جمالية الحب في براءته

       الحب الذي نتحدث عنه إنما يكتسي جماله من براءته وعفته، وكل حب متهم فهو غير جميل بمعنى أنه قبيح. فالحب بريء في تواصله وتعارفه، في صحبته وصداقته، فإن صار له وقع على الأذان يزعج، فإنما كان بسبب من لطخه بغيره من المفاهيم القبيحة. الحب ليس هو الجنس. هذا الأخير له ارتباط بالنفس، والنفس متهمة لكونها محط الرغبات والشهوات والملذات. هذا المفهوم -الذي اعتبره الدين فاحشة- يهوي بالإنسان حين يصبح فعلا ممارسا إلى درجة الحيوانية والبهيمية. لا يخرج منها ليعود إلى إنسانيته إلا بمعانقة الطهارة والإقبال على التوبة. الجنس مرتبط بالنفس، والنفس أمارة بالسوء، فقد قال سبحانه:[ وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء]. فهي تنزع إلى الشر أكثر مما تنزع إلى الخير، وتنزع إلى الغفلة أكثر مما تنزع إلى الذكر، وتنزع إلى المعصية أكثر مما تنزع إلى الطاعة، فهي لا تريد أن تتربى، ولا أن تستقيم، بل تستثقل الطاعة وتكره أن تذكر الله ، وتقوم الليل، وتقرأ القرآن، وهي لا تطالب بحقوقها فقط من أكل وشرب ونوم وفسحة، بل تطالب بالحظوظ واللحوظ. والحظوظ ما تميل النفس إليه وتهواه، وهي ثلاث:

– حظوظ جسمانية وهي الاختيار والتنوع في المطاعم والمشارب والملابس والمساكن وغيرها على سبيل الإسراف.

– وحظوظ قلبية كحب الرئاسة والجاه، وحب المدح والثناء، والاتصاف بالكبر والحسد والغرور وغيرها من المصائب. وهذه الحظوظ أخطر من الأولى، وأصعب منها علاجا. وفي قصة سيدنا آدم مع إبليس عبرة. فلما كان حظ آدم عليه السلام في جسمه تداركه بالتوبة. ولما كان حظ إبليس في قلبه طرد من رحمة الله تعالى.

– وحظوظ روحية  كطلب الكرامات، والوقوف مع المقامات وحلاوة الطاعات.

وأما اللحوظ فالالتفات إلى الغير والتمني ما عنده من أمور الدنيا. وقد قيل: من يلتفت لا يصل.

وعن النفس الأمارة بالسوء تصدر جميع الصفات السلبية التي وصف بها القرآنُ الإنسان. فكان الإنسان كفورا، وهلوعا، وجزوعا، وجهولا، وقتورا، و لربه خصيما مبينا، وأكثر شئ جدلا.

 

أما الحب فمرتبط بالقلب، والقلب مصدر التعلّقات والأشواق والمشاعر، هذا الحب عندما يكون عفيفا يرقى بصاحبه في بعض الحالات إن لم تسنح له الفرصة ليفوز بالمحبوب وحال بينهما الموت إلى درجة الشهيد. قال النبي صلى الله عليه وسلم: “من عشق فعفّ فمات مات شهيدا”[1]، وفي رواية:” فهو شهيد”، وبلفظ آخر: “من عشق فعف فكتم فصبر فمات فهو شهيد”.

ولصحة هذا الحديث واشتهاره بين الأكابر جاء تضمينه في أشعارهم كثيراً، فمن ألطف ما قيل في ذلك قول ابن الصائغ :

سأكتم ما ألقاه يا نور ناظري          من الأجر كيلا يذهب الأجر باطلا

فقد جاءنا عن سيد الخلق أحمد         ومن كان   براً  بالعباد   وواصلا

بأن الذي في الحب يكتم وجده           يموت شهيداً في الفراديس نازلا

رواه سويد عن علي بن مسهر           فما فيه من شك لمن كان عاقلاً

وماذا كثيراً للذي مات مغرماً     سقيماً  عليلاً بالهوى  متشاغلا[2].

 

رواه جعفر السراج في مصارع العشاق من حديث الحسن بن علي الأشناني وأحمد بن محمد بن مسروق، كلاهما عن سويد به.[1]

– داود بن عمر الأنطاكي، تزيين الأسواق في أخبار العشاق.[2]

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: