جدلية الشورى والديمقراطية

للشورى سياق وللديمقراطية مساق؛ “ولكل منطقه في سماء الفكر، ولكل سعيه في الدنيا على الأرض؛ وجزاؤه في الأرض وفي دار القرار”[1]. وفي محاولة لاستيعاب غاية ومقصد هذا كلام؛ علينا أولا أن نقف على مفهومي الديمقراطية والشورى ووضعهما في سياقهما التاريخي.

  1. تعريف الشورى والديموقراطية:
  • تعريف الديمقراطية.

يعرف الإمام عبد السلام ياسين الديمقراطية في مجموعة من كتبه بكونها “نظام بشري عقلاني يرتب حياة المجتمع؛ وهو تجربة بشرية خصبة راكمت آليات حكيمة لتسيير الدولة وتيسير التعايش السامي بين الناس في مؤسسات مستقرة وتراض عام”[2] فهي كما يقول منظر السلمية غاندي: “نظام وآلية تتساوى في ظله الفرص والامكانات لأضعف الناس وأقواهم “.

  • تعريف الشورى

نظام حكم إسلامي يتم في ظله تقليب الآراء المختلفة ووجهات النظر المطروحة في قضية من القضايا؛ ثم إمعان النظر فيها وصولا إلى الرأي الموافق للصواب. فالشورى كما يعرفها الأستاذ عبد السلام ياسين هي “طريق العدل وعنوان استقامة الأمة”[3] وعلى منهاجها يسير المؤمنون المصلون.

  1. سياقهما
  • السياق التاريخي للديمقراطية

إن الديمقراطية هي أثينية بالأساس، حيث كانت النماذج تتصارع في الأغوار؛ وحيث قامت بإعدام سقراط ثم كانت الرومانية؛ وهكذا بالتسلسل في التاريخ؛ وصولا إلى ديمقراطية إعلان حقوق الإنسان والثورة الفرنسية؛ فتتخذ أشكالا متنوعة؛ لنصل إلى الديمقراطية الليبرالية القائمة على وحدانية السوق.
 – السياق التاريخي للشورى

تعود خلفيتها إلى الشجرة المباركة، أي إلى عهد الرسول صلى لله عليه وسلم؛ الذي كان يقوم باستشارة الصحابة الكرام في أمور الدولة واتخاذ القرارات؛ كبيعة الرضوان التي كانت تحت الشجرة فقد دعا الرسول صلى الله عليه وسلم المسلمين إلى البيعة فبايعه الناس على عدم الفرار وأنه إما فتح وإما شهادة. ويذكر الله تعالى هذه البيعة في سورة الفتح {لقد رضي لله على المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة }[4]. فقد ساهمت الشورى في ازدهار الدولة الإسلامية في عهد النبي عليه السلام وعهد الخلفاء الراشدين الذين تمت مبايعتهم رغم وقوع العديد من الانقسامات؛ نتيجة خلافات سياسية بعد التحاق النبي صلى لله عليه وسلم بالرفيق الأعلا. فكانت أولها واقعة سقيفة بن ساعدة عند انقسام الصحابة إلى أنصار ومهاجرين، لينتهوا بعدها إلى مبايعة أبو بكر الصديق خليفة المسلمين بعد رسول لله صلى لله عليه وسلم ومنه إلى توليته للفاروق بعده؛ ثم الستة الذين اختارهم عمر رضي الله عنه ليحددوا خليفة المسلمين الثالث؛ فكان عثمان؛ وبعده علي رضي لله عنهم وأرضاهم. وبعد ذلك وصولا إلى عهد الأمويين الذين اغتالوا النموذج الراشدي السائر على المنهاج النبوي تحت ظلال سيوفهم؛ من منطلق: ” فمن قال برأسه هكذا قلنا له هكذا” فصار الحكم عاضا لا شورى فيه.

ما أحاول حقا أن أعالجه هو الجدلية المثارة حول أحقية الشورى أو الديمقراطية؛ باعتبار هاته الأخيرة انبتت على مطلب بشري لا تتوق النفوس البشرية لأعز منه. على عكس الشورى فمطلبها مطلب إلهي؛ لكن القاسم المشترك بينهما هو نظام الحكم الذي يعمل في إطاره الناس وكل وخصائصه التي تتيح للناس الانجاز والتفكير في حدوده. يذكر الدكتور عبد الوهاب المسيري بأنه يجب التفرقة أولا بين “النموذج المثالي المطروح؛ وبين النموذج الفعال الذي يطبق بالفعل.”[5]

فمثلا الديمقراطية رغم كونها نسق سياسي قائم على مبادئ ممارسة الحكم من خلال موافقة المحكومين، وتقبلهم له عن طريق انتخابات حرة يصفها الأستاذ عبد السلام ياسين «الزبدة الرائعة» لتجارب أوربا؛ كونها خير ما وصل إليها الغرب لكيلا يتظالم الناس، و تهضم حقوقهم فهي تعتبر نقيضة للاستبداد، إلا أن جذورها “هي جذور فلسفية علمانية تحرص على التمييز بين حقل الحياة ( المرئي) وحقل الروح ( اللامرئي)”[6] فنجد المسيري يؤكد على أن من أهم القضايا التي تواجهها الديمقراطية في التطبيق؛ هي مشكلة المرجعية النهائية؛ أي وجود مجموعة من القيم التي تحكم الإجراءات الديمقراطية ذاتها؛ فقد ارتبطت هاته الأخيرة بالنظام الرأسمالي في كل وحشيته وداروينيته؛ فجعلت الربح هو الهدف الأسمى والوحيد مما أدى إلى إهمال كثير من الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية.[7]

“لم توجد أبدا الديمقراطية؛ ولن توجد مطلقا” هذه قولة جون جاك روسو؛ يوضحها جارودي بأن الديمقراطيات التي أقيمت في أثينا لم تكن سوى ديمقراطيات شكلية[8]. هنا أجد نفسي أطرح تساؤلا حول جوهر الديمقراطية بكونها لامعة وبراقة على المستوى الخارجي، هل لهاته الديمقراطية ضمير؟ فأجد الاستاذ عبد السلام ياسين موجبا على تساؤلي؛ موضحا لكافة الناس عامة وللأمة الإسلامية خاصة بأننا نتواجه مع “عالمية استكبارية متفوقة علينا بوسائلها التكنولوجية المالية الاقتصادية؛ فعالمها عالم مستكبر لكن فينا أيضا من بني جلدتنا مستكبرون” عاضون ساهموا في إنبات هاته النبتة الغربية (الديمقراطية) في أرض غير أرضها. فمنذ طلائع (الاستعمار) وهم يعلموننا بأن عصر الصلاة والإيمان قد انتهى فقد أصبح نقطة ضعف وهزيمة على المسلمين بمقابل الديمقراطية اللبرالية التي هي مصدر للقوة بحيث أنها تتيح الرخاء والترف والمتعة ورغد العيش اذن فهي مفتاح جنة الأرض[9].


‎وأصبح الإسلام أسطورة مضت والتذكير به يضعك محط سخرية؛ فيترتب عن ذلك: الخجل والخوف، بل فقدان اليقين في موعود الله تعالى، نتيجة ضبابية تاريخنا. فصرنا لا ندري على أي أساس نبني، هل على أموية قيصرية تغذى الكثير بأمجاد حضارتها دون الاشارة إلى مكان السيف فوق الرؤوس فسميت بحضارة المسلمين العظيمة في عهد بني أمية؛ أم نبني على قواعد النبوة والخلافة الراشدة ونحن لا وضوح عندنا. “فكثر القائل؛ واحتار العاقل”[10]! إن الشورى تأسست على أسس أخلاقية إيمانية فلا تكون الشورى شورى إلا باكتمالها في المتشاورين ؛ “فقد اتخذت الشورى في العهد النبوي الراشدي شكلا بل أشكالا ناسبت بساطة العيش وقرب المسلمين بعضهم من بعض وتعارف الصحابة العارفين بحكم الله فيما يتشاور فيه؛ حتى وإن لم تتخذ الشورى شكلا مؤسسيا فذلك راجع لبساطة الحياة آنذاك وعفة الناس وتقواهم ؛ فمبدأ الشورى يقوم على قوله تعالى [وأمرهم شورى بينهم] فترك المجال فسيحا لتتشكل الشورى وتتنظم على أحسن ما يتأتى في الزمان والمكان ؛ و زماننا وظروف معاشنا وتشعب مشاكلنا لا يسمح لنا بأن نقتدي بذلك الشكل الساذج البسيط كما يصفه الأستاذ عبد السلام ياسين ؛” اذن الشورى تعيش أزمة، فليست لها مؤسسات حديثة ويجب صياغة نموذج متكامل قلبه الروح الربانية، لتتسامى بكمال الإيمان ما أمكن ذلك ؛ فبهذه الروح تختلف الشورى عن الديمقراطية؛ فما كان المسلمون سيسكتون عن حيف و استبداد قبل ان يذلهم سيف بني أمية و الحجاج فصرنا منهزمين مقلدين لحكم قانون تقليد المغلوب للغالب. فالديمقراطية تنظم للمحظوظين اقتصادا لبراليا كما قلنا سابقا فجعلت الربح هو هدفها الاسمى واهملت الجوانب الاجتماعية فيؤكد المسيري على وضع” ضوابط كفيلة تكبح جمح الرأسمالية المتوحشة و الشركات الضخمة وذلك بتحديد هدف المجتمع بطريقة تكفل تحقيق الإمكانيات الإنسانية لكل أعضاء المجتمع عن طريق خدمة مصالحهم في حدود إمكانيته” وليس مجرد الربح للأثرياء و الشركات الرأسمالية 8.أيضا نعترف بأن جسم الأمة الإسلامية مريض و لكي تتعافى لا بد من نظام حكم إسلامي في سياق إسلامي تضبطه الشريعة ؛ وتضبطه العبارة عنه لغة الشريعة .

يتضح من خلال طرحنا للمميزات وعيوب كل من الديمقراطية والشورى كون هاته الأخيرة يسير على منهاجها المؤمنون والمؤمنات؛ وعلى درب الديمقراطية الفضلاء ومناضلون. فهل يمكن الحديث عن جمع بين الديمقراطية والشورى في نموذج واحد؛ باعتبار أن الديمقراطية آلية تفتقد إلى مرجعية كما خلصنا؛ وباعتبار أن الشورى هي جوهر تقادمت آلياته وأشكاله التدبيرية؟.

[1]  الشورى والديمقراطية” عبد السلام ياسين ص: 289

[2]  نفس المرجع ص:41

 

[3]  إدريس مقبول ” ما وراء السياسة” ص:169

[4]  الفتح: 28

[5]  رحلتي الفكرية ” عبد الوهاب المسيري ” ص: 233

[6]  نفس المرجع رقم 3 ص: 154

[7]  نفس المرجع رقم 5

[8]  نفس المرجع رقم 1

[9]  نفس المرجع رقم 1

[10]  حوار مع الفضلاء الديمقراطيين ” عبد السلام ياسين ” ص:64

 

اظهر المزيد

أسماء بوكرار

طالبة باحثة -وجدة-

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: