حاسب نفسك قبل أن تتهم غيرك

حاورت نفسي قبل أن أسطر هذه الصفحات من سجل ذكرياتي قائلا لها: هل بالإمكان أن نكتب تاريخ الزمن الذي نعيشه، أم ندع المسائل للأجيال القادمة علّها تجد البعد السليم لتسطير الحقائق والأحداث كما يجب؟ إلا أنني تذكرت القاعدة الأصولية التي تقول: لا ينبغي تأخير البيان عن وقت الحاجة، وبالتالي فما فائدة كتابة حكاياتي مع الشباب المغربي المدمن إذا تغيرت الأحوال إلى أحسن حال إن شاء الله تعالى، ثم إن الوثائق الخالية من روح أصحابها تغدو مع طول الزمن جافة يابسة تختفي أو تتحرر دون أن ينتبه إليها أحد، أو ينتفع بها الناس، وبناء على ما ذكر؛ فإن الكتابة في هذا الموضوع، والذي هو تجاربي الدعوية مع الشباب المغربي المدمن، أصبح بالنسبة لي من بين المسؤوليات الملقاة على عاتقي والتي يجب تبليغها عسى أن تكون سببا في إيقاظ النائم، وتذكير الغافل، وإنابة الشارد، وتوبة العاصي، وندم المفرّط …

علمتني الحياة ألا أسرع في اتهام أحد على جريرة ارتكبها حتى أحاسب نفسي أولا لأرى هل لي من نصيب في ذلك، وإن لم يكن، فقبل توجيه اللوم للشخص المفرّط لابد من التماس الأعذار له، وتقصي الأسباب، والبحث عن الدوافع، إن كان الهدف هو التغيير والإصلاح، وفي شأن شريحة المنحرفين من الشباب والذين اختار لهم المجتمع المغربي اسم “الشمكارة” ، ويقطنون غالبا في الأحياء الشعبية، مثل الحي الذي كنت أسكن فيه، والذي كان يسمى حي بوفولوسن وأصبح اسمه اليوم حي الفتح بمدينة خنيفرة بالمغرب الأقصى.

فإنني رجعت إلى نفسي أولا لأحاسبها في شأن هذه الشريحة، فوجدت أن لي حظا وافرا من المسؤولية تجاههم بصفتي داعية إلى الله، وأرجعت اللوم لنفسي أولا فقلت: أنا ما يزيد على عشرين سنة وأنا ألقي خطب الجمعة [1]، والمواعظ في المساجد، والدروس في المناسبات،[2]، إلا أن هذه الشريحة المنبوذة من المجتمع لا تدخل المساجد لتسمع مني خطبة الجمعة أو موعظة من المواعظ، وبالتالي يصعب عليها معرفة الطريق الحق،  يقول الحسن بن علي رضي الله عنهما: سمعت أبي وجدي – يعني النبي صلى الله عليه وسلم – يقول: « من أدام الاختلاف إلى المسجد أصاب آية محكمة، أو رحمة منتظرة، أو علما مستطرفا، أو كلمة تزيده هدى، أو ترده عن ردى، أو يدع الذنوب خشية أو حياء ».[3].

 كما أن الناس لا يستدعون مثل هذا الصنف من المدمنين المشردين المنبوذين لحفلاتهم وأفراحهم بل حتى أتراحهم، فممّن إذن سيسمعون كلمة توجيهية ترشدهم إلى الهدى أو تردهم عن الردى إن لم أكن أنا الزائر لهم أو المستدعي والمضيّف؟، حينها علمت أن هذا تقصير مني تجاه هذه الشريحة الضحية، فبدأت أفكر في الطريقة الناجعة للاتصال بهم، فتوصلت إلى أن أحسن طريقة هي إرسال أحد التائبين الذي كان منهم ولا زال له اتصال بهم، فاخترت يوم الجمعة بعد العصر، وأعددت في منزلي ما لذ وطاب من الطعام، وأرسلت هذا الأخ الكريم في طلبهم ليستدعيهم، وبدأت أنتظر قدومه على أحر من الجمر، وفوجئت بمجيئه وحده وليس معه أحد، فلما سألته أجابني بأنهم رفضوا المجيء، ولما سألته ماذا قال لهم، أجابني بأنه أخبرهم بأن يأتوا إلى منزلي لأسمعهم دروسا في الدين، وهم يعرفونني جيدا ويسمعون بي، فاعتذروا له، وهذا طبيعي منهم، فماذا يريدون بالدروس وهم في أمس الحاجة إلى من يشبع جوعتهم أولا، ويستمع إلى شكاويهم ثانيا، ويحس بآلامهم ثالثا، ورحم الله من قال:” لا يسلك في أذن الجائع إلا صوت يبشر بالخبز”.[4]، وقال رحمه الله تعالى: “الصدقة والرفق بالمسلمين وبالناس أجمعين وبخلق الله السائمين، قربة من الله تزن أكثر مما تزن ساعات من النوافل الفردية. محبة المسلمين، وخدمتهم، والسعي في مصالحهم، والتّحنّن على الضعيف والمريض والمحروم، وإطعام الجائع، وتعليم الجاهل، وإقراء الأمي، وإيواء المشرد، وكفالة اليتيم، وزيارة الوحيد، وتسلية اليائس، وإغاثة الملهوف، وجمع شمل الأرملة. هذه كلها من الدين، كلها دين”. [5].

وهنا توصلت إلى أن المبعوث الذي أرسلت لهم لم ألقنه ماذا سيقول، فبدل أن يستدعيهم لسماع الدرس، كان الأولى بأن يخبرهم بأنهم اليوم ضيوفا عند الأستاذ بن سالم باهشام الذي يريد إكرامكم في يوم الجمعة، وكانت هذه هي الجولة الأولى مع هؤلاء الضحايا المنبوذين لأثبت لهم أن الدعوة إلى الله الحقيقية ليست كلاما ولوما واتهاما وتأييسا للآخرين؛ بقدر ما هي فتح قلب الداعي مواساة للآخرين، وفتح بيته احتضانا، وفتح جيبه بذلا وعطاء، وبسط يده كرما وجودا. ووجهه تبشيرا وتيسيرا.

الهوامش

[1] [من سنة 1986 إلى سنة 2006 بمسجد أم الربيع بخنيفرة بالمغرب الأقصى.].

[2] [ أكثر من 30 سنة من 1982 إلى 2018. إلى اليوم].

[3] [ البزار، أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق بن خلاد بن عبيد الله العتكي، البحر الزخار مسند البزار، (المتوفى : 292هـ)، (4/ 175).] [4] [من كلام الإمام عبد اللام ياسين رحمه الله].

[5] [الشورى والديمقراطية، الإمام عبد السلام ياسين (ص: 159).]
اظهر المزيد

بن سالم باهشام

أستاذ العلوم الشرعية بخنيفرة المغرب. عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين. عضو رابطة علماء المغرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: