دور العلماء في إصلاح المجتمع

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمين، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين، وبعد؛

لقد بذل العلماء رحمهم الله، وما زالوا، جهودا على مر العصور في تعليم أفراد المجتمع، وتبصيرهم بالضروريِّ من الدين، وإصلاحهم، والسعي في تحقيق أمنهم واستقرارهم، مستبصرين بتعاليم الشرع الحكيم، على اعتبار أن تعاليم الإسلام تتلاءم مع الطبيعة البشرية وتتفق مع الفطرة السليمة والعقل الرشيد والمنطق السديد، ولأن التعاليم الإسلامية هي التي تستطيع أن تطهر المجتمع من فساده الثقافي والإنساني والأخلاقي في السلوك والمعاملات، فهي منبثقة من مبادئ وأصول الدين الإسلامي الحنيف الغني بقيم التسامح والتعاون والتواصل الثقافي، والقيم الإنسانية والخلق العظيم والسلوك الرفيع.

لكن دور العلماء لا يقف عند حد التعليم والإرشاد والتثقيف، بل يتجاوز ذلك كله إلى المجال السياسي، وتسيير شؤون الدولة، فكانوا غالبا إما مشاركين فيها بالقرار والتدبير وإدارة بعض المؤسسات والأجهزة؛ كجهاز العدل والقضاء مثلًا، أو مستشارين ومفتــين.

1- العلماء قــوّة المجتمع، وقدوته:

الإنسان في حاجة إلى قدوة وإلى مثل أعلى يقتدي به ويقتفي أثره ويحذو حذوه؛ وذلك بسبب ضعف فهم الناس للدين وقلة تطبيقهم لهم، ولغلبة الأهواء وإيثار المصالح العاجلة، لذا يجب تقديم نماذج القدوة حتى تـنشأ الأجيال متأثرا بنماذج إيجابية.

وقد تضاعفت حاجة المسلمين في مختلف أوساطهم وطبقاتهم إلى قدوات وريادات من الفقهاء وغيرهم تكون نموذجاً واقعياً ومثالاً حياً يرون الناس فيهم معاني الدين الصحيح علماً وعملاً، قولاً وفعلاً، فيقبلون عليهم وينجذبون إليهم؛ لأنَّ التأثير بالأفعال والأحوال أبلغ وأشدّ من التأثير بالكلام وحده، وقد قيل: “شاهد الحال أقوى من شاهد المقال”.

كما يعد تعظيم دور القدوة الحسنة في المجتمع من أهم القيم التربوية والسلوكية التي أكدها عليها الإسلام. وقدوتنا ومعلمنا الأول هو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالي: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا). ثم يأتي دور العلماء والفقهاء، لذا ينبغي أن يكونوا قدوة حسنة في مجتمعهم، وذلك بالتحلي بأخلاق القرآن، والسير على النهج النبوي القويم، واتخاذ أفضل المواقف، والتوجه إلى الأمة بالحكمة والموعظة الحسنة.

2- الفقـهاء ومسئولية الإصلاح:  

من أعظم مهام العلماء؛ النظر في أحوال الناس، من جهة أخلاقهم، ومن جهة ما يجري بينهم من المعاملات، فيصلحون ما كان فاسداً، ويصلون ما كان منقطعاً. وفي المقابل نرى أنه؛ ما فسدت الأخلاق والمروءات، وشاعت المعاملات التي نهي عنها الدين في غير مبالاة، إلا حين قل من يعظ الناس في ارتكابها، ويبين للناس سوء عاقبتها.

إن مسئولية الإصلاح تعود أساسا إلى العلماء في أن يقوموا بواجبهم تجاه في إصلاح المجتمع وإزالة المنكرات والفساد الخلقي والأمراض الروحية ونشر تعاليم الدين الحنيف ليكون المجتمع المسلم نموذجاً حياً للبشرية. وقد أبان عدد من الفقهاء عن شجاعتهم وصرامتهم، من خلال مكافحتهم لمظاهر التطرف والانحراف العقدي، والانحلال الأخلاقي، والسهر على وحدة المسلمين وتماسكهم، والتصدِّي لكل ما من شأنه أن يزعزع أمنَهم واستقرارهم.

ومنهم من كانت لهم مواقفَ إصلاحيةٍ حميدة، وإشارات واقتراحات سياسية سديدة، تطالع القارئ لسِيَرهم ومناقبهم؛ فقد “خالطوا الناس، واهتموا بشؤونهم، وأجابوا عن قضاياهم وأسئلتهم، وأبانوا لهم وجهَ الحق، وجانب الصواب في ممارساتهم وتصرفاتهم، “بالمخالطة، والوعظ، والإرشاد، والتربية، والنصيحة المباشرة، لا بمجرد التصنيف في الآداب والأخلاق والقيم النظرية فحسب.”[1].

3- نماذج يُحتذى بها:

من الأئمة الأعلام، الذين كانوا قدوة يُقـتدى بها في إصلاح المجتمع؛ الإمام مالك رحمه الله (ت 179 هـ) فقد رُوي عنه أنه؛ “كان يأمر الأمراء، فيجمعون التجار والسُّوقة، ويعرضونهم عليه، فإذا وجد أحدًا منهم لا يفقه أحكام المعاملات، ولا يعرف الحلال من الحرام، أقامه من السوق، وقال له: تعلم أحكام البيع والشراء، ثم اجلس في السوق، فإن مَن لم يكن فقيهًا أكل الربا شاء أم أبى”[2].

ورُوي عن الإمام مالك أيضا، أنه قال لأبي جعفر المنصور، لَمَّا أشار عليه بحمل الناس على كتاب واحد: “يا أمير المؤمنين، إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تفرَّقوا في البلاد، فأفتى كلٌّ في مصره بما رأى، وإن لأهل المدينة قولًا، ولأهل العراق قولًا، فقال أبو جعفر: أما أهل العراق، فتضرب عليه عامتهم بالسيف، وتقطع عليه ظهورهم بالسياط، ولست أقبل منهم صرفًا ولا عدلًا، فالعلم علم أهل المدينة، فضَعْ للناس العلم، فقال مالك رحمه الله: لا تفعل يا أمير المؤمنين، فإن رَدَّهم عما اعتقدوه شديدٌ، فدَعِ الناس وما هم عليه، وما اختار أهل كل بلد لأنفسهم”[3].

إن موقف الإمام مالك هذا، وتبصره لمآل ما هَمَّ بفعلِه أبو جعفر المنصور، “يعتبر ضربا من ضروب حِفاظ العلماء على الأمن والاستقرار الاجتماعي، ونوع من أنواع حرصهم على وحدة المسلمين وتماسكهم، حتى تأثر بمنهجه رحمه الله أتباعُه من بعده، وظهر أثرُه في فتاويهم وأقضيتهم، والتزموا به في بلادهم، ومنَعُوا الناس من الخروج عن مذهب مالك لأجل الاستقرار الاجتماعي”[4].

وكان أسد بن الفرات، أحد الفقهاء الذين أخذوا عن مالك بالمدينة، قائد الجيش الذي فتح صقلية، ومنهم أيضا؛ محمد بن الحسن في بغداد، وعبد الرحمن بن القاسم في القاهرة.

ومن النماذج التي يحفظها لنا التاريخ؛ فقهاء فاس، زمن إشعاعها العلمي؛ حيث إنهم أنشئوا للعامة مجالس فقهية في محلات عملهم، فصار التجَّار والعمال على وعيٍ كبير بما يتعلق بمعاملاتهم وتصرفاتهم من أحكام فقهية. وعلى مستوى الأخلاق، ذكر المؤرِّخ المغربي عبد الهادي التازي، أن أهل فاس كانوا على قدرٍ كبير من الأخلاق، وأن محاكم فاس لم يكن بها ملفاتٌ تتعلق بالخصومات والنزاعات، وذلك بفضل الفقهاء الموجودين بها[5].

وهذا أمر طبيعي؛ لأن القوة والسلطان لهما أثرٌ في الأبدان، وللفقهاء أثر في الأرواح والوجدان، “وأقوى الأثرين تأثيرًا، وأظهرهما وسمًا، وأبقاهما على المدى، ما كان في الأرواح؛ لأن التسلط على الأبدان يأتي من طريق الرهبة، والرهبة عارض سريع الزوال، أما التسلط على الأرواح، فبابه الرغبة، والدافع إليه الاقتناع والاختيار؛ ولأن سلطان الفقهاء على الأرواح مستمَدٌّ من روحانية الدين الإسلامي، وسهولة مدخله إلى النفوس تخضع له العامة عن طواعية ورغبة، خضوعًا فطريًّا لا تكلُّف فيه”[6].

خــاتـمة:

تبين لنا إذن أن العلماء لهم دورٌ رائد في أحلك المواقف وأصعب الأزمات، حرصًا منهم على الاستقرار الاجتماعي والأمن الروحي، وأن وجوه الإصلاح كثيرة، وأن الدعوة لا تنهض بالأمة إلا علماؤها وفقهاؤها بعد أن يوحدوا صفوفهم ويجمعوا كلمتهم، كما قال محمد الخضر حسين: (أدركنا شدة الحاجة إلى أن يكون المتصدي للدعوة جماعة مؤلفة من رجال رسخوا في علوم الشريعة وألمّـوا بالعلوم العمرانية، والشؤون المدنية، يجتمعون فيبحثون ويسيرون تحت راية الإخلاص والإنصاف ولو تقارب ما بين من درسوا علوم الإسلام، ومن درسوا العلوم الأخرى من المؤمنين وتعاونوا على الدعوة، لأقاموها على وجهها المتين وشادوا من قوة إيمان الأمة وشرف أخلاقها وسعة معارفها وشدة عزمها حصوناً تتساقط دونها مكائد عدوها خاسئة)[7].

والحمد لله رب العالمين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] – د.هيثم بن فهد الرومي، إصلاح الفقيه فصول في الإصلاح الفقهي؛ (مركز نماء للبحوث والدراسات،

بيروت – لبنان، الطبعة الثانية: 2017م). الصفحة: 56.

[2] – الشيخ الرهوني، “حاشية الرهوني على شرح الزرقاني لمختصر خليل”، (دار الفكر – بيروت، الطبعة

الأولى 1398 هـ/ 1978 م). ج:5 / ص:3.

[3] – القاضي عياض، ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك؛ تحقيق: عبد القادر

الصحراوي، (وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية – المغرب، الطبعة الثانية 1403 هـ، 1983م).

ج:2 / ص:72.

[4] – هيثم بن فهد الرومي، إصلاح الفقيه فصول في الإصلاح الفقهي، (مرجع سابق). الصفحة: 41.

[5] – د.عبد الهادي التازي، “جامع القرويين المسجد والجامعة بمدينة فاس موسوعة لتاريخها المعماري

والفكري”؛ (مرجع سابق)، ج:2 / ص: 110.

[6] – د. نوار بن الشلي، إصلاح الفكر الفقهي رؤية معاصرة؛ (دار السلام القاهرة – مصر، الطبعة

الأولى: 1432هـ – 2011م). الصفحة: 24.

[7] – محمد الخضر حسين: الدعوة إلى الإصلاح، (المطبعة السلفية، القاهرة، طبعة: 1346هـ).

الصفحة: 16.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: