منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

أوراق من زمن الفتنة المر (قصة قصيرة)

عبد الكريم مشروحي

0
اشترك في النشرة البريدية

نشر هذا المقال بمجلة منار الهدى العدد الثاني

قراءة وتنزيل المقال pdf

وغابت الشمس قبل الغروب

وغابت الشمس قبل الغروب، والليل الدامس أقبل وليدا بكرا يزحف خلف التلال، والغدران والهضاب، والوهاد والجبال، والقرى وشوراع المدينة… فيما سحائب آلام جراح البؤساء والمعطلين عن العمل والسجناء والمعوقين والمرضى والحيارى المدمنين على الخمر والمخدرات صارت تغطي السماء، ولا أحد يسأل عن كيف حال الفقراء والضعفاء…

وأمام الباب المسدود، على الأجساد المتلاصقة كآلاف من الموتى المحشورين داخل قعر جدث مظلم تحت قاع بحر الجليد ـ شردت نفس الدكتور أحمد رامي ـ الغريب بين أهالي الوطن الحبيب ـ عبر ثقوب العتمة في المدى البعيد جدا حالمة بالعيش الرغيد والحياة الطيبة في بلاد الضباب، أو ناطحات السحاب، صحبة راغدة الطيبة الحنون بنت الكرم والأصول. فجأة كسَّر نعيق غرابٍ الصمت الذي كان يخيم على المكان المريب، اخترق بوحشية الظلامُ القاتم وخطف الحلم الصعب، حمله على جناحيه، ثم طار إلى أعالي الجبال الشاهقة مخلفا وراءه غبارا وصدى صياح لا يبعث على التفاؤل الحسن، عن أجمل ساعة يتجلى فيها نور الحق وهّاجا على شعوب الأرض، ويلتقي هو بالتي ما زال شبابها يتجدد ويزداد نضارة وبهاء، وتزداد هي تقوى وحشمة وحياء.

آهات عنيفة خرجت من قلبه المكلوم، وزفرات أطلقتها نفسه الباكية، فشعر بالعياء الشديد عند نقطة بداية المسير العسير، جلس القرفصاء فوق صخرة ناتئة تشرف على واد عميق، وبمهل وتؤدة فتح الكيس وأخرج قارورة الماء، رشف منها ثلاث رشفات كانت كافية لإرواء عطشه. ابتسم ابتسامة رقيقة متواضعة قائلا: الحمد لله الذي أذهب عني العطش، ثم استلقى على ظهر الصخرة يتأمل الليل الذي غاب عنه القمر الوضاح والنجوم المتلألئة في الصفاء.

المزيد من المشاركات
1 من 50

وأمام هذه الصورة القاتمة التي تدفع للتفكير والتأمل، لكنها لا تساعد على التفاؤل في واقع بشري تهيمن عليه حياة الضلال والظلم والخبال، وفي لحظة الإشراق وجد نفسه غارقا في بحر التفكير المتزن العميق، يقلب ويفتش على المنهاج السليم في التغيير والتجديد وإعادة التشكيل لواقع فقد ناسه العقل والصواب في الرؤية والقراءة والفهم الصحيح للدين والإنسان والكون والحياة. ولما أضناه البحث أسلم جفنيه للكرى وراح في سبات ثقيل، ما أيقظه منه إلا صوت الهدهد وصياح الديك مع طلوع الفجر، أصوات لامست أذنيه برفق وحنان، ساعتها قام مهرولا نحو الغدير، ثم شرع في الوضوء للصلاة، ولأجل أن تبقى دوما ورود الأمل قطوفا دانية بيضاء، مهما أحاطت بها وحاصرتها من كل جانب قيود اليأس الكالحة.

وهكذا وبصوت خافت حرك شفتيه قائلا: بئس ما يفعل أصحاب الوجوه الكالحة بالأمة، (ويكأنه لا يفلح الظالمون). وعلى حين غرة ضرب هوى مصالحه الخاصة ضربة بكر، لذلك وبإرادة قوية وعزمة فولاذية قفل راجعا إلى ساحة المعركة، والوقوف في صف الأخيار قصد الدفاع عن أصحاب الوجوه الشاحبة والمنكمشة، الخائفة من الحاضر والمستقبل الساقطين في غبش وسحائب الزمن المر الرديء، عازما على إتمام قصة فجر وليل وبركان، فجر غد الشهداء الضاحك، وليل الموتى الراكضين وراء السراب، وبركان موالاة أعداء الله طوفان ورجس وخراب.

من النافذة المطلة على شارع النصر كانت تطل راغدة وعلى ثغرها ابتسامة مطرزة ببشرى الأمل والحلم الدائم بالنصر، رافضة بالكامل أن يمتد الجفاف إلى أعماق القلوب، في هذه الأثناء لاح إلى ناظريها من بعيد أحمد تامر قادما مرفوع الهامة، مزهوا في خطوات واثقة، ويحمل بين يديه مزهرية من النوع الفلسطيني الكشميري الساحر، بها باقة ورد انتقاها باهتمام بالغ ـ تعبر عن كلمات الود والحب في لونها الصافي الخالص ـ هي ثمن مهر الزواج الصادق، مع خاتم نقش عليه “إن لم تستحي من ربك فاصنع ما شئت”. وبعفوية هرعت راغدة صوب المرآة تتلمس بأناملها وجهها المشرق، ثم راحت تزيل بطرفي شالها دموع الفرح والغبطة عن خديها، أدارت وجهها وارتمت في أحضان أمها قائلة: لقد عاد أحمد يا أمي، لقد عاد.

وحتى تشاركها أمها فرحتها تبسَّمت في وجهها قائلة: وعودته لا تقاس لديك بثمن، تلك بنيتي هي سعادة المتحابين في الله عز وجل، جامعهم القرآن والسنة في هذا الزمن المر الرديء، فامرحي يا بنيتي ففي ماء عينيك الجميلتين تستحم أنسام الفجر المعطرة بفيح أزاهير الورد والرياحين وعلى محياك تعوم سحب الإيمان زهرة وحسن خلق، وهكذا انطلقت راغدة في باحة الدار تمرح وتنشد نشيد العودة والفرح والحبور.

غرد، غرد يا طائر الوادي × غرد، غرد يا طائر الوادي

كلم خطيبي عن أحلام فؤادي × كلم خطيبي عن أحلام فؤادي

غرد، غرد يا طائر الوادي × غرد، غرد يا طائر الوادي

كلم خطيبي عن أحلام فؤادي × كلم خطيبي عن أحلام فؤادي

استقبلته راغدة عند باب الدار وعلى ثغرها ابتسامة فرح وسرور، أعطاها باقة الورد قائلا:

ـ كيف هو حالك يا راغدة.

ـ قالت: الحمد لله وبعودتك اكتمل الاحتفال وعمت الفرحة الدار.

ـ جزاكِ الله خيرا، ولكِ منِّي أجمل الهدايا.

ـ هيا تفضل بالدخول، إن أمي مشتاقة لرؤيتك…

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.