حكيمة المستبدة وبوشعيب المسكيـــن

أحكي لكم أحبتي الكرام عن امرأة مدنية عجيبة غريبة الأطوار اسمها “حكيمة”، وزوجها البدوي الخشن المسكين “بوشعيب”، تزوج الاثنان، بعد انفصال الأولى عن زوجها الأول، ووفاة زوجة الثاني، ونظرا لأن ذلك الزواج تم قبل عصر الصورة الرقمية، فلم يحتفظا بالكثير من ذكريات شهر عسلهما، ليس مهما مادام بوشعيب يعتبره شهر بصل، تزوج الاثنان، ولم نعرف أيهما خطب الآخر، وهل كانت لديهما وثيقة تثبت زواجهما، أم تزوجا زواجا عرفيا، تزوجا منذ سنين طويلة، ولا ندري كيف التقيا، هي كانت تعيش في فاس، وأجدادها من علية القوم، وهو فتح عينيه بدكالة رغم أن أصوله في الريف، وجده الخامس في سوس، وبعض عمومته بالأطلس المتوسط بقرية تسمى أنفكو.

عاش الاثنان دهرا، حكيمة عصية على عوامل التعرية، وبوشعيب لا تستطيع ابتسامته البريئة أن تخفي الأخاديد التي في وجهه، لم يكن زواجهما ناجحا، وسفينة الزواج تهب عليها العواصف عادة، وقل من يوصلها إلى بر الأمان، لم يكونا عشيقين كقيس وليلى، لم يكونا كأبي زرع وأم زرع، لكنهما تزوجا، لنقل إنه زواج قسري، هذا الرباط الهش بين الاثنين أثمر زوابع كثيرة كادت في أكثر من مناسبة أن تحطم القفص الذي يجمعهما، يعيشان لحظة صفو سرعان ما تنقلب إلى كدر، وكانت حكيمة في كل مرة ظالمة، وفيها صدق قول الشاعر:
محن الزمان كثيرة لا تنقضي وسروره يأتيك كالأعياد
وقال الراوي ناسجا على المنوال:
محن الزواج كثيرة لا تنتهي وسروره يأتيك كالأعـياد
جمع الصعالك بالحسان فإنه نكد يصيب القلب بالأحقاد
الحديث طبعا عن قران حكيمة الحسناء ببوشعيب الصعلوك. هذان المخلوقان غير المتجانسان، زواجهما محن لا تنتهي، والسرور يزورهما غبا ليزداد حبا.
لماذا هذان المخلوقان في نفور دائم؟ ألم يحاولا إصلاح ذات البين؟ هل أحيل خلافهما إلى حكم من أهلهما؟ لماذا يتشاجران ويتعاركان ويتناطحان؟
لنسمع نتفا من الحكاية من البداية.
حكيمة تنفق ببذخ فاحش على جمالها وأناقتها، لا يهمها في هذه الحياة إلا أن تكون جميلة أنيقة رشيقة خفيفة، وكانت في أحايين كثيرة تنفق كل ما ادخره بوشعيب لنوائب الدهر تنفقه على زينتها، يجوع بوشعيب أو يعرى ليس الأمر مهما، المهم أن تظل حكيمة دائما أنيقة تسر الناظرين، غضب ذات يوم فلمزها ببيت من الشعر يقول فيه أعرابي يهجو زوجته:
عجوز ترجي أن تكون فتية وقد لحب الجنبان واحدودب الظهر
تدس إلى العطار سلعة بيتها وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر؟
فما كان منها إلا أن حطمت جزءا من أثاث البيت انتصارا لكبريائها، وبوشعيب لا يملك إلا أن يشتري من جديد عوضا عن الأثاث المحطم.
بوشعيب رجل تقليدي، يحب أن يلبس دوما جلبابه الخشن، ويجلس على الأرض متواضعا، وبيده مسبحته يديرها بين أنامله متمتما ببضع كلمات تسبيح وتهليل، حاولت زوجته أن تقنعه بارتداء معطف وربطة عنق، لم يتعلم كيف يربط عنقه بتلك الخرقة، قال لها: “يكفي أنك ربطت على حياتي كلها، وخنقت أنفاسي، أتريدين أن أزيد اختناقا على ما أنا فيه، الله يوسع علينا في الدنيا والآخرة…”، لكن حكيمة لم تكن تخفي تبرمها من زوجها، كيف لا وهو لا يعرف أصول استقبال الأكابر الذين يحضرون إلى بيتها، تخجل أن تقدمه لزوارها، وهو لا يحب أن تظهر متبرجة أمام الناس، يريدها أن تلبس التقليدي المغربي، وهي تحب العصري، هي تنادي للمعاصرة وهو متشبث بأصالته، عندما يحضر بعض الفرنجة من زوارها ينحنون قليلا قبل أن يطبعوا قبلة على يدها، وربما على خدها، وكان بوشعيب يطمح أن تكون هي ملكا له وحده، كان هذا الأمر أيضا رغم تفاهته في نظرها يسبب لهما كثيرا من المشاكل.
كانت لهما مزرعة جميلة، بها كل أنواع الأشجار المثمرة، فكان كلما زارها إلا ووجد بها أحد الغرباء، هذا يقطف التفاح، وهذا يزرع البصل، وذاك غور البئر، وكان كلما سأل أحدهم عمن أذن له بدخول مزرعته يجيبه أن سيدته المصونة باعت له جزءا منها، ويدلي بالأوراق الثبوتية، فلا يملك أمام هول الصدمة شيئا، المرعى جميل ومزهر، لذلك باعته السيدة، وتكالبت عليه الأيدي، عندها تذكر قول الشاعر:
ولن تصادف مرعى ممرعا أبدا إلا وجدت به آثار منتجع
لو ترك لها الحبل على الغارب فإنها ستبيع كل شيء، وربما باعته هو نفسه في يوم من الأيام في المزاد العلني، المهم أن تتمتع هي، وتعود لشبابها ولا يهمها ثمن ذلك، خرج من مزرعته ذات يوم يجر أذيال الخيبة منتحبا، فتولى إلى الظل وقال: “اللهم أرسل على هذه المزرعة حسبانا من السماء”.
حكيمة تحب أن ترسل أبناءها من زوجها الأول إلى الخارج للدراسة، أما أبناء بوشعيب من زوجته الأولى فهم يرعون الشياه، ويذهب المحظوظون منهم للمدرسة العمومية، والأكثر منهم حظا، حصلوا على الشهادات العليا، وتهشم جماجمهم غير بعيد عن بيت السيدة زوجة الأب. هي تدافع عن اللغة العربية، لغة الأجداد الفاسيين، لكنها لا ترضى أن يتحدث بها أبناؤها، ولا تتحدث هي إلا باللغة الفرنسية، وبوشعيب الذي لا يفهم حرفا من هذه اللغة كالمنبوذ داخل أسوار بيته، لا يفرح إلا إن كان الزائر مشرقيا، هناك يستعرض بعض عضلاته اللغوية أمام زوجته. أما الحرب الحقيقية فلا تشتعل إلا عندما يجتمع أبناء حكيمة مع أبناء بوشعيب معا في زيارة لبيت العائلة.
رغم أن لحكيمة سيارات أنيقة وسائقا خاصا، فقد قررت ذات صباح أن تشتري سيارة أخرى من فرنسا، هذه السيارة لها سرعة قياسية ومواصفات جودة عالية، تريد أن تفتخر بسيارتها أمام العالم، قال لها بوشعيب: “أيتها الحمقاء، في هولندا الأمراء يركبون الدراجات، كما أفعل أنا أيضا، فهل أنت أفضل منهم، أنت بحاجة إلى دراجة على الأقل لتخفيف الوزن، انظري إلى وجهك في المرآة، أنت بدينة جدا، وتريدين أن تشتري سيارة، وهذه السيارة يا سيدتي حكيمة ستكلفنا خبز كل عائلاتنا في دكالة لعشرات السنين ! يا لك من متهورة !” لم تلتفت إلى ما يقوله، وأقسمت أن تستورد تلك السيارة.
رن الهاتف، وكان على الخط أحد أبناء العمومة في “أنفكو” ، والخبر يقول بأن عددا من الأطفال هناك من أبناء عمومته قضوا بالبرد القارس، وضع السماعة وانهمر باكيا، كانت حكيمة في ذلك الوقت تصفف شعرها، وتضع أصباغا جديدة على شفتيها، وعندما جاء الناس لتقديم العزاء عزت حكيمة موت هؤلاء الأطفال لفيروس غريب، لا تعرف حكيمة أين تقع هذه القرية على الخريطة، والذي قطع نياط بوشعيب أن الشخص الذي امتنع عن نجدة هؤلاء واحد من عائلة زوجه الشقية، لم تندمل بعد جراح الحريق الذي شب بمدينته الأم والذي قضى فيه عشرات من أبناء بلدته، المسئول عن الحريق هناك أيضا من أقارب حكيمة. “يا إلهي هذه الزوجة كلها شؤم، يا إلهي أكاد أجن، يجب أن أجد حلا لهذه المصيبة” قالها بوشعيب وهو يمسح دموعه.
مصائب حكيمة، والمتاعب التي خلقتها وتخلقها لبوشعيب كثيرة لا تنتهي، كان ينتظر الفرصة ليكيل لها الصاع صاعين، وهو الصامت كل هذه السنين، … مساء ذلك اليوم دخل إلى البيت فوجد رجلا أنيقا: شعر مصفوف علته بعض الشعيرات البيضاء فزادته هيبة ووقارا، وربطة عنقه معقودة بإحكام، كل ذلك لم يكن ليخفي كبر سنه. الرجل جاء خاطبا لإحدى قريبات حكيمة، تفرس بوشعيب في وجهه جيدا، “هذا الوجه ليس غريبا عني، لكن لا أتذكر جيدا…” بوشعيب يستعيد شريط ذكرياته التعسة عله يتذكر ذلك الرجل، وكان “العبسي” وهذا اسمه يتحدث إلى السيدة حكيمة طويلا، ولأن كلامه كثر فيه حرف الراء ظهر لبوشعيب أن الراء بدورها فاسية، عندها تذكر أن ذلك الرجل كان مقاولا كبيرا أو شيئا من ذلك القبيل، وأنه كان قدم إلى بلدة أعمامه ونصب كمينا لآلاف من الشباب، كان وعدهم بالعمل ولم يوف بوعده. أقسم بوشعيب الأيمان المغلظة ألا يكون صهرا للعائلة، لكن حكيمة لم تستسلم، وأقسمت أن يتم الأمر في حفل مهيب يحضره عدد كبير من الناس، وكانت هذه هي القشة التي قصمت ظهر البعير، لم ينتظر بوشعيب طويلا فذهب إلى المحكمة، يريد أن يطلق زوجته، وأمام القاضي، كانت حكيمة تتبختر يمينا وشمالا، وتبتسم للقاضي، فقال بوشعيب في نفسه: “أيعقل أن يكون هذا القاضي من أقاربها أيضا، المهم أن القاضي حكم لصالح حكيمة وبتحميل بوشعيب الصوائر، قرر بوشعيب أن يستأنف الحكم، فغمز رئيس الجلسة بأبيات قال فيها:
فتـن القـاضي لمـا رفع الطـرف إليـهـا
فتنـتـه بــدلال وبخـطي حاجبيـهـا
ومشت مشيا رويدا ثم هـزت منكبيهــا
فقضى جورا علـى الخصم ولم يقض عليهـا
كيف لو أبصر منها نحرهـا أو ساعـديهـا
لصبـا حتى تـراه سـاجدا بـين يديهـا
قرر القاضي متابعته بتهمة أخرى هي إهانة القضاء، لم يكترث بالأمر، قرر أن يواصل طريقه إلى النهاية، لأنه استيقظ أخيرا من سباته، ردد في نفسه قول الشاعر وكله عزم وقوة ومضاء.
إذا لم يكن من الموت بد فمن العجز أن تموت جبانا
اقترب موعد الزفاف، شهر أيلول، وكان كل شيء معدا بإحكام، ووجهت الدعوة للضيوف في الداخل والخارج، ولبست حكيمة أفضل فساتينها، كيف لا وهي أقرب الناس للعروس، أما العرس فسيكون لا محالة كلام العادي والبادي، سيتحدث الناس عنه زمانا. وستتحدث عنه كل صحف الدنيا وكل إذاعاتها.
في اليوم الموعود، كان كل شيء جاهزا، مرت ساعات طويلة ثقيلة على قلب حكيمة والعريس الجديد، حضر بعض الضيوف فقط، ولكيلا يصبح الحدث فضيحة وهزيمة، وفرصة لتشفي بوشعيب، فقد قرروا فتح الباب للجميع في آخر لحظة حفظا لماء الوجه، كيف يعقل أن يمر عرس عظيم بهذه الصورة الباهتة، الضيوف قرروا ألا يذهبوا لذلك العرس، خافوا أن يكون الطعام مسموما، الأطباق الجاهزة رموا بمعظمها في القمامة، وبدا وجه العريس شاحبا، وكانت حكيمة تكظم غيظها، لكنها لم تستطع أن تخفي دموعها، ورغم ذلك فقد تم الزفاف، لكنه زفاف لا كالآخرين. أول منتش بفشله هو صاحبنا بوشعيب الذي أحس أنه انتصر لأول مرة في حياته، لم يعد يهمه أمر الاستئناف، ولا أمر الدعوة الجديدة ضده، تنفس نفسا عميقا، وكأنه يتنفس لأول مرة، هز رأسه وحدق في الأفق البعيد، تمتم قائلا: “قل عسى أن يكون قريبا”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: