“تَطْبِيقُ الشَّرِيعَةِ” المَفْهُومُ المُفْتَرَى عَلَيْهِ.

       “تَطبيقُ الشّريعة” مركَّبٌ إضافي من كلمتين، يَجدُر بنا الأمرُ في هذا المَقام التّعريفُ بمُفردتيْه بدايةً، ثم التعريف بمعناه الإجماليِّ نهايةً، وغاية ذلك بناء تصوُّرٍ علميٍّ صحيحٍ حول المفهوم أولا، قبل دراسته من مختلفِ جوانبه وأبعادِه، للخروج بخلاصاتٍ نافعةٍ واستنتاجات صحيحةٍ، والقاعدة المنطقيّة تقول: الحكم على الشيءِ فرعٌ عن تصوُّره.

     والمفردة الأولى للمفهوم هي التّطبيقُ: والتي تعنى حسب سياقها هنا: التّنزيل والإعمال، أي تنزيل الشريعةِ وإقامتُها. أما الشريعة فهي مجموعُ أحكام الدّين التي سنَّها اللهُ عز وجل لعباده، يقول ابنُ منظورٍ في اللسان: ” والشّريعة والشِّرعة: ما سن الله من الدّين، وأمر به كالصّوم والصلاة والحجِّ والزّكاة وسائرِ أعمال البرِّ … ومنه قوله تعالى: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ)، وقوله تعالى: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) قيل في تفسيرهِ: الشِّرعة الدِّين، والمنهاجُ الطّريقُ، وقيل: الشِّرعَة والمِنْهاج جميعاً الطّريقُ، والطريق هَهنا الدِّينُ” [1]. وقد أسهَبَ عُلماءُ الإسلام في بيانِ صفاتِ الشريعة وخصائصها المتمثِّلة في الرَّبّانية والشُّمول والكَمالِ والعالميّة … وعبّر ابن القيِّم رحمه الله عن بعضِ ذلك بقوله: “فإنّ الشريعة مَبناها وأساسها على الحِكَم ومصالح العِباد في المعاش والمعاد، وهي عدلٌ كلها، ورحمةٌ كلها، ومصالحٌ كلُّها وحكمةٌ كلُّها؛ … فالشَّريعة التي بَعث الله بها رسوله هي عَمود العالم، وقُطب الفلاحِ والسّعادةِ في الدنيا والآخرة.”[2].

      وعليه يكون معنى “تطبيقِ الشّريعةِ” هو إقامةُ الدّين والعملُ به، أصولِه وفروعِه، عقائدِه وشعائره، عباداته ومعاملاته، قِيَمه وأخْلاقه…، كما قال تعالى: (أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ)[الشورى/13] فالشّريعة هي الدّين كلُّه، يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي تعليقا على هذه الآية: ” أن أقيموا الدِّين أي: أمرَكم أن تُقيموا جَميعَ شرائعِ الدّين أصوله وفروعه، تقيمونَه بأنفُسِكم، وتَجتهدون في إقامتِه على غيركم، وتعاونون على البر والتّقوى ولا تَعَاونونَ على الإثم والعدوان. ولا تَتَفرَّقوا فيه، أي: ليحصُل منكم الاتِّفاق على أصول الدّين وفروعهِ”[3].

      غير أنّه في العُقود الأخيرةِ يمكنُ لأيِّ مراقبِ ومُلاحِظٍ مُهْتَمٍّ، أن يرصُد بسُهولةٍ، ويكتشِفَ بِيُسرٍ، وجود تحريفٍ كبيرٍ لمَفهوم “تطبيق الشّريعة”، حيثُ زاغ به بعض النّاس عن المقصود به، وحصروه في أضيق أبوابه، على النّحو الذي سنراه في محاور هذه المقالة بإذن الله.

أولا: أينَ يَتَجَلَّى تحريفُ مفهومِ تطبيقِ الشَّريعةِ؟.

      أذْكر أنّي قبل مُدّة كنت في جمعٍ من الفضلاء، وكُنا نتحاور ونتبادل الحديثَ حول موضوعٍ متعلِّق بالربيع العربي، ثم سار بنا الحوارُ إلى الحديثِ عن طموحات الحركات الإسلامية المُعْتدِلة، ورغبتِها في تولّي السّلطة، ومدى قُدرتها على تدبيرِ الشّأن العام، وفقَ مَرجِعيّتها الإسلامية، فطَرَحَ أحدُ الحاضرين السؤال الآتي: هل تَعتقدون أنّه يمكن فعلاً تطبيق الشّريعة في هذا العصر؟ وبكيفيّة عفويّة وقَبل أن أُدلي برأيي في الموضوع، قُلت له: ماذا تقصِد بالشّريعة؟ وقصدي من هذا السّؤال، هو أن نُحدّد المَفهوم أولاً، دَرْءاً لسوء تفاهم محتملٍ، قد يُسبّبُه اختلاف التّصوّرِ وتبايُن التَّمثُّل. فكان جوابُ صاحبِنا حرفيا بالتعبير المغربي الدّارج: “الحُدود ودَاكْشِّي” أي: الحُدود والأشياءُ الأخرى. والشّاهد الذي يعنينا في هذا الحوار هو اختزال الشريعة كلِّها، في أضْيق أبوابها، وهو بابُ الحُدود الشّرعية والعقوبات الجنائية!

     وفي الحَقيقة لم يَكن جوابُ الرّجل يحمِل الكثير من المفاجأةِ بالنِّسبة إلي، بل كان متَوقّعا، وذلك ما دفعني لسؤاله عن ماذا يقصدُ بالشّريعة؟ ولم يكن أيضاً مثلُ هذا الجواب حالةً منفردةً أو معزولةً، بل هو تعبير عن فئةٍ عريضةٍ من النّاس تعتقد أن تطبيقَ الشّريعة هو تطبيقُ الحدود الشّرعية لا أقل ولا أكثر! ومن يَسمع لحديث الناس وكلامهم في هذا الموضوع، أو يتابع وسائل الإعلام في هذا الشأن سيكتشفُ ذلك بسرعة وبلا عَناءٍ.

     وفي سياق رصدِ تجليات تقزيم مفهوم الشّريعة وقَصره على بابِ الحُدود والجنايات، أذكر حوارا أجراه الإعلامي “محمّد كريشان” عن قناة الجزيرة مع الرئيس المصري السابق محمّد مُرسِي رحمه الله سنة 2012، وكان من بين الأسئلة التي طرحها الصحافي على الضَّيف ما يلي: “قلتم سأطبق الشريعة الإسلامية فور وصولي، ما معنى أن تطبق الشريعة الإسلامية؟ بينما هذه الكلمة -مع الاحترام للشريعة الإسلامية بطبيعة الحال- مخيفة في نظر الكثيرين!” والشاهد من كلام الصّحافي هو وصفه للشريعة الاسلامية بكونها مخيفةً، وتطبيقُها مرعبٌ في نظر فئةٍ كبيرةٍ من النّاس. ونحن نعلم أن الإعلامي لا يتكلّم من فراغٍ، وإنما ينقل إلى الأستوديو ما يرصده في الشارع من مواقفَ وآراءٍ، وما يُلاحظه في الفضاءات العامّة من أفكار وتوجهاتٍ؛ والسّؤال الذي ينبغي أن يُطرح هَهنا هو: ما لذي يجعل الشريعة مُخِيفةً، ومصدر رعبٍ لتلك الفئات؟ أليس المطلوب هو أن يكون تطبيق الشريعةِ مصدر سعادةٍ واطمئنانٍ للناس جميعا؟ ألم يقل الله عز وجل: (مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ)[طه/2] فنَفى سبحانـه أنْ يكونَ القرآن والدّين كله مصدرَ شقاءٍ لمن تَبِعه؟

         في نَظري لن تَجد جواباً أصوبَ من أنّ تلك الفئات الخائفة من تطبيقِ الشّريعةِ تَصوّرت أن الشّريعة الإسلامية مجردَ عقوباتٍ زجريةٍ على أفعالٍ معيَّنةٍ لا غير، رأسُمالها السّيف والسّوط لا شيء غير ذلك!

      وفي ذات السّياق، جاء في مقال للدكتور أحمد الرّيسوني المعنون “بمفهومِ الشّريعةِ وتطبيقِ الشّريعةِ” ما يلي: “رأى آخرون أن الشّريعةَ تَتَّسِم بالبِدائية والتّخلُّف والهَمَجيّة، فكرِهوها وكرِهوا من يريدُ إحياءَها؛ فهي – فيما سَمعوا وفهِموا – عبارةٌ عن قِصاصٍ وحدودٍ، وسُيوف ودِماءٍ. فالعودة إلى الشّريعة عودةٌ إلى الوحشيّة والهمجيّة، ونحن في زمن الحضارةِ والحداثةِ وحقوقِ الإنسان!”[4]

      وكما ذكرتُ سلفاً، إن هذا الفهم المُحرّف والتّأويل المُنحرِف لمَفهومِ الشّريعة وتطبيقِ الشريعة، يحمله الكثيرُ من الخَلْقِ في أذهانهم، سواء مِمَّن ينتَصِرون لهذه الشريعة ويؤيدونها باستماته، أو مِن أولئك الذين يُعادونها ويحاربونها بشراسةٍ. ونحن نلاحظ ونسمعُ في مجتمعنا، عندما تقع جريمةُ سرقةٍ بشعةٍ مثلا، ترى كثيراً من النّاس بعد أن يُحوْقلوا ويَشْتُموا ما اسْتطاعوا، يُردِّدُون عباراتٍ من قبيل: “يَجِب تَطبيق الشّريعة” أو “الحَل هو تَطبيق الشريعةِ” … إلى غير ذلك مما يقولون، وقَصْدهم بتطبيق الشريعة في سياق كلامهم هذا، هو تَفْعِيل حدّ السّرقة تحديداً! فتطبيق الحدود الشّرعية في نظرهم البَسيط مرادفٌ تام لتطبيق الشريعة، فالشريعة هي الحُدود، والحدودُ هي الشّريعة! فأي تَحريفٍ أبشَع من هذا؟

ثانيا: الأَسْبَابُ المُؤَدِّيةُ إلى النّظرةِ التَّقزِيميّةِ المُحَرَّفةِ لمَفهُومِ الشّريعةِ.

     بعد رصْدِنا لبعضِ مظاهرِ وتَجليّات تحريف مفهومَي الشّريعة وتطبيقِ الشّريعة في المِحور السّالف، وجب علينا في هذا المحور أن نَبحث عن تلك العواملِ التي أسْهمت في إِنتاج هذا الفَهم المُحرّف، وأن نُحدد تلك الأسبابَ التي أفرزت لنا هذا التَّمثُّل الأعوجَ، فإذا عُرِف السببُ بَطَلَ العجَبُ.

السّبب الأولُ: يؤكد العلّامةُ الإمام يوسُف القَرضَاوي في كِتابهِ “تاريخُنا المُفْتَرى عليهِ” وكذا غيرُه من الدّارسين والمُهتمِّين بعلوم الشّريعة وتاريخِ المُسلمين، أن العالم الإسلامي ظَل مُقيماً لأحكام الشّريعةِ في مختلف المجالاتِ، عقيدةً وشعائرَ، أخلاقاً ومعاملاتٍ …، كما ظلّت الشّريعةُ الاسلاميةُ مستندَ الفقهاءِ في النّظر والإفتاءِ، ومستنَدَ القُضاة في الحُكم القضاءِ… ولم يَبْدأ (العالم الإسلامي) في التّخلّي عن الالتزام بِبعضِ الأحكام الشّرعية إلا بعد دخول القِوى الاستعمارية الغَربية إليه، وفرضِها القوانينَ الوضعيّةَ بالقوةِ. يقول الدّكتور منَّاع القطَّان: “وقد ظلَّت أَحكامُ هذه الشّريعةِ الغرّاء تَبسُط نفوذَها على أمةِ الإسلام في عصورِ التاريخ المختلفةِ بالواقع التّطبيقي لها، ولم يتهاون المسلمون في حُكمٍ من الأحكامِ … فلمّا كثُر احتكاكُ المسلمين بالغرب، وضعُفت الدَّولة العثمانية، تَسلَّلت إلى ديّار الإسلام تصوُّرات الغَرب ونُظُمُه وأوضاعُه، ولم يلبَث طويلاً حتى انْبَهر الناس بها، وبدأ التهاونُ في التزام أحكام الشّريعة … وأول عُدوان على أحكام هذه الشريعة كان عدواناً على أحكام الجِنايات والحُدود أي ما يُسمى العقوبات … وذلك حين أحدثت الخلافة العثمانية قانون الجزاء العثماني سنة 1840م، وهو ترجمةٌ لقانون الجزاء الفرنسي مع شيء م التّعديل”[5]، هذا السبب التاريخي ذكره أيضاً الدكتور محمد المُختار الشنقيطي، وهو محاضِر بجامعة حَمَد بِقطر، وذلك في محاضرةٍ له منشورة على اليوتيوب، تحمل عنوان “تطبيق الشريعة في مجتمعاتٍ حرةٍ” مع إضافة مُهمّة تفسِّر لنا سبب ارتباط مفهوم الشريعة في أذهان الناس بالحدود والعقوبات الشرعية، حيث يقول فيها: “تحوّلت الشريعة في نهايةِ المطاف إلى مجرّد الأحكامِ، بل ضاقَ نطاقها حتى أصبَحت الجانب الجنائي فقط من الأحكام الإسلامية؛ والسّبَبُ في هذا، هو أن الاستعمار الأوروبي لمّا جاء، كان أول ما عطَّل من الشريعة هو القانون الجنائي الإسلامي؛ فتعلَّق الناس بهذا الجزء المعطّل من الشريعة، وضخَّموه، وحوَّلوه هو الشّريعة؛(إنه) نوعٌ من التَّعلُّق بالمفقود والزُّهد في الموجودِ”.

    وعليه، فإطلاق لفظ الشّريعة على الحُدود الشرعية خاصةً، وعلى التشريع الجنائي الإسلامي عامّةً، كان رَدَّ فعلٍ على إلغاء هذا الجانبِ التشريعي في الحِقْبة التاريخية الاستعماريّة، فهو سببٌ تاريخي إذن، ومازال جزءٌ كبيرٌ من الرأي العام الإسلامي يُحافظ على هذا الإطلاقِ، كما رأينا ذلك في المِحور السّابق.

السّبب الثاني: يكمن ثانِيَ الأسبابِ التي أدَّتْ إلى قصْرِ لفظِ الشريعة على الجانب الجنائي في الفقه الإسلامي لدى الكثير من الناس، فيما نراه من أفعال بعض الحركات والتنظيمات التي تنتسب إلى الإسلام وتدعي سعيَها إلى تطْبِيقِة وتَحْكِيمِه؛ وخاصّة تلك التنظيمات المتَطَرِّفة التي تَنْهجُ أسلوب العُنف والتّشدّد قبل التّمْكين وبعدَه؛ فَمَا إنْ تُسيطِر إحداها على حيِّزٍ جُغرافِيٍّ وتَسْتَولي على رِقابِ المُسْتَضْعَفين من النّاس، حتّى تُعلِن للعَالمِ أنها عازمة على تطبيق الشَّريعة الإسلامية، ثم يكون أوّلَ ما تُطَبِّقُه من هذه الشّريعة هو الحُدود والعُقوبات على الزُّناة ومن تَحسبُهم مُرْتَدِّينَ…!

      إنَّه من الفِظيعِ جدّا أن تَسمَع مثلا، أن حركةَ “الشّباب المُجاهدين” في بلاد الصومال تُعلن للناس عن إقامةِ الشّريعة في مِنطقة نُفوذها وسيطرتِها، ولا تَقصِد بالشريعة هنا إلا الحُدود على الزّناة واللصوص من الفئات المَقهورة، في حين أن الشعب الصّومالي يَعيشُ تحت وَيْلات الفقر والمجاعة، والأميّةِ والتّخلُّف والحروب الأهليّة … ولا غرابةَ، فإنّ هذا منهجُ جُل تلك التنظيمات التي تتصف بالغُلوّ في الدّين؛ فرغم تعدُّدها، وتكفير بعضها بعضاً، إلّا أنَّها تَتَّفق على هذا المبْدأ؛ وهذا راجعٌ في نظري إلى تركيبة من الأسبابِ، أبرزها الجهلُ بفقْهِ الشّريعة أساساً، وبمقاصِدها، وفقهِ الأولويّات في الدّين، مع طغيان حُلمِ الخِلافةِ التّقليديّة، وعدم القدرة استيعاب الواقع المُعقدِ والتجدِّدِ.

     وممّا يزِيد من ترسيخ هذا المعنى المُقَزَّم لمفهوم الشريعة لدى الرأي العام؛ أن هذه التّنظيماتِ الإسلامية المتَطرِّفة، تحمل أسماءً توحي للعموم أن أفعالها تلك هي التّطبيق السّليم للشريعة الإسلامية! من تلك الأسماء مثلا: حركة “أنصَارِ الشريعة” وحركة “الشبابِ المجاهدين” وتنظيم “الدولة الإسلامية” …

        لكن تجدُر الإشارةُ هُنا إلى أنه، رغم كون هذا السبب واحداً من الأسباب القويّة التي أدت إلى التأثير على الرأي العام، وتوجيهِه نحو تقزِيم وتحرِيف مفهوم الشريعة؛ إلا أنه يُعدُّ أيضا إفرازاً للسّبب الذي ذَكرْنَاهُ أولاً، ذِي البُعد التاريخي.

السبب الثَّالثُ: يبذُل التَّيارُ المتطرِّف، من العَلمانيين وأعداءِ الإسلام قُصارى جهودِهم لتَشويه الشّريعة الإسلامية ما أمْكَنَ لهم ذلك، موظِّفين كل ما أتيح لهم من وسائلَ؛ علماً أنهم يَجِدون من المُؤسسات الإعلاميّة الكُبرى، ذات الهدف نفسِه والغايةِ ذاتِها، دعماً لهم، لنشرِ أيديولوجياتِهم. كما يَجدون أيضا من أفعال التّنظيمات الإسلامية العَنِيفة، التي أشرنا إليها في حديثِنا عن السّبب الثاني، مادّةً إعلاميّةً دَسِمَةً للتّرويج لخِطابِهم العَدائي؛ فيَصِفون الشّريعة الإسلامية بالوحشيّة والهمجيّة، أسلوبُها الجَلد والرّجم، وقْوامها السُّيوف السِّياط وأكوامٌ من الحِجارةِ! ينشرون هذا ليْس لأنهم يجْهلون سماحةَ الشريعة وبُطلان تلك الدَّعاوى، لكن هدفَهم هو الإمعانُ في التّخويفِ منها، وجعلِها مصدرَ رُعبٍ في أذهان الناسِ، ولو بالكذبِ والزّورِ! والحقيقةُ أن الشُّرفاء لا يَكذِبون على خُصومِهم.

      ودورُ الإعلام العالمي في هذا لا يخْفَى على أحدٍ، خاصّة أنه موجّه من طَرف القِوى الكُبرى في العالم، التي ليس من مصلحتِها وجُود أيِّ صحوةٍ دينيةٍ منَظّمة في العالم الإسلامي، لذلك عمل على التخويف من الإسْلام في الشرق والغرب، ونحتَ للرأي العام العالمي مصطلح “الإرهابِ الإسلامي”.

ثالثا: نَفْيُ الرُّؤيَةِ التَّحريفيَّة لمَفْهومِ تطبيقِ الشّريعةِ.

      عمِلتُ على استعمال كلمة “نَفْيِ” في هذا السّياق، بدَل كلماتٍ أخْرى مشابهةٍ، قد تؤدِّي نَفس المعنى نِسبيّاُ، من قَبِيل ” تَفْنيد” أو “إبْطال” مثلاً؛ وما دفعَني إلى ذَلك، هو الحِفاظ على تَوظيفِ التّعبير النّبَوي واستعماله، الذي يُمثل واحداً من أسُسِ الاصطِلاح الشّرعي ومصادِرهِ؛ فقد ثبتَ عنْ رسول صلى الله عليه وسلم قوله: ” يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ، يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ، وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ، وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ”. ويبيِّن لنا هذا الحديث الشريفُ، الأبوابَ التي تأتي منها الفِتن المهدِّدة للدِّين كُلِّه، ومصادرَ الشرّ المُحدِقِ به، المتمثِّلة في الغلوِّ والتشدُّد، والجَهل والتّعالُمِ، والمذاهبِ الفكريّةِ البَاطِلةِ.

   وإنّنا سنَعمل في هذا المحور – بإذن الله- على نَفْيِ هذا الفَهم المحرَّف لمفهوم تطبِيق الشّريعة، المتمثّل في قصرِه على جانبِ الحُدود الشرعية الجنائية. وسيكون الأساسُ المعتَمدُ عليهِ في هذا النّفيِ هو آيات القرآن الحكيم، وسنَّةُ النبيِّ الكريمِ.

1 – نَفْيُ الرُّؤيةِ التّحريفيَّة لمَفهومِ تطبِيقِ الشّريعةِ، انطلاقاً من القُرآن الكريمِ.

     يُعدُّ القُرآن الكريمُ المصدر الأول للتّشريع في دينِنا الإسلام. وهو كلام الله تعالى، الموجَّه إلى عباده، ونورُه المُهدى لهم، ودليلُهم إليه سُبحانه، وسبيلُ نجاتِهم وفلاحِهم في الأولى والآخرة، فيه نبأ ما قبلهُم وخبر ما بعدَهم وحُكم ما بينَهم، لا يَشبع منه العلماءُ، ولا يخْلق من كثرةِ الرّدِّ، ولا تنقضي عجائبُه. تبلغ عدَدُ آياتِه زهاء ستّةَ آلافٍ ومائتينِ وستّا وثلاثين آية، وهو الكتاب الشّامل لكافّةِ مناحي الحياةِ، والمرشدُ في كل مجالاتِها، قال الله تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ)[النحل/89] فما من شيء يعرِضُ للإنسان في معاشِه أو معادِه، إلا وفي القرآن بيانٌ لحُكمه أو لحِكمتِه أو توجيهُ إرشادٍ بخصوصِه … وكلُّ ذلك تأصيلا أو تفصيلاً، وتصريحا أو تلميحاً.

      ويُشير علماء الشريعة إلى أنّ آيات القرآن الكريم ليست على نفس الأسلوب في الخِطابِ وليس لها موضوع موحّد، فثمَّة آيات تتضمَّن أوامرَ ونواهي مباشِرة، تحمل أحكامَ الوُجوب والتّحريم، والنّدب والكراهة والإباحةِ، وهي المسمَّاة بآيات الأحكام، وهي المُعتمدُ الأول في الفِقه الإسلامي، وقد أفردها بعض الفقهاء والمفسّرين بالتّفسير والبيانِ. وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن عددَها لا يتجاوز خمسمائة آية، منهم الأصولي حُجّة الإسلام أبو حامدٍ الغزالي رحمه الله، حيث يقول وهو يبيِّن شروط المجتهد: “أنه لا يُشترَط معرفةُ جميع الكتاب، بل ما تتعلّق به الأحكام منه، وهو مِقدار خمسمائة آية”[6]، وقد وافقه الإمام فخر الدين الرازي وغيره. وذهب آخرون إلى أن عددَها لا يتجاوز مائتي آيةٍ. وباعتمادِنا العددَ الذي ذهبَ إليه الإمامان الغزالي والرازي وغيرهما، يتبيّن لنا أنّ آياتِ الأحكام لم تَبلغ عُشُرَ جميع آيات القرآن الكريم، حيث لا تتعدى ثمانية أجزاء من المائة (8(%. أمّا ما يزيد عن تسعة أعشار الآيات القرآنية الكريمة، ففيهِ بيان الحِكمِ من الأحكامِ، والَمقاصدِ والعقائدِ، والأصْلِ والمصيرِ، والغَايةِ والسّبيلِ، والأخلاقِ والقيمِ والمفاهيمِ… إما بتوجيه مباشر، أو بحوار، أو بقصة قرآنية، أو بضرب مثل …

      وإنّ من بين آيات الأحكام، آياتُ الحدودِ الشّرعية الجنائية، التي يُحاول البعضُ جعلَها هي الشّريعة كلها، ولا يتجاوز مجموعها عشر آياتٍ بيِّنات مَدَنِيّاتٍ، أي نسبة 0,16 بالمائة من جَميع آيات القرآن الكريم، وهي المؤسِّسَة للحدود الجنائية المذكورة في كتابِ الله، وهي: حدُّ الزني وحد السّرقة وحدُّ القذف وحد الحِرابة ثم القِصاص، ولا يتسع المقام هنا لسرد جميع هذه الآيات. فما الدّاعي إذن إلى تَضخِيم هذا البابِ الذي لا يمثل إلا نسبة يسيرةً جداً من الفقه في هذا العصر، وجعْلِه هو الشّريعة كلها؟ فلَإنْ كان السّببُ هو تعطيلُه في فترة الاستعمارِ، فإننا الآن في مرحلةٍ أخرى مغايِرةٍ، تحتاج إلى ترتيب الأولويات وتصحيح المفاهيم.

      لقد أشار الدكتور المقرئ الإدريسي أبوزيد إلى هذا الفهم المحرّف لمفهوم الشريعة وتطبيق الشريعة، في كتابه “القرآن والعقل”، وانتقد بشدّةٍ فكرة الدفاع باستماتةٍ عن تطبيقِ الحدودِ الجنائية في هذا العصر، واعتبر ذلك من مظاهرِ ضُعف فقهِ الواقعِ، حيث يقول فيه: “إن الاستمرار في الدفاع عن تطبيق الحدود مثلا، بعيدا عن فقه الواقع، وكأنها كل الشريعة، والاستمرار في الدفاع بالطريقة نفسها عن الشريعة نفسها وكأنها كل الإسلام، لهو أسوأ تقزيم لهذه الرسالة الربانية الحضارية المشرقة التي جاءت بكثير من الذوق والتربية والعلم والتأمل والحكمة والجمال وسعة النظر في الآفاق والعلاقات … مما لا ينتبه إليه كثير من المسلمين، أن البيئة الإسلامية الغنية والخصبة تربية وإعدادا وتوفير شروط هي الحاضنة الطبيعية لتطبيق الشريعة التي لا تمثل سوى أقل من خمسة بالمائة من مجموع آيات القرآن، هي المسماة آيات الأحكام. وأن تطبيق الحدود التي هي بدورها جزء يسير من الشريعة، هو آخر ما ينبغي أن يُطبق من هذه الأحكام”[7].

     إن هذا الكلام الذي أدلى به الدكتور أبوزيد يتضمن فوائد جمّة وحقائقَ هامّة، منها حاجتُنا إلى فقه الواقع، ومراعاةُ الأولويات، ورفضُ اختزال مفهوم الشريعة في بابِ الحدود الجنائية، التي لا تمثل سوى الجزء اليسير جدا من أحكام الفقه الإسلامي … غير أنه، من تمعن في كلام أستاذنا أبُوزَيد سيظهرُ له أنه وقع في تقزيم من نوع آخر لمفهوم الشريعة، حيث جانَبَ الصّواب فجعل الشريعة مرادفةً لفِقهِ آياتِ الأحكام، التي لا تمثل سوى خمسةٍ بالمائة من مجموع الآيات القرآنية، حسب الكاتب، وعليه يكون المقصود بتطبيق الشريعة -وفق هذا المعنى- هو تنزيل الأحكام الفقهيّة التكليفيّة على واقع الناس لا أقل من ذلك ولا أكثر منه. والصوابُ أن مفهوم الشريعة أعم بكثيرٍ من فِقه آيات الأحكام وأحاديث الأحكام، فيشمَل كلَّ ما له علاقة بالدّين كلِّه، عقيدة أو فقها أو سلوكا أو فكرا … فكُتب العقائد تَدرسُ جانبا من جوانب الشّريعة الإسلامية، كما أن كتب الفقهِ تدرس جانبا آخر منها، وكذلك كتب التصوف الفكر والأخلاق …

     وقد عبّر الدّكتور محمد عمَارة عن شُمول الشريعة لكل هذه الجوانب التي ذكرناها فقال: “فإن الشّريعة هي كل المعالم والضّوابط والوصايا والأحكام والقيم والأخلاقيات التي جاء بها الإسلام ليستقيم بها المسلم على طريق ومنهاج الوصول إلى تحقيق الاعتقاد الديني، وهي بذلك تشمل العبادات والمعاملات والقيم، سواء منها ما جاء في آيات وأحاديث الأحكام أم في غيرها من الآيات والأحاديث.. بل إن ما قَصَّهُ القرآن من قَصصٍ، أو دعا إليه من نظرٍ وتدبّر وتفكر، هي مصادر لاستخلاص المعالم التي تدخل في بناء الشريعة ومنارات طريقها، التي تُقيم المسلمَ على طريق الاعتقاد الإسلامي.”[8]

2 – نفيُ الرّؤيَة التّحريفيّة لمفهومِ تَطْبيقِ الشّريعَةِ، انطلاقاً من السُّنَّةِ النّبَويَّةِ.

      إنَّ السُّنَّة النبويّةَ هي المصدرُ الثّاني للتّشريعِ في الإسلام، وهي جزءٌ من الوَحْي الإلهي الذي أُوحِيَ به إلى رسول الله صلى الله عليه سلم، وهذا يَعنِي أنّ القرآنَ الكريمَ والسُّنة النّبويَّة الصّحيحةَ خرجا من مِشْكاةٍ واحدةٍ، فلا تَعارُض بينهُما ولا تناقُضَ، بل تكاملٌ وتوافقٌ.

      ولدراسةِ هذا المحورِ، ارْتَأيْنَا أن نَقتصِر على مُصنَّفٍ واحدٍ من مُصَنَّفاتِ السُّنةِ النبويّةِ، إذ المَقام لا يتّسع لأكثر من ذلك، وهذا المُصَنَّف هو الجَامِع الصَّحيحُ للإمام أبي عبدِ الله البُخاريِّ رحمه الله رضي عنه، باعتبارِه الكتاب الذي أجْمَعَت الأمّةُ على صِحّتِه، وتَلَقَّتْه بالقَبولِ وقدَّمتْه على ما سِواه. وقد فصَّل رحمه الله صحيحَه إلى سَبْعةٍ وتسعين كِتاباً، أوّلها كتابُ بدءِ الوَحْي ثمّ كتابُ الإيمان فكتابُ العِلمِ … وختَمَه بكتاب التّوحيدِ. وتحت كل كتابٍ من هذه الكُتب أبوابٌ، وتحتَ كل بابٍ أحاديثُ صحاحٌ.

    ويبلُغ مجموع الأبوابِ الموجودة في صَحيحِ البُخاري زهاء ثلاثةَ آلافٍ وثمانمائة واثنين وثمانينَ باباً (3882 بابا)، مِنها سبعةٌ وأربعون باباً مُدرجة تحت كتاب الحُدودِ، الذي جاء في أواخر الكُتب ترتيبا في الجامع الصحيحِ، حيثُ أورَد فيه كلّ الأحاديث التي صحّت عنده في موضوع الحُدود والجِنايات. ومعنى هذا حِسابيّاً أنّ الأبواب المؤطِّرة للجانب الجنائي بشكل مُباشر في صَحيحِ البُخارِي، لا تتعدّى نِسبتها جُزْءاً وخُمُسَ الجزءِ من المائة ((1.21%، دُون أن ننْسى أنّ الكثِير من هذه الأحاديث التي ورَدت في هذه الأبْوابِ، لم يكن موضوعُها حصراً هو الحَثّ على تنزيل العِقاب الجنائي على مُقْترِفي تِلك المعاصي المستَحِقّة للحدود الشّرعية، وإنما تتضمّن في أغلبِها إرشاداتٍ تربويةٍ لتجنُّب الوقوعِ فيما لا يُرضي الله تعالى، كالسّرقة والزِّنى والقَذف…، وتَحضُّ المؤمنينَ على الابتعادِ عن الموبقاتِ، وتجنُّب الفواحشِ والمخالفات، وتدعو إلى استحضار مراقبة الله تعالى، في كل حال وحين، وتُرشد العُصاةَ إلى التّوبةِ النّصوحِ، وإلى عدمِ المُجاهرة بالسّوء من القول والعمَلِ؛ من هذه الأحاديث ما أخرجه الإِمامُ في صحيحِه، في بَابِ “فضلِ من تركَ الفواحشَ” من كتابِ الحُدودِ، عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم  قال: “سبعةٌ يظلُّهم الله يوم القيامة في ظله يوم لا ظلَّ إلا ظلُّه: إمامٌ عَادلٌ، وشابٌّ نَشَأَ في عبادة الله، ورجلٌ ذَكَرَ الله في خلاءٍ ففاضَتْ عيناه، ورجلٌ معلَّقٌ قلبُه في المسْجِدِ، ورَجُلان تحابَّا في الله، ورجلٌ دَعَتْهُ امرأةٌ ذات منصبٍ وجمال إلى نفسِها قال: إنِّي أخاف الله، ورجلٌ تصدق بصدقةٍ فأخفاها حتى لا تعلمَ شِماله ما صنعت يمينُه.” [9].

    فليس من الإنصافِ أبداً أن يصير قصدُنا بتطبيقِ الشّريعة هو تنزيل الحدودِ الجنائية على المخالفين، كقطع الأيدي وجَلد الظهور! ونُهمل جوانبَ ذات أولويّةٍ كبرى وأهميّةٍ قُصْوى، خاصّة في العصرِ الحالي؛ ففي صحيح البخاري إضافةً إلى كتابِ الحُدودِ، كتابُ العِلمِ وكتاب فضل الصّلاة وكتاب البُيُوع وكتاب الإجارَةِ وكتاب الرّهن وكتاب بَدءِ الخَلْقِ وكتاب فضائل القرآن وكتاب الطّب وكتاب الأدَبِ وكتاب التوحيد … وغيرها من الكتب التي تُبَيّن بوضوحٍ شمولية الشّريعة لِمختلفِ جوانِبِ ومجالاتِ الحياة الإنسانية، الفردية والجماعية.

خُلاصَةُ الكلامِ.

    إنّنا لا نَرْمِي في هذه المقالةِ إلى إنكارِ وجودِ الحدود الشّرعية الجنائية في الشريعة الإسلامية، ولا ندّعي عدم ثبوتها، وليس القصْد التقليلَ من شأنها. كلّا إنها حدود الله، وجزء من شريعة الله الكامِلة، وإنها ثابتة بنصوصٍ شرعية قطعيّة الثبوتِ وقطعية الدّلالةِ، فنُكران وجودها وجحود ثبوتها كُفرٌ بَواح، والعياذ بالله.

    ولكنّنا نهدِف إلى تصحيح الأفهام، وردّ الشبُهات، ورفضِ المُغالطات؛ والغايةُ وضعُ الأمورِ في نِصابها دون إفراطٍ ولا تفريطٍ، فالحقيقة أن الحُدود الشرعية الجنائية جزءٌ من الشريعة وليست كلُّ الشريعة، وتعطيلُها لا يَعني تعطيل كل الشّريعة، كما أن تَفْعيلها لا يعني تفعيل كلّ الشريعةِ. فهناك أحكامٌ وتشريعاتٌ في الإسلام مقدَّمة من حيث التطبيقِ -أو حقٌّها التّقديم- على جانب الحُدود الجنائية. ولا يُقبل تفعيل هذه الحدودِ دون توفّر شروطٍ عمليةٍ لذلك، وقد فصَّل العلّامة الإمام يوسُف القرضاوي جانبا منها، حيث قال حفظه الله: ” وفي طليعة هذه الشروطِ العمَلية: أن يُؤخذ الإسلامُ كلُّه، ونَعْنِي به أنْ تكون تعاليمُ الإسلام هي الموجِّهةِ لكل نواحي الحياةِ، والقائدةِ لكلّ مؤسسات المجتمعِ. فلا يَكفي أن تأخذَ المَحاكِم ببعض القوانين التشريعية الإسلامية وتُهْمِل البعضَ الآخرَ … ذلك أن تعاليم الإسلامِ كلٌّ لا يتجزَّأ يَسْنُد بعضُها بعضاً ويكمِّل أحدُها الآخر… فإقامة حدِّ الزِّنى مثلاً يَفْترضُ وجودَ مجتمعٍ مسلمٍ يُيَسِّر طريق الزواجِ الحلال لمن أرادَه ويسُدُّ طُرق الحرام في وجهِ من تُحَدِّثه به نفسه.

    أما حينما ينْعكس الوضعُ، ويُسَدُّ طريقُ الحلال، ويُفتَح للحرام إلفُ بابٍ وبابٍ، وينْشأُ الفردُ في مجتمعٍ يجرّه إلى الفاحشة، ويُغريه بالمعصيّة، فقد لا يَشعر الفَردُ بعدالة العقوبَةِ التي أصابته على جريمتِه، كما أنّها لا تكفي لردْعه عن اقترافِ الفواحشِ.

     ومِثل ذلك السّرقة، فلا يجوزُ في منطِق العدل الإسلامي أن نُنَفِّذ أمر الله بقطع يدِ السارِق أو السارقة جزاءً بما كسبا، ونُهمل أمر الله بإيتاء الزّكاة، وإقامةِ التكافلِ الاجتماعي، ومقاومة البِطالة والتظالُم بين النّاس.

     لقد جاءتْ آيةٌ واحدةٌ في القرآنِ الكريمِ تأمُر بإقامةِ الحدّ على السارقِ، ولكنْ عشَراتُ الآياتِ جاءَت تأمُر بإيتاء الزكاة، والإنفاق في سبيل الله، وتَحضُّ على إطعام المَساكينِ، وتُحذِّر من الكنْزِ والشُّح والتطفيفِ والرِّبا والميْسِر والظُّلمِ بكلِّ أنواعِه، وتُقيمُ العدلَ والتّكافُلَ بحيث لا يَسرق – في المُجتمعِ المسلمِ الحقِّ- مُحتاجٌ أو محرومٌ.

   وبهذا يتَّضح لنا أنّ تطبيقَ الشريعة بحذافيرها، وأخذَها كلّا لا يتجزأ، ضرورةٌ لازمةٌ، لا يَحِلُّ التفريطُ أو التساهلُ فيها، وأعني بالشريعة هنا الإسلام كله: عقائدَه وتصوراتِه، شعائرَه وعباداتِه، وأفكارَه ومشاعرَه، وأخلاقَه وقيمَه، وآدابَه وتقاليدَه، وقوانينَه وتشريعاتِه.” [10]

     والحقيقةُ أن الشريعة جاءت لترحمَ الناسَ، وتُسعدهم في دنياهم وأخراهم؛ ومن المُستحيل أن تكون هذه الشريعة السّمْحة مصدر شقاءِ وسبَبَ تعاسةٍ للمُسلم فردا أو جماعة، ولن يحصُلَ ذلك إلا بسبب زَيْغٍ في فَهمها، أو خَلل في تَنْزِيلِها، وقد قال الله عز وجل: (مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ)[طه/2]

===============

الهوامــــش:

[1]- ابن منظور، لسان العرب، مادة (شرع).

[2]- ابن القيم، إعلام الموقعين، نشر: دار ابن الجوزي، ج:4،ص:337-338.

[3]- عبد الرحمن السعدي، تيسير الكريم الرحمن، نشر: دار السلام للنشر، ص:888.

[4]- أحمد الريسوني، مقال بعنوان “مفهوم الشريعة وتطبيق الشريعة”، موقع نسيم الشام الإلكتروني، نشر سنة:2012.

[5]- القطان مناع، معوقات تطبيق الشريعة، نشر: مكتبة وهبة،ص:13.

[6]- أبو حامد الغزالي، المستصفى، نشر: مؤسسة الرسالة، ج:2، ص:383.

[7]- أبوزيد المقرئ الإدريسي، القرآن والعقل، نشر: مؤسسة الإدريسي، ص:89.

[8]- محمد عمارة، معركة المصطلحات بين الغرب والإسلام، نشر نهضة مصر، ص:70.

[9]- البخاري، الجامع الصحيح، كتاب الحدود، باب: فضل من ترك الفواحش، رقم الحديث: 6806.

[10]- يوسف القرضاوي، مخل لدراسة الشريعة، نشر مؤسسة الرسالة، ص: 247-248.

اظهر المزيد

عبد الله كوعلي

أستاذ التربية الإسلامية/ تزنيت، المغرب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: