حرية الرجل في حق اختيار زوجه. ودور الوالدين استشاري.

المحاور الأساسية

– مقدمة.
– نماذج حية في تدخل الأم في اختيار الزوج “الزوجة” لابنها.
– الدوافع في تدخل الأم في اختيار زوج لابنها.
– احترام الإسلام لمشاعر الشاب الراغب في الزواج في اختيار شريكة حياته.
– بر الأم لا يتعارض مع الاستقلالية في اختيار الزوج.
– الوالدان بين الدين والتدين في شأن استقلالية زواج ابنهما.
– بعض الحلول لتحقيق حرية اختيار شريكة الحياة دون الاصطدام مع رغبة الوالدين.
– الخاتمة.
***

مقدمة.

من المشاكل العويصة التي تؤرق الكثير من الشباب الراغب في الزواج؛ تدخّل الأم في اختيار زوج لابنها، بل قد تجد حتى أهل هؤلاء الشباب من أخت وغيرها يتدخلون هم كذلك في اختيار شريكة الحياة لقريبهم، وكأنه حق من حقوقهم جرى به العرف، ولهذه العادة أثر سلبي على بناء الأسرة على أعمدة متينة.

– نماذج حية في تدخل الأم في اختيار الزوج “الزوجة” لابنها.

1 – هذا مثال – من بين العديد من الأمثلة – لشاب يقول: رغم صعوبات وعقبات الزواج؛ من وظيفة وسكن، وقدر من المال موفر لمتطلبات العرس وغيرها…، والتي أصبحت تعترض طريق الكثير من الشباب الذين يريدون تحصين أنفسهم بالحلال، فقد استطعت اقتحامها كلها إلا واحدة، وهي تدخل أمي في اختيار زوجي وشريكة حياتي، فحين وجدتُ الفتاة التي تتوفر فيها الصفات التي أحلم أن تكون فيمن سأقضي معها بقية عمري، وأُكوّن معها أسرة تكون اللبنة الأولى للمجتمع، طلبتُ من أمي التقدّم لخطبتها؛ فرفضتْ بحجة أنها ليست من مستواهم الاجتماعي والمادي. ورغم محاولاتي العديدة لإقناعها قصد التراجع عن قرارها، موضحا لها أن الزواج قرار شخصي، خيّرتني بينها وبين الفتاة، وما عليّ إلا أن أقرر مَن سأختار. وهذا الموقف الذي عشته، اعتبرته من أصعب العقبات التي تعرّضتُ لها في حياتي، فالتخيير بين أمي والفتاة التي أحبها مشكلة أرقتني، وقلت في نفسي متسائلاً: ماذا لو غلب اختياري على من أحبها، وما هي التعقيدات المستقبلية التي سألقاها، رغم معرفتي لحجم المشاكل التي لن تنتهي جراء الخلافات بين أمي وزوجي “غير المرغوب فيها”؟.
2 – وهذا مثال آخر لشاب خالف العرف السائد في المجتمع العربي، ففاجأ أمه بأنه قرر الزواج، وأنه وجد البنت التي ستصلح له، وترك لأمه دور اكتشاف العروس من بين صديقاتها الأربع اللواتي سيزرنها في البيت، فاختلط الأمر على الأم، بين الفرح لابنها الذي أصبح رجلا وقادرا على تكوين أسرة وإنجاب أحفاد، وبين إقصائها في شأن اختيار الفتاة الصالحة لابنها كما جرت به العادة في المحيط الذي يعيشون فيه، فصمتت الأم ولسان حالها يستنكر هذا القرار، ويظهر ذلك من خلال الدموع التي تنحدر على خديها، وطلب إليها اختيار اليوم الذي يمكن للفتيات الخمس الحضور فيهن قصد اكتشاف فتاة أحلامه، حددت الأم اليوم؛ وحضرت الفتيات، وأكرمتهن وانصرفن فرحات، وعند رجوع الابن، قال لأمه: أنا متأكد يا والدتي الحنون، أن ذوقي لا يختلف عن ذوقك، وسوف لن تخطئي في معرفة الفتاة التي أحببت الزواج بها؛ ضمن صديقاتها الأربع اللواتي حضرن معها، أجابته بصوت منخفض والأسى والحزن على ملامح وجهها الشاحب وقالت: هي صاحبة الفستان الأحمر، ففرح الابن وتعجب قائلا: كيف عرفتها بهذه السرعة رغم التقارب الموجود بينهن في الهيأة والجمال؟ فأجابته بسرعة وبلهجة حادة قائلة: لأنني بمجرد ما رأيتها كرهتها، وأنها أسرعت دون صديقاتها وجلست بجانبي راغبة في التقرب مني، وهذه هي بداية الصراع و العداوة بين الفتاة وحماتها[1]

– الدوافع الأساسية في تدخل الأم في اختيار زوج لابنها.

أهم الدوافع التي تجعل أهل الشاب عموما؛ وأمه خصوصا؛ يمنحون لأنفسهم صلاحية التدخل في زواج قريبهم، ويرفضون مبدأ استقلاله في الاختيار:
1 – لاعتقادهم المسبق والخاطئ أنه ضعيف في صنع قراره.
2 – لشعور الأمهات أحياناً أنهن الأدرى والأكثر خبرة من أبنائهم في اختيار الزوج المناسبة لهم، حتى وإن لم يكونوا راغبين فيها شكلا ومضمونا.
3 – اختيار الأم قد ينطلق من شعورها ب:
أ – عدم توافق الفتاة مع ابنها، ربما لقوة شخصيتها؛ ما يعني سيطرتها على ابنها وضياعه منها.
ب – أو عدم التوافق الاجتماعي والثقافي والمادي بين الأسرتين.
ج – أو عدم رضا الأم عن شكل الفتاة وعن عائلتها…
4 – اعتبار الأم ابنها ملكا لها، ولا ينبغي لأحد أن ينازعها فيه؛ ويقصيها من حياته.
والنتيجة المفترض وقوعها إن استقل الابن في اختيار من يحبها، أن استقرار حياته الزوجية بعد الزواج لن تكون مُرضية، طالما اختيارها جاء نتيجة اقتناع شخصي منه بعيداً عن رضا الأم عنها، وهكذا يكون بناء الأسرة معرضا للانهيار بسبب غياب هذا العماد.

– احترام الإسلام لمشاعر الشاب الراغب في الزواج في اختيار شريكة حياته.

إن اعتبار اختيار الأم الفتاة التي تصلح لابنها حقا من حقوقها هو سبب رئيسي في هدم عماد الأسرة. لأن الابن أصبح رجلا، وأصبحت إرادته مستقلة، وهو الذي سيعاشر المرأة التي ستصبح زوجا له؛ ويعيش معها طوال حياته؛ بل حتى في آخرته إن كانا من أصحاب الجنة، والأذواق تختلف، وأن هذه الحرية في الاختيار لا تتعارض مع حقوق الوالدين؛ وخصوصا الأم، لهذا أوكل الشرع الإسلامي إلى الشاب مسؤولية الاختيار، أما الوالدين فلهما دور استشاري بناء على تجربتهما وخبرتهما، ولا يحق للأهل عموما ولا للوالدين و لا للأم خصوصا التدخل وفرض السيطرة على الشاب في اختيار الفتاة اللائقة به.

– بر الأم لا يتعارض مع الاستقلالية في اختيار الزوج.

ليس من شك في أن الأم هي أعظم الناس حقا على ابنها، وأن برّها من أوجب الواجبات عليه، قال الله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا، حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [2].
وقال تعالى: ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ، حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ، أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ، وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا، وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ، ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [3].
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟، قَالَ: أُمُّكَ، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟، قَالَ: ثُمَّ أُمُّكَ، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟، قَالَ: ثُمَّ أُمُّكَ، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ ، قَالَ: ثُمَّ أَبُوكَ)[4]، وزاد في مسلم : (ثم أدناك أدناك)
والمقصود بحسن صحابتي، بمعنى الصحبة. والحديث راعى فطرة الإنسان الاجتماعية، فأنّى له أن يكابد الحياة ويُبحر في غمارها بغير صديق يقف معه في محنته، ويعينه في شدّته، ويُشاركه همومه، ويُشاطره أفراحه، ولولا الصحبة والصداقة لفقدت الحياة قدراً كبيراً من لذّتها. كانت الكلمات السابقة الواردة في الحديث، تعبيراً عن الاقتناع الذي تجسّد في قلب أحد الصحابة الكرام الذين كانوا يعيشون مع النبي –صلى الله عليه وسلم – في المدينة، ومن منطلق هذا الاقتناع، قام بتكوين علاقات شخصيّة وروابط أخويّة مع الكثير ممن كانوا حوله، على تفاوتٍ بين تلك الصلات قوّة وتماسكاً وعمقاً. وإذا كان الناس يختلفون في صفاتهم وطباعهم، وأخلاقهم وشمائلهم، وأقوالهم وأفعالهم، فمن هو الذي يستحقّ منهم أوثق الصلات، وأمتن العُرَى، وأقوى الوشائج، ليُطهّر المشاعر، ويسمو بالإحساس؟ هذا هو السؤال الكبير الذي ظلّ يطرق ذهن الصحابي الكريم بإلحاح دون أن يهدأ، وسؤال بمثل هذا الحجم لا جواب له إلا عند من أدّبه ربّه وعلّمه، وأوحى إليه وفهّمه، حتى صار أدرى من مشى على الأرض بأحوال الخلق ومعادن الناس. وهنا أقبل الصحابي الجليل يحثّ الخطى نحو الحبيب المصطفى–صلى الله عليه وسلم- ليسأله عمّا يدور في ذهنه من تساؤلات، فوجده واقفاً بين ثلة من أصحابه رضي الله عنهم، فمضى إليه ثم وقف أمامه وقال: ” يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟”. خرجت الكلمات من فم الصحابي الكريم وهو يمعن النظر في وجه النبي –صلى الله عليه وسلم- ينتظر جوابه، وكلّ ظنّه أن الإجابة ستكون بياناً لصفاتٍ معيّنة إذا اجتمعت في امرئ كانت دليلاً على خيريّته وأحقّيته بالصحبة، أو ربّما كان فيها تحديداً لأسماء أفرادٍ ممن اشتهروا بدماثة الخُلُق ورجاحة العقل. لكن الجواب الذي جاء به النبي –صلى الله عليه وسلم- لم يكن على النحو المتوقّع، فلقد قال عليه الصلاة والسلام: أمّك، نعم! هي أحقّ الناس بالصحبة والمودّة، ويستزيد الصحابي النبي عليه الصلاة والسلام ليسأله عن صاحب المرتبة الثانية، فيعود له الجواب كالمرّة الأولى: أمّك، وبعد الثالثة يشير – عليه الصلاة والسلام- إلى الأب، ثم الأقرب فالأقرب.
ولا ريب في استحقاق الأمّ لمثل هذه المرتبة العظيمة والعناية الكبيرة، فهي المربّية المشفقة الحانية على أولادها، فكم كابدت من الآلام، وتحمّلت من الصعاب في سبيلهم، حملت كُرهاً ووضعت كُرهاً، قاست عند الولادة ما لا يطيقه الرّجال الشداد، ثم تنسى ذلك كلّه برؤية وليدها، لتشغل ليلها ونهارها ترعاه وتطعمه، تتعب لراحته، وتبكي لألمه، وتميط الأذى عنه وهي راضية، وتصبر على تربيته سنيناً طوالاً في رحمةٍ وشفقة لا نظير لهما، فلذلك كانت الوصيّة بصحبتها مكافأةً لها على ما بذلته وقدّمته، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ والحديث الذي بين يدينا ركّز على حقوق الأقارب من الصلة والمودّة، خصوصاً وأنّهم مظنّة التقصير والنسيان، وتفضيل الأصحاب والأحباب عليهم، فجاء التنبيه عليهم والتذكير ببرّهم أكثر من غيرهم. وأولى الناس بالبرّ – كما هو مقتضى الحديث- الوالدان، لما لهما من نعمة الإيلاد والتربية، ولذلك قرن الله حقّه بحقّهما، وشكره بشكرهما، قال الله تعالى : ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا، إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا، وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [5]، وقال تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ﴾ [6]، كما جعل رضاه سبحانه وتعالى من رضاهما، وسخطه من سخطهما، عَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عُمَرَ – رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُمَا-، عَنْ اَلنَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ: (رِضَا اَللَّهِ فِي رِضَا اَلْوَالِدَيْنِ، وَسَخَطُ اَللَّهِ فِي سَخَطِ اَلْوَالِدَيْنِ)[7]. وبرّ الوالدين أجلّ الطاعات، وأنفس الأعمال الصالحات، به تُجاب الدعوة، وتتنزّل الرحمة، وتُدفع البليّة، ويزيد العمر، وتحلّ البركة، وينشرح الصدر، وتطيب الحياة، ويُرافق صاحبه التوفيق أينما حلّ. وتكون الصحبة بالطاعة والتوقير، والإكبار والإجلال، وحسن الحديث بجميل الكلام ولطيف العبارة، وخفض الجناح ذلاً ورحمة ، قال الله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ﴾ [8]، فإذا تقدّما في السن فوهن العظم وخارت القوى كان البرّ أوجب، والإحسان آكد، قولاً وعملاً، قال تعالى: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ﴾ [9]، فجاء الأمر بالقول الكريم، والنهي عن التأفّف والتضجّر، والدعوة إلى المعاملة الرحيمة كمعاملة الخادم لسيّده. ومن تمام الصحبة وعظيم البرّ الدعاء لهما بعد موتهما، حتى لا ينقطع عنهما مجرى الحسنات، عن أبى هريرة – رضي الله عنه – قال: قال النبي – صلى الله عليه وسلم- : (إذا مات الإنسانُ انقطع عملُه إلا من ثلاثةٍ:- وذكر منها- ولدٍ صالحٍ يدعو له)[10]. وليس المقصود هنا استيفاء جميع النصوص الواردة في حقّ الوالدين وفضل برّهما؛ ولا ذكر ما يتعلّق بصلة الرحم ووجوبها، فإن المقام بنا يطول، وحسبنا أن نعلم أن الرسالة التي جاء بها الحديث تدعو إلى بناء أسرة متماسكة من خلال توثيق الصلاة بين أفرادها، والأسرة نواة المجتمع وقاعدته الصلبة، وبصلاحها تصلح المجتمعات وتثبت دعائمها، وتعمق جذورها، فتتمكّن من أداء رسالتها في الأرض على أكمل وجه، ومن بر الوالدين تعليمهما بكل أدب ورحمة ولين أحكام الشريعة الإسلامية من حقوق وواجبات، حتى يعلما ما لهما وما عليهما، حتى يكون رضاهما تبعا لرضا الله، وسخطهما تبعا لسخط الله، لا انقيادا وراء الأهواء والشهوات، أو العادات والتقاليد المخالفة لشرع الله، ومن التعاليم التي ينبغي أن يكون الوالدان على علم بها، استقلالية الابن في اختيار شريكة حياته، ويبقى دورهما استشاري وتوجيهي ليس إلا.

– الوالدان بين الدين والتدين في شأن استقلالية زواج ابنهما.

الدين الإسلامي يعطي الحرية للشباب في اختيار الفتاة الصالحة للزواج والعشرة، ويكون دور الوالدين استشاري، في حين أن التدين غالبا ما ينساق مع الأعراف السائدة في المجتمع، والتي تعطي الحق للوالدين؛ وخصوصا الأم في اختيار الفتاة التي تليق بابنهما، فكيف يمكن للشاب أن يتمتع بحقه الذي كفله الشرع له في اختيار من تلائمه من الإناث دون أن يصطدم بأعراف مجتمعه ويحظى برضا والديه؟

– بعض الحلول لتحقيق حرية اختيار شريكة الحياة دون الاصطدام مع رغبة الوالدين.

يبيّن مرشدون أسريون أن الحل الأمثل لهذه الإشكالية التي هي إمكانية تمتع الشاب بحقه الذي كفله الشرع له في اختيار من تلائمه من الإناث دون أن يصطدم بأعراف مجتمعه ويحظى برضا والديه. أنه ينبغي:
1 – أن يهيَّأَ لهذه الإشكالية من قبل، عن طريق توعية الآباء والأمهات في هذا المجال من قبل مرشدين دينيين، ومرشدين أسريين، في مجالس تعقد لهم.
2 – تلقين الشباب أساليب حكيمة يستطيعون بها مواجهة أمهاتهم بأسلوب عقلاني، وقد يتعاطفن معهم من منطلق أمومتهن، لأنه في نهاية المطاف يُهمهن سعادة أبنائهن.
3 – إذا فشلت محاولتهم، يمكنهم إدخال أطراف آخرين للمساعدة في إيجاد توافق وتراضٍ بينهم وبين أمهاتهم.
4 – في حال رفض الأم للأمر، للشاب أن يقنعها بأن الزواج يجب أن يجمع طرفيْن يحبان بعضهما لتحقيق سعادتهما، وأنه حاول سابقاً إقناع نفسه بالخضوع لاختيار أمه؛ إلا أن الأمر صعبٌ عليه، ولا يستطيع الزواج من غير الفتاة التي أحبها، ولن يكون سعيداً مع غيرها.

الخاتمة

يجب مسبقا توعية الوالدين في دروس المساجد، وخطب الجمعة، ومواعظ المناسبات، واللقاءات التكوينية،… بأحكام الشريعة الإسلامية الغراء، حتى يكون المهيمن في حياة الأسرة هو شرع الله، وليس العادات والتقاليد المخالفة لتعاليم الإسلام السمحة، وحتى يعلم الوالدان ما لهما تجاه ابنهما وما عليهما حتى لا تصطدم الحقوق وتنشب العداوة. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

الهوامش
[1] والحماة تطلق على والدة الزوج ، كما تطلق على والدة الزوجة. فهما السيدتان اللتان تعتبران كل منهما حماة لأبناء الأخرى.
[2] سورة الأحقاف، من الآية 15.
[3]سورة لقمان، الآيتان 14 – 15.
[4] رواه البخاري (5971) ، ومسلم (2548).
[5] سورة الإسراء، الآيتان 23 – 24 .
[6] سورة لقمان، من الآية 14.
[7] حديث حسن، رواه الترمذي (ح1900)، وابن حبان (ح2026 وموارد) والحاكم (4 / 151- 152) وأعلَّه الترمذي بما لا يقدح، ورواه الطبراني بهذا اللفظ، وصححه الألباني في صحيح الجامع، (ح 3507).
[8]سورة الإسراء، من الآية 24.
[9] سورة الإسراء، من الآية 23.
[10] أخرجه أحمد (2/372 ، رقم 8831) ، والبخارى فى الأدب المفرد (1/28 ، رقم 38) ، ومسلم (3/1255 ، رقم 1631) ، وأبو داود (3/117 ، رقم 2880) ، والترمذى (3/660 ، رقم 1376) وقال: حسن صحيح . وابن ماجه (1/88، رقم 242). وأخرجه أيضًا: النسائي (6/251 ، رقم 3651) .

اظهر المزيد

بن سالم باهشام

أستاذ العلوم الشرعية بخنيفرة المغرب. عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين. عضو رابطة علماء المغرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: