دراسة حديثية لحديث عالم المدينة (1)

مقدمة:

 من الدراسات المغيبة في العصور السالفة، إفراد كل حديث بدراسة خاصة، سندا ومتنا، وقد اطلعت على كتب تناولت دراسة حديث واحد، ككتاب بغية الرائد لما تضمنه حديث أم زرع من الفوائد للقاضي عياض، وكتاب لإبن القاص شرح فيه حديث “يا أبا عمير ما فعل النغير”، إلا أن ذلك يبقى ضئيلا، فبعض الأحاديث لم توف حقها من الدراسة والشرح والتحليل، فكان لزاما إعداد ورشات وعقد مشاريع تحتضن هذا العمل المبارك وتنهض به، لاسيما ونحن في عصر نحتاج فيه إلى تجديد التدين، وتجديد شرح الأحاديث وفق عقل المسلم المعاصر، دون المس بأصل الشريعة محافظين على روح النص وجوهره، وقد أشار إلى ذلك غير واحد من العلماء والمفكرين المعاصرين، كالقرضاوي في كتابه كيف نتعامل مع السنة، وعمر عبيد حسنة وغيرهم.   

فكانت هذه الدراسة-وإن كانت جهد المقل-لبنة مباركة، ودفعة لبعث الروح من جديد في نفسي أولا، وفي أبناء هذه الامة ثانيا، لتبادر إلى الاعتناء وتنال نصيبا وحظا من ميراث داعي دينها، الذي لم يخلف إلا هذا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر.  

فاخترت أن أتناول في بحثي هذا حديث: عالم المدينة المشتهر على الألسنة -خاصة أعيان مذهب مالك بن أنس-، ملتحفا فيه بدثار الموضوعية، سالكا طريق الاستقلالية، والله ولي التوفيق.

لم أعثر فيما أذكر على دراسة مستقلة لهذا الحديث، إلا ما كان من أقوال متناثرة هنا وهناك من تحقيق بعض المحققين لكتب السنة التي خرجت الحديث، أو شرح لبعض الشراح، أو أقوال وردت في ترجمة مالك ومناقبه في بعض الكتب كترتيب المدارك وغيرها.

أولا المصادر التي خرجت الحديث ابتداء من غير واسطة

أ-كتب السنن والمتون الحديثية

وهذه المصادر هي: سنن الترمذي، مسند الإمام أحمد، سنن النسائي، مستدرك الحاكم، صحيح ابن حبان، السنن الكبرى للبيهقي، مسند الحميدي، معرفة الأثار والسنن للبيهقي، مسند الموطأ للجوهري، مشكل الأثار للطحاوي.     

ب-كتب شروح السنن وعثرت عليه في مصدر واحد وهو التمهيد لابن عبد البر النمري.

ج-كتب الأصول والحديث مخرج في مصدر واحد اسنده الإمام ابن حزم في الأحكام.

د-كتب العلل وفيه مصدر واحد وهو الجزء العاشر من المنتخب من علل الخلال.

ر-كتب التاريخ المعرفة والتاريخ للفسوي، والتدوين في أخبار قزوين للرافعي.

ز-كتب الأجزاء الحديثية وهي عوالي مالك رواية أبي الحاكم الكبير، عوالي مالك رواية أبي اليُمن الكندي، جزء ما رواه أبي الزبير عن غير جابر لأبي الشيخ الاصبهاني، ما رواه الأكابر عن مالك لمحمد بن مخلد، بغية الملتمس للعلائي، الأربعين لابن المفضل المقدسي.

ه-كتب التراجم والطبقات الجرح والتعديل لابن أبي حاتم الرازي، تاريخ بغداد للخطيب، الإرشاد للخليلي، طبقات الشافعية لابن كثير، تاريخ ابن خيثمة، الإنتقاء لابن عبد البر، التقييد لابن نقطة، المعجم اللطيف وسير أعلام النبلاء ومعجم الشيوخ، كلها للذهبي.

ك-كتب الزهد ولم أعثر إلا على مصدر واحد وهو كتاب الزهد لابن عبد المبارك.

م-بعض المخطوطات الحديثية وهي: السابع من فوائد أبي عثمان البحيري، الخامس والسادس والسابع والثامن من أحاديث بن بشر العبدي، أحاديث من الشيوخ لابي محمد البعلبكي.

ثانيا-دراسة سند ومتن حديث عالم المدينة من رواية الإمام الترمذي (وهو الحديث المعتبر)

روى الإمام الترمذي في جامعه الصحيح:

«حدثنا الحسن بن الصباح البزار وإسحاق بن موسى الأنصاري، قالا: حدثنا سفيان بن عيينة عن ابن جريج، عن أبي الزبير عن أبي صالح عن أبي هريرة رواية: يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل يطلبون العلم، فلا يجدون أحدا أعلم من عالم المدينة». قال الترمذي: هذا حديث حسن وهو uحديث ابن عيينة.

أ-متابعات وشواهد الحديث:

لم أعثر للحديث إلا على شاهد واحد من طريق أبي موسى الأشعري، وقد أخرجه الحاكم الكبير في روايته لعوالي مالك، ورواه ابن عبد البر في كتابه الإنتقاء، كما أخرجه ابن حزم في الأحكام. أما باقي الطرق، فكلها متابعات لحديثنا المعتبر المخرج من جامع الترمذي، وكلها من طريق أبي هريرة رضي الله عنه.

وقد تحصل المشابهة بين هاته الطرق في اللفظ والمعنى تابع له، أو في المعنى فقط.

فتارة نجد لفظة “أكباد الإبل”، وفي روايات “أباط المطي”، وفي بعض الروايات “عالم المدينة”، وغيرها “عالم أهل المدينة”، وفي بعضها نجد “يطلبون العلم” مدرجة، وفي بعضها محذوفة، وكذلك لفظة “يوشك الناس” فتارة تكون مجردة دون الناس، وهكذا. 

 فلا إشكال في ذلك كله ما دام المعنى ثابتا، وجوهر وروح النص مستقرا، فهاته الطرق وهاته الروايات، كلها مما يقوي النص ويدفع صاحبه للإستدلال به في معرض الاحتجاج. 

وتجدر الإشارة إلى أن إسناد الحديث على شرط الشيخين في صحيحيهما، وإن لم يخرجا لرواته، فرجاله ثقات، إلا ما كان من كلام في ابن جريج وأبي الزبير، إلا أنهما ثقتان جليلا القدر. وفي الفقرة القادمة سنحاول بإذن الله التحدث عن إشكال السند.      

ب ورود إشكال في السند

انقسم العلماء والمحققين في تقويم2 الحديث الذي خرجه الإمام الترمذي وغيره الى صنفين:

 قسم حسن الحديث وصححه

أطبق هذا الصنف على صحة الحديث والعمل به، كالإمام الترمذي في جامعه الصحيح حيث قال بعد روايته للحديث: هذا حديث حسن وهو حديث ابن عيينة. 3

وقال الحاكم في مستدركه بعد أن ذكر إسناد الحديث ومتنه -وفي إسناده الحميدي-: وهذا حديث على شرط مسلم، ولم يخرجاه وقد كان ابن عيينة ربما يجعله رواية. 4

قال الحاكم: وليس هذا مما يوهن الحديث، فإن الحميدي هو الحكم في حديثه لمعرفته به وكثرة ملازمته له. 5

ووافقهما الذهبي فقال: وهذا حديث نظيف الإسناد غريب المتن، رواه عنه سفيان بن عيينة، وقد رواه المحاربي عن ابن جريج موقوفا، ويروى عن محمد بن عبد الله الأنصاري عن ابن جريج مرفوعا.6

ورجح أحمد الموقوف منه، والموقوف في مسائل الغيب له حكم الرفع. 

وهذا الحديث خرج في أكثر من ثلاثين مصدرا من بينها صحيح ابن حبان ومسند الحميدي ومشكل الأثار للطحاوي الذي صرح فيه بسماع ابن جريج وغير هذه المصادر كثير سبق ذكرها وترجمتها في الفصل السابق.       

ومن المحققين المعاصرين الذين ساروا في ظل السابقين الأستاذ محمد أحمد شاكر في تحقيقه لمسند الإمام أحمد حيث قال:« اسناده صحيح، ورواه الترمذي من طريق سفيان بن عيينة بهذا الإسناد وقال: هذا حديث حسن صحيح، ورواه ابن أبي حاتم في تقدمة كتاب الجرح والتعديل، ص(11-12) من طريق ابن عيينة، وقال هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي ورواه الخطيب في تاريخ بغداد بأربعة أسانيد كلها من طريق ابن عيينة ونقله ابن كثير في جامع المسانيد والسنن عن هذا الموضع، ثم قال: رواه الترمذي عن الحسن بن الصباح واسحاق بن موسى كلاهما عن سفيان بن عيينة عن ابن جريج عن أبي الزناد عن أبي صالح عن أبي هريرة  مرفوعا مثله، وكذا قال يحيى بن عبد الحميد عن سفيان عن ابن جريج عن أبي الزناد، قال ابن كثير:” والمشهور أبو الزبير كما عند أحمد والترمذي، وقد رواه البخاري عن  ابن جريج عن أبي الزبير عن أبي صالح عن أبي هريرة موقوفا“».7

ومن المحققين المغاربة محمد الحاج الناصر، في تحقيقه لعوالي مالك من روايات عدة، يرد فيه على شعيب الأرناؤوط، سنذكره فيما بعد.

قسم ضعف الحديث

هذا الصنف مال إلى تضعيف الحديث بعلة تدليس ابن جريج وأبي الزبير وجعلوا مدار صحة إسناد الحديث حول ذلك.

أولا الإمام احمد: أعله بالوقف وأحاله على المنتخب لابن قدامة، ومعلوم أن الموقوف له حكم المرفوع في الأمور التي لا مجال فيها للرأي ولا للإجتهاد، وهو كذلك في هذه الحالة.

وقول أحمد في روايته: [عن أبي هريرة إن شاء الله عن النبي ص]:

قال المباركفوري في تحفة الأحوذي: عن أبي هريرة بالنصب على التمييز، وهو كناية عن رفع   الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم.8

قال أحمد شاكر: «وقوله في هذا الإسناد هنا –عن أبي هريرة ان شاء الله عن النبي ص-ليس شكا في رفع الحديث، بل هو مرفوع على اليقين، إنما هو اختلاف عبارة من أحد الرواة ولعله سفيان بن عيينة، ففي رواية الحاكم بالإسنادين الأولين، وإحدى روايات الخطيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال الحاكم: وقد كان ابن عيينة ربما يجعله رواية، ثم ساق الاسناد الثالث –عن أبي هريرة رواية- وهذا يكون مرفوعا أيضا كما تقرر في علم المصطلح، وكذلك رواية الترمذي جاء فيها رواية كرواية الحاكم الأخيرة، وفي رواية الخطيب، -عن أبي هريرة مرفوعا قال: قال رسول الله ص-  وفي روايتيه –عن أبي هريرة يبلغ به النبي ص- وفي رواية ابن أبي حاتم –عن أبي هريرة قيل له يبلغ به النبي ص، قال نعم-، والظاهر أن الذي سئل هو سفيان ابن عيينة، ففي مجموع هذه الروايات دلالة على ان سفيان هو الذي كان ينوع العبارة عن رفع الحديث بألفاظ مختلفة كلها بمعنى واحد. 9

فالحديث ان شاء الله مرفوع مما تقدم.

ثانيا ابن حزم: أعله بعنعنة أبي الزبير فقط. 10

ومعلوم مثلا أن العنعنة عند البخاري غير العنعنة عند غيره.

ثالثا ابن عدي: أخرجه في الكامل في الضعفاء وقال: ولا أعلم هذا الحديث رواه عن ابن جريج غير ابن عيينة، وقال في الحديث الذي من طريق أبي موسى الاشعري: ولا أعلم روى هذا   11 الحديث عن عبد الله غير زهير بن محمد ولا عن زهير غير معن بن عيسى.

ومعلوم في رواية ابن عيينة عن ابن جريج، أن ابن عيينة لم يكن يدلس إلا عن ثقة.

وقال في أبي الزبير: هو في نفسه ثقة إلا أن يروي عنه بعض الضعفاء فيكون ذلك من جهة التضعيف. 12

رابعا ابن ناصر الدين: قال في إتحاف السالك: قال الحافظ أبو عبد الله محمد بن الذهبي فيما وجدته بخطه: قال لي أبو الحجاج المزي: إن مسلما سال البخاري عن هذا الحديث فقال له: لم يسمعه ابن جريج من أبي الزبير، فقام مسلم وقبله. 13

وقال الدميري: لم يسمعه أبو الزبير من أبي صالح.

-وتجدر الإشارة إلى أن الطحاوي صرح بسماع ابن جريج في مشكل الأثار فانتفت علة تدليسه، أما قول البخاري بعدم سماع ابن جريج من أبي الزبير، فلو افترضنا أن قوله صحيح، فيحتمل والله أعلم، أن يكون ابن جريج رواه إجازة أو مناولة، حيث كان يكثر ويتوسع في ذلك، كما أشار الذهبي.  

ومن المحققين المعاصرين: شعيب الأرناؤوط

قال: رجاله ثقات، لكنه فيه عنعنة ابن جريج وأبي الزبير.14

وقال كذلك: رجاله ثقات، وإسناده على شرط مسلم وهو في مسند الحميدي، ورواه من طريق  الحاكم والبيهقي في معرفة السنن والاثار. 15

بشار عواد معروف

قال: هذا إسناد ضعيف فيه عنعنة أبي الزبير، وهو مدلس، ولم يصرح بالتحديث، وكذلك ابن جريج فإنه لم يصرح بالتحديث إلا عند الطحاوي في مشكل الأثار، ولا يصح ذلك عنه!!. 16

وقد ضعفه غيرهم كبدر بن عبد الله البدر، وطه بوسريح، وكذا أبي إسحاق الجويني، وناصر الدين الألباني في تخريج المشكاة أو السلسلة الضعيفة، ولا يخفى ما للألباني من تراجعات  وتناقضات، كما أشار إليها غير واحد، ويتجلى ذلك سواء في كتاب السقاف: تناقضات الألباني الواضحات، أو كتاب: تراجع العلامة الألباني فيما نص عليه تصحيحاً وتضعيفاً، جمع وإعداد أبو الحسن محمد حسن الشيخ، أو كتاب التنبيهات المليحة على ما تراجع عنه العلامة المحدث الألباني من الأحاديث الضعيفة أو الصحيحة، أو كتاب عبد الله بن صديق الغماري، القول المقنع، ومع هذا كله فالألباني من المتأخرين الذين قبل عنهم، لكن كل واحد يقبل من قوله ويترك، كما لكل جواد كبوة، والله أعلم وأحكم.

 

الهوامش

1-سنن الترمذي، كتاب العلم ح(2680)، ت: احمد شاكر، ط دار الحديث، القاهرة 2010م.

2-اعتاد الناس قول تقييم وهو خطا والصحيح تقويم.

3-سنن الترمذي، ح2680، كتاب العلم. 

45-مستدرك الحاكم، ص168، كتب العلم.                                                                        

6-السير للذهبي، 8\48-135.    

7 -مسند الامام احمد، 8\99.  

8-تحفة الاحوذي للمباركفوري، طبعة دار الفكر، ص448\ج8.  

9-مسند الامام احمد، ص99\ج8. 

10-الاحكام لابن حزم، ص135\6.                                                                                                                                                   11-الكامل لابن عدي، ص105\1.

12-السير للذهبي، 5\381، 6\331.  

13-اتحاف السالك، 1\10.                                                                                                                                                                                                                                                                                                   14-صحيح ابن حبان، 53\9.                                                                                                                                         15-مشكل الاثار، 10\186.                                                                                                                                             16-تاريخ بغداد، ت بشار عواد معروف، 241\3، 14\543، 7\405.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: