – المرجع السابق.

[8] – الولاية والولاية الجذبية مقال منشور في

 مجلة المريد عدد2 سنة 1990.

[9] – – مقال آمال كالا السابق.

[10] – الإعلام، ص 252.

[11] – المرجع السابق.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: