ثمرات الدعاء

الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد: فعندما تنزل الحاجة بالعبد فإنه ينزلها بأهلها الذين يقضونها، وحاجات العباد لا تنتهي. يسألون قضاءها المخلوقين؛ فيجابون تارة ويردون أخرى. وقد يعجز من أنزلت به الحاجة عن قضائها. لكن العباد يغفلون عن سؤال من يقضي الحاجات كلها؛ بل لا تقضى حاجة دونه، ولا يعجزه شيء، غني عن العالمين وهم مفتقرون إليه. إليه ترفع الشكوى، وهو منتهى كل نجوى، خزائنه ملأى، لا تغيضها نفقه، يقول لعباده { إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُون }

كل الخزائن عنده، والملك بيده { تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير } [ الملك ] { وإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ ومَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُوم } [ الحجر ]، يخاطب عباده في حديث قدسي فيقول: (( يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أًدخل البحر )) ويقول سبحانه: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ } [ فاطر ].

لا ينقص خزائنه من كثرة العطايا، ولا ينفد ما عنده، وهو يعطي العطاء الجزيل { مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ ومَا عِندَ اللّهِ بَاقٍ } [ النحل: 96 ] قال النبي عليه الصلاة والسلام (( يدُ الله ملأى لا تغيضها نفقه سحاءُ الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماء والأرض؟ فإنه لم يغض ما في يده، وكان عرشه على الماء وبيده الميزان يخفض ويرفع )).

هذا غنى الله، وهذا عطاؤه، وهذه خزائنه، يعطي العطاء الكثير، ويجود في هذا الشهر العظيم؛ لكن أين السائلون؟ وأين من يحولون حاجاتهم من المخلوقين إلى الخالق؟ أين من طرقوا الأبواب فأوصدت دونهم؟ وأين من سألوا المخلوقين فرُدوا؟ أين هم؟ دونكم أبواب الخالق مفتوحةً ! يحب السائلين فلماذا لا تسألون؟

لماذا الدعاء؟!

لا يوجد مؤمن إلا ويعلم أن النافع الضار هو الله سبحانه، وأنه تعالى يعطي من يشاء، ويمنع من يشاء، ويرزق من يشاء بغير حساب، وأن خزائن كل شيء بيده، وأنه تعالى لو أراد نفع عبد فلن يضره أحد ولو تمالأ أهل الأرض كلهم عليه، وأنه لو أراد الضر بعبد لما نفعه أهل الأرض ولو كانوا معه. لا يوجد مؤمن إلا وهو يؤمن بهذا كله؛ لأن من شك في شيء من ذلك فليس بمؤمن، قال الله تعالى: { وإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } [ يونس: 107 ].

نعم والله لا ينفع ولا يضر إلا الله تعالى { إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ } [ النحل: 53]

{ وإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ } [ الإسراء: 67 ] سقطت كل الآلهة، وتلاشت كل المعبودات وما بقي إلا الله تعالى { ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ } [ الإسراء: 67 ] { قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً } [ الفتح: 11 ]

لا يسمع دعاء الغريق في لجة البحر إلا الله. ولا يسمع تضرع الساجد في خلوته إلاه. ولا يسمع نجوى الموتور المظلوم وعبرته تتردد في صدره، وصوته يتحشرج في جوفه إلا الله. ولا يرى عبرة الخاشع في زاويته والليل قد أسدل ستاره إلا الله { وإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وأَخْفَى {7} اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى } [ طه: 8 ] يغضب إذا لم يُسأل، ويحب كثرة الإلحاح والتضرع، ويحب دعوة المضطر إذا دعاه، ويكشف كرب المكروب إذا سأله { أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ ويَكْشِفُ السُّوءَ ويَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُون } [ النمل: 62 ].

روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( يتنزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟)).

الله أكبر، فضل عظيم، وثواب جزيل من رب رحيم، فهل يليق بعد هذا أن يسأل السائلون سواه؟ وأن يلوذ اللائذون بغير حماه؟ وأن يطلب العبادُ حاجاتهم من غيره؟ أيسألون عبيداً مثلهم، ويتركون خالقهم؟! أيلجأون إلى ضعفاء عاجزين، ويتحولون عن القوي القاهر القادر؟! هذا لا يليق بمن تشرف بالعبودية لله تعالى، يقول النبي صلى الله عليه وسلم (( من نزلت به فاقة فأنزلها بالناس لم تُسدَّ فاقته، ومن نزلت به فاقة فأنزلها بالله فيوشك الله له برزق عاجل أو آجل )).

فضل الدعاء

إن الدعاء من أجلِّ العبادات؛ بل هو العبادة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم؛ ذلك لأن فيه من ذلِّ السؤال، وذلِّ الحاجة والافتقار لله تعالى والتضرع له، والانكسار بين يديه، ما يظهر حقيقة العبودية لله تعالى؛ ولذلك كان أكرم شيء على الله تعالى كما قال النبي عليه الصلاة والسلام (( ليس شيء أكرم على الله من الدعاء )).

و إذا دعا العبد ربه فربه أقربُ إليه من نفسه { وإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُون } [ البقرة: 186]، قال ابن كثير رحمه الله تعالى: (( في ذكره تعالى هذه الآية الباعثة على الدعاء متخللة بين أحكام الصيام إرشاد إلى الاجتهاد في الدعاء عند إكمال العدة بل وعند كل فطر كما روى ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( إن للصائم عند فطره دعوةً ما ترد ))، دعوةٌ عند الفطر ما ترد، ودعاء في ثلث الآخر مستجاب، وليلةٌ خير من ألف شهر، فالدعاء فيها خير من الدعاء في ألف شهر. ما أعظمه من فضل ! وأجزله من عطاء في ليالٍ معدودات. فمن يملك نفسه وشهوته، ويستزيد من الخيرات، وينافس في الطاعات، ويكثرُ التضرع والدعاء.

ليالي الدعاء

نحن نعيش أفضل الليالي، ليالٍ تعظُم فيها الهبات، وتنزل الرحمات، وتقال العثرات، وترفع الدرجات.

فهل يعقل أن تقضى تلك الليالي في مجالس الجهل والزور، وربُ العالمين ينزل فيها ليقضي الحوائج. يطلع على المصلين في محاريبهم، قانتين خاشعين، مستغفرين سائلين داعين مخلصين، يُلحون في المسألة، ويرددون دعاءهم: ربنا ربنا. لانت قلوبهم من سماع القرآن، واشرأبت نفوسهم إلى لقاء الملك العلام، واغرورقت عيونهم من خشية الرحمن. فهل هؤلاء أقرب إلى رحمة الله وأجدر بعطاياه أم قوم قضوا ليلهم فيما حرم الله، وغفلوا عن دعائه وسؤاله؟ كم يخسرون زمن الأرباح؟ وساء ما عملوا؟ ما أضعف هممهم، وما أحط نفوسهم، لا يستطيعون الصبر ليالي معدودات !!

من يستثمر زمن الربح؟!

هذا زمن الربح، وفي تلك الليالي تقضى الحوائج؛ فعلق ـ أخي المسلم ـ حوائجك بالله العظيم، فالدعاء من أجل العبادات وأشرفها، والله لا يخيب من دعاه قال سبحانه: { وقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُم } [ غافر: 60 ] وقال تعالى: { ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِين {55} ولاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِين } [ الأعراف: 56 ].

العلاقة بين الصيام والدعاء

آيات الصيام جاء عقبها ذكرُ الدعاء { وإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُون } [ البقرة: 186 ] قال بعض المفسرين: (( وفي هذه الآية إيماءٌ إلى أن الصائم مرجو الإجابة، وإلى أن شهر رمضان مرجوة دعواته، وإلى مشروعية الدعاء عند انتهاء كل يوم من رمضان )) والله تعالى يغضب إذا لم يسأل قال النبي عليه الصلاة والسلام (( من لم يسأل الله يغضب عليه )).

الله تعالى أغنى وأكرم

مهما سأل العبد فالله يعطيه أكثر، عن أبي سعيد رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (( ما من مسلم يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن تعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها. قالوا: إذاً نكثر، قال: الله أكثر )).

والدعاء يرد القضاء كما قال النبي عليه الصلاة والسلام (( لا يرد القضاء إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر )). وفي حديث آخر قال عليه الصلاة والسلام: (( الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل فعليكم عباد الله بالدعاء )) فالله تعالى أكثر إجابة، وأكثر عطاءً.

الذل لله تعالى حال الدعاء

إن الدعاء فيه ذلٌ وخضوع لله تعالى وانكسار وانطراح بين يديه، قال ابن رجب رحمه الله تعالى: وقد كان بعض الخائفين يجلس بالليل ساكناً مطرقاً برأسه ويمد يديه كحال السائل، وهذا من أبلغ صفات الذل وإظهار المسكنة والافتقار، ومن افتقار القلب في الدعاء، وانكساره لله عز وجل، واستشعاره شدة الفاقةِ، والحاجة لديه. وعلى قدر الحرقةِ والفاقةِ تكون إجابة الدعاء، قال الأوزاعي: كان يقال: أفضل الدعاء الإلحاح على الله والتضرع إليه )).

أيها الداعي: أحسن الظن بالله تعالى

والله تعالى يعطي عبده على قدر ظنه به؛ فإن ظن أن ربه غني كريم جواد، وأيقن بأنه تعالى لا يخيب من دعاه ورجاه، مع التزامه بآداب الدعاء أعطاء الله تعالى كل ما سأل وزيادة، ومن ظن بالله غير ذلك فبئس ما ظن، يقول الله تعالى في الحديث القدسي: (( أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا دعاني )).

الدعاء في الرخاء من أسباب الإجابة

إذا أكثر العبدُ الدعاء في الرخاء فإنه مع ما يحصل له من الخير العاجل والآجل يكون أحرى بالإجابة إذا دعا في حال شدته من عبد لا يعرف الدعاء إلا في الشدائد. روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: (( من سره أن يستجيب الله له عند الشدائد فليكثر من الدعاء في الرخاء )).

و مع أن الله تعالى خلق عبده ورزقه، وأنعم عليه وهو غني عنه؛ فإنه تعالى يستحي أن يرده خائباً إذا دعاه، وهذا غاية الكرم، والله تعالى أكرم الأكرمين.

روى سلمان رضي الله عنه فقال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( إن الله حييٌّ كريم يستحيي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفراً خالتين )).

العبرة بالصلاح لا بالقوة

قد يوجد من لا يؤبه به لفقره وضعفه وذلته؛ لكنه عزيز على الله تعالى لا يرد له سؤالاً، ولا يخيب له دعوة، كالمذكور في قول النبي صلى الله عليه وسلم (( رب أشعث مدفوع ٍبالأبواب لو أقسم على الله لأبره )).

أيها الداعي: لا تعجل

إن من الخطأ أن يترك المرء الدعاء؛ لأنه يرى أنه لم يستجب له ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( يستجاب لأحدكم ما لم يعجل فيقول: قد دعوت فلم يستجب لي )).

قال مُورِّقٌ العجلي: (( ما امتلأت غضباً قط، ولقد سألت الله حاجة منذ عشرين سنة فما شفعني فيها وما سئمت من الدعاء )).

و كان السلف يحبون الإطالة في الدعاء قال مالك: (( ربما انصرف عامر بن عبد الله بن الزبير من العتمة فيعرض له الدعاء فلا يزال يدعو إلى الفجر )). ودخل موسى بن جعفر بن محمد مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فسجد سجدة في أول الليل فسمع وهو يقول في سجوده: (( عظمُ الذنبُ عندي فليحسن العفو عندك يا أهل التقوى ويا أهل المغفرة، فما زال يرددها حتى أصبح )).

 

هذه أيام الدعاء

هذا بعض ما يقال في الدعاء، ونحن في أيام الدعاء وإن كان الدعاء في كل وقت؛ لكنه في هذه الأيام آكد؛ لشرف الزمان، وكثرة القيام. فاجتهد في هذه الأيام الفاضلة فلقد النبي صلى الله عليه وسلم يشد فيها مئزره، ويُحيي ليله، ويوقظ أهله. كان يقضيها في طاعة الله تعالى؛ إذ فيها ليلة القدر لو أحيا العبد السنة كلها من أجل إدراكها لما كان ذلك غريباً أو كثيراً لشرفها وفضلها، فكيف لا يُصبِّر العبد نفسه ليالي معدودة.

فاحرص ـ أخي المسلم ـ على اغتنام هذه العشر، وأر ِالله تعالى من نفسك خيراً. فلربما جاهد العبدُ نفسه في هذه الأيام القلائل فقبل الله منه، وكتب له سعادة لا يشقى بعدها أبداً، وهي تمرُّ على المجتهدين واللاهين سواء بسواء؛ لكن أعمالهم تختلف، كما أن المدون في صحائفهم يختلف، فلا يغرنك الشيطان فتضيع هذه الأيام كما ضاع مثيلاتها من قبل.

أسأل الله تعالى أن يتولانا بعفوه، وأن يرحمنا برحمته، وأن يستعملنا في طاعته، وأن يجعل مثوانا جنته، وأن يتقبلنا في عباده الصالحين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

الواسطة أصبحت قارب النجاة الذي نبحث عنه لنقضي حاجاتنا سواء كانت كبيرة أو صغيرة عندما تهم بمراجعة المرور أو تفكر في الذهاب إلى البلدية المتأمل في همومنا اليومية يجد أن هاجس الواسطة يهيمن علينا لتجديد الرخصة.

وعندما يكون الحديث عن البحث عن وظيفة أو القبول في الجامعة فإن الواسطة هي قارب النجاة الذي يوصلك إلى الوظيفة.. وكثيراً ما تسمع هذه العبارة تردد في المجالس والاستراحات “عندك واسطة..؟ الأمر سهل..! ما عندك واسطة الأمر مختلف الواسطة هي نتاج فساد إداري يلغي مبدأ تكافؤ الفرص ثم أصبحت ثقافة ثم تحولت إلى عقيدة نسأل الله العافية والسلامة.

وهذا قد يتنافى مع {إياك نعبد وإياك نستعين} أطلق سبحانه فعل الاستعانة ولم يحدد نستعين على شيء أو نستعين على طاعة أو غيره إنما اطلقها لتشمل كل شيء وليست محددة بأمر واحد من أمور الدنيا. وتشمل كل شيء يريد الإنسان أن يستعين بربه لأن الاستعانة غير مقيدة بأمر محدد.

وهذا قد يتنافى مع الذكر الذي نردده خمس مرات في اليوم بعد كل صلاة “اللهم لا مانع لما اعطيت ولا معطي لما منعت”.

وقال سبحانه وتعالى {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون}.

أهمية الدعاء وكيفيته في السنة النبوية للدعاء أهمية كبرى، وثمرات جليلة، وفضائل عظيمة، وأسرار بديعة منها:

1- أن الدعاء طاعة لله وامتثال لأمره – عز وجل -: قال تعالى: {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم} (غافر: 60).

2- السلامة من الكبر: قال تعالى: {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين} (غافر: 60).

قال الإمام الشوكاني في هذه الآية: (والآية الكريمة دلت على أن الدعاء من العبادة؛ فإنه – سبحانه وتعالى – أمر عباده أن يدعوه، ثم قال: {إن الذين يستكبرون عن عبادتي}.

فأفاد ذلك أن الدعاء عبادة، وأن ترك دعاء الرب – سبحانه – استكبار، ولا أقبح من هذا الاستكبار. وكيف يستكبر العبد عن دعاء من هو خالق له، ورازقه، وموجده من العدم، وخالق العالم أجمع، ورازقهم، ومحييه، ومميته، ومثيبه، ومعافيه؟!

فلا شك أن هذا الاستكبار طرفٌ من الجنون، وشعبة من كفران النعم.

3- الدعاء عبادة: للآية السابقة، وكما جاء عن النعمان بن بشير – رضي الله عنهما – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “ليس شيء أكرم علِى الله – عز وجل – من الدعاء”.

قال الشوكاني في هذا الحديث: (قيل وجه ذلك أنه يدل على قدرة – الله تعالى – وعجز الداعي).

والأولى أن يقال: إن الدعاء لمَّا كان هو العبادة، وكان مخ العبادة كما تقدم – كان أكرم على الله من هذه الحيثية؛ لأن العبادة هي التي خلق الله – سبحانه – الخلق لها، كما قال – تعالى -: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} الذرايات:

5- الدعاء محبوب لله – عز وجل – فعن ابن مسعود – رضي الله عنه – مرفوعاً: “سلوا الله من فضله؛ فإن الله يجب أن يُسال”.

6- الدعاء سبب لإنشراح الصدر: ففيه تفريج الهم، وزوال الغم، وتيسير الأمور، ولقد أحسن من قال:

وإني لأدعو الله والأمرُ ضيَّقُ *** عليَّ فما ينفكُ أن يتفرجا

ورُبَّ فتى ضاقت عليه وجوهه  *** أصاب له في دعوة الله مخرجاً

7- الدعاء سبب لدفع غضب الله: فمن لم يسأل الله يغضب عليه؛ قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: “من لم يسأل الله يغضبُ عليه”.

ففي هذا الحديث دليلٌ على أن الدعاء من العبد لربه من أهم الواجبات، وأعظم المفروضات؛ لأن تجنب ما يغضب الله منه لا خلاف في وجوبه.

لا تسألن بني آدم حاجة  *** وسل الذي أبوابه لا تحجبُ

الله يغضبُ إن تركت سؤاله  *** وبني آدم حين يُسألُ يغضبُ

8- الدعاء دليلٌ على التوكل على الله: فَسرُّ التوكل على الله وحقيقته هو اعتماد القلب على الله وحده.

وأعظم ما يتجلى التوكل حال الدعاء؛ ذلك أن الداعي حال دعائه مستعين بالله، مفوض أمره إليه وحده دون سواه.

ثم إن التوكل لا يتحقق إلا بالقيام بالأسباب المأمور بها، فمن عطلها لم يصح توكله، والدعاء من أعظم هذه الأسباب إن لم يكن أعظمها.

9- الدعاء وسيلة لكبر النفس وعلو الهمة: فبالدعاء تكبر النفس وتشرف، وتعلو الهمة وتتسامى؛ ذلك أن الداعي يأوي إلى ركن شديد، ينزل به حاجاته، ويستعين به في كافة أموره، وبهذا يقطع الطمع مما في أيدي الخلق، فيتخلص من أسرهم، ويتحرر من رقهم، ويسلم من منتهم، فالمنة تصدع قناة العزة، وتنال نيلها من الهمة. وبالدعاء يسلم من ذلك كله، فيظل مهيب الجناب، موفور الكرامة، وهذا رأس الفلاح، وأس النجاح.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية (وكلما قوي طمع العبد في فضل الله ورحمته لقضاء حاجته ودفع ضرورته – قويت عبوديته له، وحريته مما سواه؛ فكما أن طمعه في المخلوق يوجب عبوديته له – فيأسه سنة يوجب غنى قلبه عنه).

10- الدعاء سلامة من العجز، ودليلٌ على الكياسة: فعن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: “أعجز الناس من عجز عن الدعاء، وأبخل الناس من بخل بالسلام”.

فأضعف الناس رأياً، وأدناهم همة، وأعماهم بصيرة – من عجز عن الدعاء؛ ذلك أن الدعاء لا يضره أبداً، بل ينفعه.

11- ثمرة الدعاء مضمونة – بإذن الله -: فإذا أتى الداعي بشرائط الإجابة فإنه سيحصل على الخير، وسينال نصيباً وافراً من ثمرات الدعاء ولا بد.

فعن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: “ما من أحد يدعو بدعاء إلا آتاه الله ما سأل، أو كف عنه من سوء مثله، ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم”.

إن الله يستحي من عبده إذا رفع يديه أن يردهما صفرا

وعن سلمان رضي الله عنه – قال: قال رسول الله: صلى الله عليه وعلى آله وسلم:  إن ربكم حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفرا  أخرجه الأربعة إلا النسائي وصححه الحاكم.

وعن عمر رضي الله عنه قال:  كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا مد يديه في الدعاء لم يردهما حتى يمسح بهما وجهه  أخرجه الترمذي وله شواهد منها حديث ابن عباس عند أبي داود ومجموعه يقتضي أنه حديث حسن.

حديث سلمان اللي هو:  إن الله يستحي من عبده إذا رفع يديه أن يردهما صفرا  هو من طريق اختلف فيه وفي ثبوته، ورواية عمر رضي الله عنه – فيها زيادة المسح، ورواية ابن عباس أيضا فيها زيادة المسح، والمصنف رحمه الله نظر إلى هذه الأخبار، حديث عمر وحديث ابن عباس، وقال: إنها بمجموعها كلها حسنة.

حديث سلمان رضي الله عنه من طريق جعفر بن ميمون الأنماطي وفيه ضعف، لكن جاء من طريق آخر عند ابن حبان، ويكون بهذا لا بأس به جيدا، لكن جاء موقوفا وجاء مرفوعا، لكن الطريق المرفوع لا يخالف الموقوف، وهذا يبين أنه لا بأس برفع اليدين.

“إن الله يستحيي” وهذا فيه صفة الاستحياء وأنه يستحيي سبحانه وتعالى وثابت في الأخبار بالكتاب والسنة، من عبده إذا رفع يديه، وفيه أنه لا بأس من رفع اليدين.

“أن يردهما صفرا” أي خائبتين، يعني صفرا ليس فيهما شيء، أما رفع اليدين +++ الأخبار متواتر عن النبي عليه الصلاة والسلام وهو الرفع المطلق سبق الإشارة إليه في بعض الأسئلة، وذكرنا بعض الأخبار أو شيئا من الأخبار الواردة في هذا الباب وأنه متواتر رفع اليدين الرفع المطلق، وثبت أنه عليه الصلاة والسلام رفع يديه في مواطن عدة، رفعهما في دعائه لعبيد الله قال:  اللهم اغفر لعبيد أبي عامر  ورفع يديه عليه الصلاة والسلام.

وكذلك أيضا ثبت في حديث أبي حميد في الصحيحين في قصة ابن اللتبية أنه لما جاء بالصدقة قال هذا لكم وهذا أهدي إلي، ثم ذكر الحديث بطوله، قال أبو حميد: فرفع يديه حتى رأيت عفرتي إبطيه رفع يديه، وقال:  اللهم هل بلغت  ورفع يديه، وثبت أيضا من حديث ابن عمر أنه عليه الصلاة والسلام لما أرسلهم إلى بني جذيمة، فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا فقالوا: صبأنا صبأنا، قال: فأسرنا منهم فأمر خالد رضي الله عنه أن يقتل كل رجل منا أسيره، فقال ابن عمر: لا يقتل أحدٌ من أصحابي أسيره، وأن خالدا رضي الله عنه تأول وظن أنهم يعني كانوا قائمين على الكفر وأصروا فتأول وأقدم على ما أقدم عليه رضي الله عنه ولما بلغ خبره النبي عليه الصلاة والسلام رفع يديه وقال:  اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد، اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد  لأنه أخطأ، ولم يقل: أبرأ إليك من خالد، أبرأ مما صنع يعني من فعلته التي تأول فيها.

وكذلك في عدة أخبار من حديث جابر، ومن حديث عائشة، أن رفع اليدين، هذا متواتر الأخبار، الرفع المطلق، الرفع المطلق متواتر بالأخبار، وقلنا: إن هذا لا بأس أن يرفع الإنسان يديه في أي وقت ويسأل ربه.

ونوع من الرفع، وهو الرفع بعد السنن الرواتب هذا فيه الخلاف هل يشرع ولا ما يشرع، هذا فيه حديث فيه بعض الأخبار جاء ما يدل عليه للإطلاق، للإطلاق، وهل يشرع أن يرفع يديه؟ هذا لم يأت أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يرفع يديه بعد النوافل، ولم ينقل، لكن لا ينكر من جهة لو من أخذ بالعموم ورفع يديه فلا ينكر عليه؛ لأنها مسألة اجتهادية، والقاعدة: أن المسائل الاجتهادية من اختار فيها قولا وفعل غيره قولا آخر فلا ينكر عليه كما سيأتي في المسح بعد النوافل أو الرواتب، ومن الرفع الخاص في بعض المواطن مثل الرفع في الاستسقاء، هذا ثابت، وكذلك الرفع في القنوت، وقنوت النوازل وقنوت الوتر.

وكذلك من الاستسقاء الرفع كما تقدم ولو لم يكن بصلاة، فهذا كله لا بأس به، أما مسح اليدين مسح الوجه باليدين، هذا فيه حديث عمر رضي الله عنه – اللي ذكره المصنف رحمه الله – والمصنف قال: إن المجموع يقتضي أنه حسن، وحديث عمر فيه ضعف، رواية حماد بن عيسى الجهني، ورواية ابن عباس الأثرم، ورواية عبد الملك بن أيمن وهو مجهول، عن عبد الله بن يعقوب بن إسحاق وهو مجهول، وفي عمن حدث أيضا وهو مجهول، فيه ثلاث علل، في ابن عباس ضعيف.

وجاء أيضا من طريق آخر عند أبي داود أيضا بإسناد آخر وهو ضعيف، وهو مسح الوجه فورد فيه ثلاثة+ الأخبار وكلها ضعيفة، كلها ضعيفة، ومنهم من قال: إنها تكون من باب الحسن لغيره، على طريقة بعض أهل العلم، ومنهم من قال إن ضعفها شديد، وأيضا لم ينقل أنه فعلها النبي عليه الصلاة والسلام، ولو كان يفعله لكان أمرا مشروعا، ومن خالف، قال: إنه ربما ترك الشيء وإن كان مشروعا إن كان مشروعا. ومن رد قال: إنه كما أن فعله سنة، فكذلك تركه عليه الصلاة والسلام سنة، خاصة في باب العبادات.

وبالجملة هي من المسائل الاجتهادية، التي لا إنكار فيها لورود الخبر المحتمل، ولم يأت خبر ينفي عدم مسح الوجه باليدين، بعد الفراغ من الراتبة أو السنة.

لدعاء الذي هو السؤال والطلب عبادة، وهو أمر خاص بالله -جل وعلا- لا يطلب إلا منه, فالدعاء أفضل العبادات وأجلها وأعظمها حتى إن نبينا قال في عظمة هذه العبادة وجلالة قدرها قال: “الدعاء هو العبادة” وتلا قول الله -سبحانه وتعالى-: ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴿60﴾ ﴾ وقال -عليه الصلاة والسلام-: (من لم يسأل الله يغضب عليه) جاء في حديث (ليس شيء أكرم على الله من الدعاء)

قال المصنف -رحمه الله تعالى- (وقول الله تعالى ﴿ وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ ﴿106﴾ وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ ﴾)

﴿ وَلاَ تَدْعُ ﴾ الخطاب هنا للرسول –صلى الله عليه وسلم- , قال أهل العلم الخطاب خرج مخرج الخصوص والمراد به العموم ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآَخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا ﴿21﴾ ﴾ [الأحزاب: 21]

﴿ وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ ﴾ المراد بالظلم هنا الشرك-لأن الظلم يطلق في القرآن ويراد به أمور منها الشرك- كقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴿13﴾ ﴾ [لقمان: 13] وقوله تعالى: ﴿ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴿254﴾﴾ [البقرة: 254]. ونظير هذه الآية قول الله -عز وجل- مخاطبا رسوله -عليه الصلاة والسلام-: ﴿ فَلاَ تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴿213﴾ ﴾ [الشعراء: 213] كذلك قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿88﴾ ﴾ [القصص: 88] وكذلك قوله -سبحانه وتعالى-: ﴿ وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴿65﴾ بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ ﴿66﴾ ﴾ [الزمر: 65: 66] وفي هذا وردت آيات كثيرة.

قوله تعالى: ﴿ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ ﴾ أي: الواقعين في الظلم الذي هو الشرك، وذلك بصرف العبادة لغير مستحقها

الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه

﴿ وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُّرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ ﴾ لا يقدر على كشف ضر كتبه الله عليك أي أحد كائنا من كان , وكذلك إن أرادك الله بخير لا يستطيع أحد رده كما في قوله تعالى: ﴿ مَا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿2﴾ ﴾ [فاطر: 2] وكما أيضا في الحديث الصحيح يقول -عليه الصلاة والسلام-: (واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيء كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بشيء كتبه الله عليك)

قال المصنف -رحمه الله تعالى- (وقوله: ﴿ فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ ﴾ [العنكبوت: 17]، الآية)

هذه الآية عظيمة جدا في تقرير الإخلاص في العبادة والدعاء لله –جل وعلا-

﴿ فَابْتَغُوا ﴾ أي: اطلبوا ﴿ عِنْدَ اللهِ ﴾ تقديم الظرف هنا يفيد الاختصاص، أي: لا عند غيره ﴿ فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ ﴾ أي: لا عند غيره، فلا تسأل إلا الله، لا تطلب رزقك إلا من الله -سبحانه وتعالى- فالرزق بيده ﴿ إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ﴿58﴾﴾ [الذاريات: 58] الرزق بيده، وهو الرزاق -سبحانه وتعالى- والفضل فضله، والعطاء عطاؤه ﴿ وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ ﴾ [النحل: 53]﴿ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا ﴾ [إبراهيم: 34]،] فإذن من ابتغى الرزق فليطبه من الرزاق

﴿ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ أي: مرجعكم إليه، وفي المرجع الحساب والعقاب فمن كان مخلصا موحدا فله في المرجع جميل المئاب وعظيم الثواب، ومن كان مشركا ملحدا فله في المرجع والمئاب شديد العقاب وآليم النكال، فليتنبه الإنسان لذلك، ختم هذه الآية بقوله: ﴿ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ أي: تنبهوا فإن مرجعكم إليه، خلقكم لعبادته، وأوجدكم لطاعته، وأمركم بتوحيده، وأنتم راجعون إليه، فمن كان موحدا فله على توحيده أعظم الثواب، ومن كان مشركا فله أشد العقاب.

قال المصنف -رحمه الله تعالى- (وقوله: ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾ [الأحقاف: 5])

قول الله تعالى ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ ﴿5﴾ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ ﴿6﴾ ﴾

قال الله تعالى: ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو ﴾ ثم ختمه بقوله تعالى: ﴿ وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ ﴾ إذن الدعاء عبادة، وإذا كان الدعاء عبادة فهو حق للمعبود وهو الله -سبحانه وتعالى- إذن لا يدعى غير الله، ومن يدع غير الله فلا أضل منه، والاستفهام هنا في قوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ﴾ أي: لا أضل استفهام إنكاري، أي: ليس هناك أحد أضل ممن يدعو غير الله.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: