تقديم كتاب “نظرات في الفقه والتاريخ” للإمام عبد السلام ياسين رحمه الله

بطاقة الكتاب التقنية:

        الكتاب متوسط الحجم يقع في 87 صفحة في طبعته الأولى عن مطبعة فضالة/المحمدية/المغرب سنة 1989م، وقد  أعيد طبعه في دار لبنان للطباعة والنشر سنة 2007م بحجم يقع في 126 صفحة.

إشكال الكتاب:

        يروم الكتاب مقاربة المعرفة الفقهية  والأصولية في سياقها التاريخي وفي ضوء كليات المنهاج النبوي

محاور الكتاب:

مدار الكتاب على المحاور التالية:

مقدمة: أعلن فيها المؤلف رحمه الله عن القصد العام من الكتاب وهو رسم أفق العمل من خلال إعمال معايير المنهاج النبوي في الكشف عن أصل الداء التاريخي للأمة، وما نتج عنه من اختلال في الحاضر، وعن إبصار المستقبل الموعود اعتمادا على حديث الخلافة.

مقدمات: وهي عبارة عن قضيتين مركزيتين تنتظمان تفاصيل قضايا الكتاب، إحداهما تاريخية وهي الموسومة  بالانحراف الخطير المتمثل في حدث تحول الحكم الإسلامي من نظام الخلافة الراشدة إلى الملك العاض الذي جاء معه الاستبداد وتعشش مع الزمن في العقول وترسخ في الأوطان وغاب معه العدل والشورى والإحسان والثانية معرفية وهي المعنونة بضرورة التفكير المنهاجي، وهي دعوة إلى اعتماد المنهاج النبوي في تفسير التاريخ وتحليل الواقع والتخطيط للمستقبل من أجل التمييز بين مرحلة النبوة والخلافة الراشدة التي تمثل المرجعية المعيارية وبين مرحلة العض والجبر التي تمثل حالة الانحراف وفق الوصايا النبوية في الموضوع.

 قضايا الكتاب:

        تناول المؤلف رحمه الله جملة قضايا تفصيلية في مباحث الكتاب بلغت في مجموعها أربعة عشر عنوانا، وهي  لا تخرج عن ثنائية الفقه والتاريخ التي تنتظم الكتاب كله في موضوع المراجعة التجديدية العميقة للتراث المعرفي الإسلامي وسياقه التاريخي.

        ففي مراجعته للتراث الفقهي الإسلامي نجد ابتداء إشادة واحتفاء بالموروث العلمي المتنوع[1] في تخصصاته الواسع في تراكم معارفه مع الدعوة إلى وجوب مراجعته وإعادة نظمه في سلك الفقه الجامع من خلال تحكيم القرآن وكلياته، والتحرر من الذهنية التقليدية الكريهة الخائفة الخانعة من سلطان الاستبداد الطامعة في فتات موائده المتحالفة معه[2].

        ومن المسالك الرئيسة التي  ركز  عليها المؤلف رحمه الله في مراجعته للتراث الفقهي المسلك التاريخي، حيث ألح على ضرورة استيعاب حدث التحول التاريخي الفيصل في تاريخ المسلمين وهو الانقلاب الأموي على نظام الخلافة لما لهذا الحدث من أثر في تمزق الأمة فكريا وسياسيا وفي تأبيد الاستبداد عبر التاريخ، وأن الجهل بهذا النقض التاريخي لعروة الحكم يفضي إلى الاصطلاح مع الواقع المكروه[3]، وأن تحليل تاريخ المسلمين وتفسير قضاياه لا يستقيم إلا على ضوء عامل الإيمان بالغيب انطلاقا من الفتنة وما صاحبها وتلاها من ويلات، لندرك كيف كانت الأمة زمن النبوة والخلافة الراشدة، وكيف تمزقت وسفك دمها زمن العض، وكيف آلت إلى ما هي عليه الآن، وكيف يمكن إعادة بنائها في ضوء الوصايا النبوية وكليات القرآن[4].

        ومن القضايا العلمية التي فصل القول فيها تجديدا ومراجعة الاجتهاد الفقهي ومقاصد الشريعة.

مراجعة الاجتهاد الفقهي

فقد راجع الاجتهاد من أوجه متعددة: من حيث منهجه: حيث دعا المؤلف رحمه الله إلى تجاوز ما عليه الاجتهاد من المنهج الجزئي إلى المنهج الكلي لاستنباط الإجابة العلمية الكلية المطلوبة الآن وبعد الآن[5]، ومن حيث شروطه راجع الأستاذ ياسين شروط الاجتهاد فأظهر ما رآه مضمرا فيها كالشرط التربوي الذي جعله ناظما للشروط المعرفية ومحصنا لها، وأضاف شرط العضوية الدعوية للمجتهد دفعا لسلبية العالم المجتهد الذي لا يكترث بحال أمته ولا يتفاعل مع همومها ولا يحرص على مستقبلها، وشرط الحرية في القول والفعل درءا للابتزاز بالإكراه وضمانا للإبداع[6].

ومن حيث علاقة الاجتهاد بالجهاد أبان المؤلف رحمه الله أن وظيفة الاجتهاد العظمى أن يجمع شتات العلم في كليات، في حين وظيفة الجهاد جمع شتات الأمة في سلك نظام الخلافة الجامع[7]، ومن حيث عوائق الاجتهاد لخصها المؤلف في اثنين عائق التقليد المنافي للاجتهاد أصلا، وعائق التسيب والجرأة على الشريعة[8].

ومن حيث علاقته بالتاريخ اعتبر الأستاذ ياسين رحمه الله حدث تحول الحكم الإسلامي من نظام الخلافة إلى ملك عضوض فاصلا حاسما بين مرحلتين في تاريخ الاجتهاد، مرحلة الاجتهاد الكلي، ومرحلة الاجتهاد الجزئي، كما قسم مراحل الاجتهاد إلى مرحلة ما قبل الوصول إلى الحكم الإسلامي وهي مرحلة الاجتهاد في الكليات، ومرحلة ما بعد الحكم، وهي مرحلة الاجتهاد التفصيلي في سياق الاجتهاد الكلي.

مراجعة الدرس المقصدي:

في الكتاب وقفات مطولة وعميقة في مناقشة قضايا الدرس المقاصدي المختلفة منها توسيع دائرة التعليل المصلحي للشريعة حتى إن الشريعة هي المصلحة وفي حدودها يجتهد العقل، ومنها ترتيب المقاصد في ضوء واقع الأمة، فجاء التمكين للدين كله المقصد الأسمى، ووحدة الأمة أم المقاصد الآن[9].

ومن حيث صيغة المقاصد اقترح المؤلف رحمه الله استبدال صيغة الحفظ بصيغة الطلب، لأن الحفظ يكون للموجود والطلب للمفقود، ومعظم مقاصد الشريعة مفقودة في الواقع يتعين طلبها[10].

 ومن حيث العلاقة بين المقاصد ووسائل حفظها الممثلة في العبادات والعادات والمعاملات والجنايات دعا المؤلف إلى الربط بين الوسائل والمقاصد الدنيوية وبين المقاصد العليا الأخروية الناظمة للدنيوية[11]، كما ربط بين حفظ مقاصد الشريعة من جانب العدم وجناية الأنظمة السياسية الحاكمة القائمة على الاستبداد والظلم ونفي الشورى والعدل[12].

        وختم المؤلف رحمه الله كتابه بالحديث عن المطلب الشرطي في تحقيق مقاصد الشريعة في وحدة الأمة وإقامة الخلافة الثانية، وهي إعادة بناء علاقة الدعوة بالدولة كما كانت زمن النبوة والخلافة الراشدة، بحيث تتحول الدولة إلى خادمة للدعوة ومنفذة لأوامرها[13].

                                           والحمد لله رب العالمين


[1] – ينظر ياسين عبد السلام، نظرات في الفقه والتاريخ ص20، بيروت: دار لبنان للطباعة والنشر، طبعة1، 2007م.

[2]– ينظر ياسين عبد السلام، المصدر السابق ص17.

[3] – ينظر ياسين عبد السلام، المصدر السابق ص 34.

[4] – ينظر ياسين عبد السلام، المصدر السابق ص44.

[5] – ينظر المصدر السابق ص72.

[6] – ينظر المصدر السابق ص73.

[7] – ينظر المصدر السابق ص17، وص 74.

[8] – ينظر المصدر السابق ص82.

[9] – ينظر ياسين عبد السلام، المصدر السابق ص83.

[10] – ينظر ياسين عبد السلام، المصدر السابق ص96.

[11] – ياسين عبد السلام، المصدر السابق ص 109.

[12] – ينظر المصدر السابق ص 112.

[13] – ينظر المصدر السابق ص118.

اظهر المزيد

د.محماد رفيع

الأستاذ الدكتور محماد بن محمد رفيع أستاذ أصول الفقه ومقاصد الشريعة ورئيس قسم الدراسات الإسلامية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله فاس/المغرب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: