ربانية العشر وشروط الأضحية

يعيش الناس مظاهر الفرح والبهجة في أيام العيد وما قبلها فيستعدون لعيد الأضحى استعدادا خاصا يتوافق مع ما تتطلبه المناسبة، والفرح مطلوب شرعا، إلا أن الاستعداد لا يجب أن يكون ماديا فقط بل ربانيا، لذلك  ربط الرسول صلى الله عليه وسلم سلوك المؤمن في هذه الأيام بمجموعة من الأعمال التي تربط العبد بربه قال ابن القصار: ” عنْ أُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمْ هِلَالَ ذِي الْحِجَّةِ، وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ، فَلْيُمْسِكْ عَنْ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ”[1].

ومما يعطي البعد الرباني لهذه الأيام استحباب الصيام في الأيام الأولى من ذي الحجة سواء بصيام  العشر الأولى، لقوله صلى الله عليه وسلم عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «مَا العَمَلُ فِي أَيَّامٍ أَفْضَلَ مِنْهَا فِي هَذِهِ؟» قَالُوا: وَلاَ الجِهَادُ؟ قَالَ: «وَلاَ الجِهَادُ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ»[2] أو صيام يوم عرفة لقوله صلى الله عليه وسلم: عندما َسُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ؟ فَقَالَ: «يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ»[3]

والأضحية ليست عادة، بل هي سنة واجبة على من استطاع من المسلمين، لها وقتها وشروطها التي يجب أن يتقيد بها العبد حتى ينال الجزاء الموعود، وتتحقق الغاية والمقصد منها، بتقوى الله والحرص على رضاه تعالى وعبادته. مصداقا لقوله تعالى:{لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَادِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (37)}[4]. يقول القرطبي معلقا عن الآية الكريمة:” لَنْ يَقْبَلَ لُحُومَهَا وَلَا دِمَاءَهَا، وَلَكِنْ يَصِلُ إِلَيْهِ التَّقْوَى مِنْكُمْ، أَيْ مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهُهُ، فَذَلِكَ الَّذِي يَقْبَلُهُ وَيُرْفَعُ إِلَيْهِ وَيَسْمَعُهُ وَيُثِيبُ عَلَيْهِ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ (إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ)[5]. وورد عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا عَمِلَ ابْنُ آدَمَ يَوْمَ النَّحْرِ عَمَلًا أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، مِنْ هِرَاقَةِ دَمٍ، وَإِنَّهُ لَيَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، بِقُرُونِهَا، وَأَظْلَافِهَا، وَأَشْعَارِهَا، وَإِنَّ الدَّمَ، لَيَقَعُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، بِمَكَانٍ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ، فَطِيبُوا بِهَا نَفْسًا»[6]

وقد حدد الله عز وجل لهذه السنة زمانا ووضع لها شروطا، تتماشى مع بعدها الدنيوي والأخروي، وقد ارتبط وقت الأضحية بوقت الضحى ولعلها سميت الأضحى لذلك، وهو المستحب، وتبدأ عملية الذبح بعد قضاء صلاة وخطبتي العيد ولا تجزيء قبل الصلاة، ولا يوم عرفة، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلاَةِ فَإِنَّمَا ذَبَحَ لِنَفْسِهِ، وَمَنْ ذَبَحَ بَعْدَ الصَّلاَةِ فَقَدْ تَمَّ نُسُكُهُ، وَأَصَابَ سُنَّةَ المُسْلِمِينَ »[7]. أما ” من لا إمام لهم فليتحروا صلاة أقرب الأمة إليهم وذبحه”[8].وتنتهي بغياب شمس آخر يوم الثالث وهذا مذهب الجمهور.

وتستحب الذكاة اليوم الأول إلا من تعذر عليه الأمر لسفر أو مرض أو عرض عليه عارض، فاليوم الثاني والثالث تجزيه.

شروط  الأضحية:

 إن وصف الله لفدية سيدنا إسماعيل بذبح “عظيم” هو دليل على المنزلة الذي تحضى بها هذه السنة الإبراهمية، التي تذكرنا برفق الله ورحمته للناس أجمعين، وجعلها فدية لرقبة مسلمة، وكان ذلك اليوم عيدا للعالمين يفرح فيه الناس بالأكل والإطعام وشكر الله، قال تعالى:{فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (36)}[9]

ويشترط في أضحية العيد الموصفات التالية:

  1. أن تكون خالية من العيوب،” لا يجوز في شيء من ذلك عوراء ولا مريضة ولا العرجاء البين ضلعها ولا العجفاء التي لا شحم فيها ويتقى فيها العيب كله ولا المشقوقة الأذن إلا أن يكون يسيرا وكذلك القطع ومكسورة القرن إن كان يدمي فلا يجوز وإن لم يدم فذلك جائز”[10]
  2. أن تكون الأضحية من بهيمة الأنعام أي الإبل والبقر والأغنام والماعز، وتعتبر الأغنام الأفضل في الأضحية، لأن الله تعالى أفدى ولد سيدنا إبراهيم عليه السلام منها فقال تعالى :{وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107) }[11]. وقد روي عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُضَحِّي بِكَبْشَيْنِ، وَأَنَا أُضَحِّي بِكَبْشَيْنِ»[12]
  3. أن تكون من التي انبتت أسنان لما روي عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَذْبَحُوا إِلَّا مُسِنَّةً، إِلَّا أَنْ يَعْسُرَ عَلَيْكُمْ، فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً مِنَ الضَّأْنِ»[13]
  • في الغنم: حدد ابن أبي زيد القيرواني السن في ثمانية أشهر حسب ما جاء في متن الرسالة، لكن جاز الحنفية والحنابلة ابن الست أشهر.[14]
  • في الماعز ما أوفى السنة ودخل الثانية.[15]
  • في البقر ما أوفى السنتين ودخل الثالثة حسب فقهاء الحنفية والحنابلة وما افتت به اللجنة الدائمة”[16] أو ما أوفى الثالثة ودخل الرابعة وهو ما أفتى به فقهاء المالكية.
  • في الإبل ما أتم خمس سنوات عند الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة.
  1. دخول وقت الأضحية.
  2. أن يكون الذبح بآلة حادة بقطع الحلقوم والأوداج فإن ذبح من القفا فلا تؤكل. فعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ، قَالَ: ثِنْتَانِ حَفِظْتُهُمَا عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ»[17]
  3. توجيه الذبيحة إلى القبلة مع البسملة وذلك مانص في الرسالة “وتوجه الذبيحة عند الذبح إلى القبلة وليقل الذابح بسم الله والله أكبر وإن زاد في الأضحية ربنا تقبل منا فلا بأس بذلك”[18]
  4. ألا تكون أجرة ذابحها منها أي أجرة الجزار من غير أضحية العيد.
  5. عدم بيع شيء من الذبيحة حتى الجلد ويستحب التصدق منها.

وخلاصة القول إن تعظيم النية في هذا النسك العظيم من تمام الفضل على صاحبها، فإن حرص الناس على إشاعة الفرح والإحسان إلى الآخر وزيارة الرحم، والتوسيع على الأهل، وإكرام الفقراء والمساكين، والإكثار من ذكر الباري عز وجل، نال أجرها  وحقق المقصد منها وأحيا ذكرى تضحية نبينا سيدنا إبراهيم قال تعالى: {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105)}[19].

المصادر المراجع:

  • القران الكريم .
  • الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه، محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي، تحقيق:محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة، الطبعة: الأولى، 1422هـ.
  • الجامع لأحكام القرآن،أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي شمس الدين القرطبي (المتوفى: 671هـ، تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، دار الكتب المصرية – القاهرة، الطبعة: الثانية، 1384هـ – 1964 م.
  • سنن ابن ماجه،ابن ماجة أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني، وماجة اسم أبيه يزيد (المتوفى: 273هـ)، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي،دار إحياء الكتب العربية – فيصل عيسى البابي الحلبي.
  • فتاوى اللجنة الدائمة – المجموعة الأولى،اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، جمع وترتيب: أحمد بن عبد الرزاق الدويش.
  • متن الرسالة،أبو محمد عبد الله بن (أبي زيد) عبد الرحمن النفزي، القيرواني، المالكي (المتوفى: 386هـ)، دار الفكر.
  • المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم،مسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري (المتوفى: 261هـ)، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي – بيروت.

[1] صحيح مسلم (3/ 1565).

[2] صحيح البخاري (2/ 20).

[3] صحيح مسلم (2/ 819)

[4] [الحج: 37]

[5] تفسير القرطبي (12/ 65)

[6] سنن ابن ماجه (2/ 1045)

[7] صحيح البخاري (7/ 99)

 الرسالة للقيرواني (ص: 79)[8]

[9] [الحج: 36]

[10] الرسالة للقيرواني (ص: 79)

[11] [الصافات: 107، 108]

[12] صحيح البخاري (7/ 100)

[13] صحيح مسلم (3/ 1555)

[14] الرسالة للقيرواني (ص: 78)

[15] المرجع نفسه

 فتاوى اللجنة الدايمة المجموعة الاولى  11، 414/415[16]

[17] صحيح مسلم (3/ 1548)

[18]الرسالة للقيرواني (ص: 80)

[19] [الصافات: 103 – 105]

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: