تطور الفقه الاسلامي عند جولد تسيهر من خلال كتاب العقيدة والشريعة

مقدمة

يعتبر الفقه الإسلامي جزء لا يتجزأ من تاريخ الحضارة الإسلامية، إذ هو فقه عام جامع للمصالح الدينية والاجتماعية والأخلاقية حيث نظم العلاقة بين العبد وربه وبين الناس بعضهم البعض، فهو تام الأحكام لم يدع شاذة ولا فاذة، هذا العلم المتصل بالحياة والذي لم يتوقف البحث فيه والتأليف فيه عبر القرون.

قال محمد بن الحسن بن العربيّ، في كتابه الفِكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي:
” فالأمة الإسلامية لا حياة لها بدون الفقه، ولا رابطة ولا جامعة تجمعها سوى رابطة الفقه وعقائد الإسلام، ولا تتعصَّب لأي جنسية، فهي دائمة بدوام الفقه، مضمحِلة باضمحلاله، فمَهْما وُجِد أهل الفقه واتُّبِعوا كانت الأمة الإسلامية، ومهما انعدم الفقه والفقهاء، لم يبق للأمة اسم الإسلام، ويجب على كل أمة إسلامية أرادت سنَّ قانون أو دستور أن تراعي هذا المبدأ حفظًا للجامعة الإسلامية “[1]

 والفقه الإسلامي نشأ وترعرع منذ عصر صدر الإسلام الأول على يد الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه وكبار التابعين والطبقة التي تليهم، على عكس ما يرى بعض المستشرقين من أن الفقه الإسلامي نشأ من غير أسس وقواعد وأنه لم يكن موجودا أصلا وإنما نشأ من مرحلة لاحقة على نبع الإسلام الأول، ومن بين هؤلاء المستشرقين الذين أجهدوا أنفسهم في محاولة دراسة الفقه الإسلامي، المستشرق جولد تسيهر من خلال كتابه العقيدة والشريعة، وهو من أعمدة المستشرقين ودعاتهم.

منهج البحث

المنهج سيكون عبارة عن منهج استقرائي وذلك باستقراء ما كتبه المستشرق جولد تسيهر عن الفقه الإسلامي ثم المنهج النقدي وذلك بنقد ما في هذه الافكار من مغالطات وتناقضات أثارت العلماء للرد عليها.

إشكالية البحث

الوقوف على أهم الأفكار والنقط التي أثارها المستشرق بخصوص تطور الفقه الإسلامي والعمل على رد عليها بردود لبعض العلماء المسلمين.

خطة البحث

يتكون البحث من مقدمة تشكلت من تمهيد ومنهج للبحث وإشكالياته ثم مبحثين وخاتمة

المبحث الأول : التعريف بجولد تسيهر وكتابه العقيدة والشريعة

المبحث الثاني :أهم آراء جولد تسيهر حول تطور الفقه الإسلامي وأهم الردود عليها

المبحث الأول : التعريف بجولد تسيهر وكتابه العقيدة والشريعة

سنتحدث في هذا المطلب عن حياة جولد تسيهر ونشأته ثم بعد ذلك سنلقي نظرة على كتابه وأقسامه.

المطلب الأول : حياة جولد تسيهر ونشأته

هوأجناس جولد تسيهر أو زيهر مستشرق يهودي مجري، ولد في سنة 1850م في بلاد المجر وهلك فيها عام1921م، ويعتبر من أبرز محرري دائرة المعارف الإسلامية[2]، قضى جولد تسهير السنين الأولى من عمره في بودابست وهي عاصمة المجر، ومن ذهب إلى برلين سنة 1869م فظل بها سنة ثم انتقل بعدها إلى جامعة ليبتسك وفيها كان أستاذه في الدراسات الشرقية فليشر وهو أحد المستشرقين في ذلك الوقت، وعلى يديه حصل جولد تسيهر على الدكتوراه الأولى سنة 1870م وكانت رسالته عن عالم يهودي في العصور الوسطى شرح التوراة.

 وبعد ذلك عاد إلى بودابست فعين مدرسا في جامعتها 1872م، لكنه لم يستمر في التدريس مدة طويلة لإرساله في بعثة دراسية من طرف وزارة المعارف المجرية إلى الخارج، فاشتغل طوال سنة في فينا وفي لندن، وارتحل بعدها إلى الشرق، حيث أقام في القاهرة مدة من الزمن استطاع أن يحضر بعض الدروس في الأزهر، وكان ذلك بالنسبة إلى أمثاله امتيازا كبيرا ورعاية عظيمة، ورحل إلى سوريا وتعرف على الشيخ طاهر الجزائري وصحبه مدة وانتقل بعدها إلى فلسطين.

وعين أستاذا للغات السامية في سنة 1894م ومنذ ذلك الوقت وهو لا يكاد يغادر وطنه بل ولا مدينة بودابست إلا لكي يشترك في مؤتمرات المستشرقين أو لكي يلقي محاضرات في الجامعات الأجنبية استجابة لدعوتها إياه.

وقد ظل تسيهر في مكتبته في مدينة بودابست أكثر من ربع قرن يقوم بأبحاثه ودراساته في عالم البحوث الإسلامية، فهو الذي فتح الطريق أمام الباحثين الجدد في مجال الاستشراق؛ ولذلك عد من أئمة المستشرقين وأساتذتهم.

ومنذ أن عين في جامعة بودابست وعنايته باللغة العربية عامة والإسلامية الدينية خاصة تنمو وتزداد، ثم بعد ذلك حقق في وطنه شهرة كبيرة جعلته ينتخب عضوا مراسلا للأكاديمية المجرية سنة 1871م، ثم عضوا عاملا في سنة 1872م، ثم رئيسا لأحد أقسامها سنة 1907م[3].

 وبالنظر إلى أبحاثه العلمية ومؤلفاته نجدها قد بلغت ما يقارب 582 بحثا في مختلف اهتماماته[4]، ومن بين مؤلفاته كتاب العقيدة والشريعة في الإسلام وهو في أساسه عبارة عن مجموعة من محاضرات عن الإسلام ألقاها أمام اللجنة الأمريكية للمحاضرات في تاريخ الأديان ويتحدث فيه عن الإسلام في مختلف جوانبه، وقد طبع هدا الكتاب عام 1960 ويقع الكتاب في 367 صفحة.

المطلب الثاني: التعريف بالكتاب العقيدة والشريعة

هو في أساسه كان عبارة عن مجموعة محاضرات عن الإسلام ألقاها أمام اللجنة الأمريكية للمحاضرات في تاريخ الأديان ويتحدث فيه عن الإسلام لمختلف جوانبه. طبع عام 1960م، ويقع الكتاب في 367ص مع الحواشي. في ستة أقسام
القسم الأول:فيتحدث أولاً عن محمد والإسلام ويعتبر بأنه لم يأتي بجديد، وأن الإسلام ما هو إلا نوعاً من الأفكار والآراء الهلينستية والتيارات والآراء الهندية والأفلاطونية الجديدة إلى جانب العناصر اليهودية والمسيحية ويتحدث في الفصل الثاني: عن تطور الفقه وأن الإسلام والقرآن لم يتما كل شيء في الشريعة، بل كان الكمال نتيجة لعمل الأجيال اللاحقة، ثم تحدث عن مدى تأثر الفقه الإسلامي بالقانون الروماني، ثم تكلم عن الحديث وعلمه وطعن في تاريخ تدوين هو يتحدث في الفصل الثالث: عن تطور العقيدة وعلم الكلام وتطور نظرية الجبر والاختيار من القرآن ومدى تأثير الأمويين فيه كما تحدث عن المعتزلة وآراءهم وأنكر صفة الحرية والعقل التي تمتع بها أنصار هذه الفرقة، كما اعتبرها من أهل السنة والجماعة، كما تطرق إلى الأشعري وفكره والاختلاف بينه وبين من حملوا فكره ويتحدث أيضاً عن الماتريدي والسلفية والفلاسفة في الفصل الرابع يتحدث عن الزهد والتصوف ومدى تأثره بالمؤثرات الهندية واليونانية حتى وصل إلى فكرة الحلول ووحدة الوجود وفي الفصل الخامس يتحدث عن الفرق السياسية القديمة من الخوارج والشيعة وأهم الاختلافات مع السنة وتطورها وفي الفصل السادس يتحدث عن الحركات الدينية الأخيرة والمعاصرة من الوهابية والبابية والبهائية والسيخ والأحمدية والمحاولات التي بذلت للوفاق بين السنة والشيعة.[5]

المبحث الثاني : أهم آراء جولد تسيهر حول تطور الفقه الإسلامي وأهم الردود عليها

مجال الدراسات الفقهية لم يحظ إلا بعناية واهتمام قليل من طرف المستشرقين الذين كرسوا حياتهم بدراسة الفقه وتطوره بينما اكتفى آخرون بالنقل عمن سبقوهم والاستفادة من نتائج بحوثهم وذلك للكشف عن مدى صلاحية وأصالة الفقه لحياة المجتمعات الإسلامية.

حيث ذهب بعض المستشرقين إلى القول بأن الفقه الإسلامي أقرب ما يكون إلى الفقه اليهودي، فالمستشرق الفرنسي موسكه[6]G.H.bousquetفي مقالته ” تكون الفقه واصل مصادره عقدة لم تنحل ” انتهى إلى أن هناك علاقة بين الفقه والتلمود بقول أن اليهودية لها تأثير عظيم جدا على تكون الإسلام في عصر محمد، حيث يقول” ولقد يمكن أن يكون التلمود وحده قد أثر في الفقه الإسلامي بالنسبة لروحه “[7]وقد زعم البعض الآخر أن الفقه الإسلامي استعان بالقانون الروماني قبل الإسلام – وسنتطرق الى هذه النقطة بالتفصيل في هذا المبحث –وفي هذا يقول شليدون آموس “إن الشرع المحمدي ليس إلا القانون الروماني للإمبراطورية معدلا وفق الأحوال السياسية والممتلكات العربية “[8]

 ومن بين المستشرقين الذين آثار مثل هذه الآراء والأفكار نجد كريم وشليدون آموس وفي هذا المبحث سنخصص الكلام عن آراء المستشرق جولد تسيهر حول تطور الفقه الإسلامي وهو قسم مستقل في كتابه العقيدة والشريعة.

مهد جولد تسيهر حديثه عن تطور الفقه بجملة من كلام لأناتول فرانس ” إن من يؤسس دينا لايدري ماذا يفعل ” والذي أفاد بها أن كل مؤسس لدين معين لا يدرك مدى أثر عمله على تاريخ البشرية وهو ما وقع بالضبط لمحمد صلى الله عليه وسلم حسب جولد حيث أنه لم يعلم أن دينه سيعرف هذا الانتشار الواسع وأنه سيقوم بفتوحات في أراضي فسيحة وجديدة ونظرا لعدم علمه عليه الصلاة والسلام بهذا الامتداد للإسلام لم تكن التعاليم والنظم التي وضعها في حياته لتسد الحاجيات والتغيرات التي عرفها الإسلام أثناء فتوحاته ولهذا جاء محمد بأصول فقهية تتسع فقط لزمانه ومكانه لأنه لم يكن على وعي بانتشار دعوته.

يأتي الرد على هذه الشبهة في كون أن الدارس للقرآن والسنة يرى بوضوح عموم الرسالة الإسلامية وخلودها وأن محمد عليه الصلاة والسلام لم يذكر لقومه أنه خاص بهم أو مقصور عليهم، بل إن رسالته للعالمين وأن دعوته للناس أجمعين[9]ومن الشواهد على بطلان افتراء المستشرق قوله صلى الله عليه وسلم ” كان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة[10] كما أن الرسول كان على دراية أن دعوته ستنتشر وأن دينه سيعلو وقد أكد هذه الحقيقة قوله تعالى ” هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون[11]وكان الصحابة يسمعون من رسولهم تبشيرات بفتح أراضي وبلدان وأن ملك كسرى وقيصر سيتلاشى بين أيديهم حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” والله لتنفقن كنوزهما في سبيل الله[12]

ويضيف المستشرق أيضا أن الأصول والأسس التي يرتكز عليها الإسلام هي أصول غير ثابتة بل متأرجحة تعدل وتتطور بحسب الواقع المتغير. حيث قال ” كما أنه في الحوادث الكبيرة التي لمس الإسلام بواسطتها دائرة الأفكار الأخرى، فتح المسلمون المفكرون باب التفكير في المسائل الدينية، التي كانت مقفلة إلى ذلك الحين في بلاد العرب، وكذلك كانت في الوقت نفسه تقنن مسائل الحياة العلمية، وأشكال العبادات في أصول ضرورية، تقنينا متأرجحا “[13]

 ويأتي الرد على هذا أن هذه الأصول والمبادئ غير قابلة للتعديل والتبديل والتطوير بل يلجأ إليها الفقهاء ليفرعوا منها نظريات فقهية ولا يخرجوا عليها أما أشكال العبادات الأصلية لا اجتهاد فيها.[14]

ويرى أيضا أن الإسلام جاء ناقصا لم يوفر لأتباعه ما يحتاجونه من ركائز توجيهية في أساسيات حياتهم وان التطور اللاحق إنما هو تلصص على تراث وتقاليد الحضارات السابقة أثناء الفتوحات الإسلامية ثم أضاف المسلمون على هذه التقاليد والقوانين صبغة دينية وجعلوها أحاديث شريفة ونسبوها إلى نبيهم وهو بهذا يقول أن الإسلام لا يمت بصلة للإسلام ذو النبع الأول وإنما بدأ تطور الفقه الإسلامي مباشرة بعد وفاة النبي.

يأتي محمد الغزالي في هذا السياق وينكر على المستشرق جولد تسيهر أن يكون هذا التطور بتطور فقهي موضحا أنه لا يعقل أن تكون الشريعة الإسلامية(القرآن الكريم ) من وضع محمد نقلا من غيره من الحضارات السابقة إذ أنه يستحيل استحالة تامة التلاقي والاستمداد حين يكون التكافؤ معدوما بين الطرفين بل حتى كبار العرب والشعراء عجزوا أن يأتوا بآية من القرآن فكيف بنازح أعجمي[15]قال الله تعالى ” ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين[16]

أما قوله أي المستشرق ” فهناك جمل أخذت من العهد القديم والعهد الجديد وأقوال للربانيين أو مأخوذة من الأناجيل الموضوعة، وتعاليم من الفلسفة اليونانية، وأقوال من حكم الفرس والهنود كل ذلك أخذ مكانه في الإسلام عن طريق الحديث…”[17] أراد به أن يوهم سنة النبي عليه الصلاة والسلام ما هي إلا نقل آداب وحكم وأقاصيص ومواعظ عن أمم وديانات سابقة، كما يدل هذا الكلام بصريح العبارة أن اليهودية مثلا أثرت في الفقه الإسلامي بعقائده وعباداته ومعاملاته وهو ما ينفي استقلالية الفقه الإسلامي ويجعل للثقافة اليهودية فضلا عليه.

ويرد على هذا الزعم الباطل بالوقوف على أمرين مهمين أولهما التفاوت بين التعاليم اليهودية والفقهية الإسلامية، ثانيا عدم وقوف الفقهاء المسلمين في عصر نشأة الفقه وتكون المذاهب على التراث اليهودي وهذا التفاوت واضح وجلي في مختلف المجالات التشريعية من قبل نظام الأسرة ونظام العقوبات.[18]

بعد هذا أخذ جولد تسيهر يستطرد مجموعة من الشبهات حول الحديث النبوي كما جاء في كلامه قائلا[19]” ولا نستطيع أن نعزو الأحاديث الموضوعة للأجيال المتأخرة وحدها، بل هناك أحاديث عليها طابع القدم، وهذه إما قالها الرسول أو هي من عمل رجال الإسلام القدامى…” ثم يقول ” والحق أن كل فكرة وكل حزب وكل صاحب مذهب يستطيع دعم رأيه بهذا الشكل وأن المخالف له في الرأي يسلك أيضا هذا الطريق، ومن ذلك لا يوجد في دائرة العبادات أو العقائد أو القوانين الفقهية أو السياسية مذهب أو مدرسة لا تعزز رأيها بحديث أو جملة أحاديث ظاهرها لا تشوبه شائبة..”

 ويفهم من هذه الأقوال لجولد تسيهر حول السنة النبوية أن كثيرا من الأحاديث التي نسبت إلى الرسول إنما هي من تأليف الصحابة والتابعين وهو يريد أن يقول أن الإسلام تطور ونما على يد هؤلاء الرجال الذين وضعوا ألوف الأحاديث التي لم ينطق بها الرسول ليجعلوا من الإسلام دينا شاملا ويؤيد ذلك قوله : ” إن القسم الأعظم من الحديث بمثابة نتيجة لتطور الإسلام الديني والتاريخي والاجتماعي في القرن الأول والثاني فالحديث بالنسبة له لا يعد وثيقة لتاريخ الإسلام في عهده الأول، عهد طفولته وإنما هو أثر من آثار الجهود التي ظهرت في المجتمع الإسلامي “[20]

 وفي الرد على هذا نجد أن الواقع والتاريخ يكذب كل هذه المزاعم حيث أن الإسلام بلغ تمامه أيام النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون مجمعون على رفض أي آية إضافية تجيء بعده ويعتبرونها باطلة وهم يعرفون أن في كتاب ربهم وسنة نبيهم الكفاية المطلقة لكل تشريع او فتوى تحتاج إليه العصور[21]ويؤكد ذلك قوله تعالى ” اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا[22]وقوله تعالى أيضا : ” ما فرطنا في الكتاب من شيء[23]

 وضرب جولد تيسهر مثالا لتطور التفكير الفقهي حيث يقول[24]: ” وسأذكر مثالا واحدا له أهميته لتقدير الأفكار الدينية في الإسلام فحسب، مذهب القرآن في التوحيد يعد الشرك أكبر الذنوب، ولا يغفره الله تعالى وفي تطور هذا التصور الاعتقادي الأول نرى أنه لا يدل على الشرك تشويه العقيدة فقط بل كل ضرب من العبادة يشتم منه أن تمجيد الله غير مقصود لذاته…فالرياء لا يتفق مع التوحيد، وكذلك بعض الذنوب الكبيرة، فهي نوع من الشرك”

 أي أن حديث ” الرياء شرك ” لم يقله الرسول، بل هو تطور من صنع الناس، نما به معنى التوحيد الأصلي واتسعت دائرته، وهذا الكلام باطل كله، وقد أسسه على الزعم بأن مذهب القرآن في الشرك يخالف الامتدادات، التي ظهرت بعد في السنة، وأدنى تأمل في حديث القرآن عن الرياء، يكشف عدم صدق هذا الاستنتاج، فالقرآن الكريم قرن الرياء بالكفر في كثير من الآيات[25]ومن ذلك قوله تعالى : ” لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر[26]

 وتعرض جولد تسيهر فيما بعد لمسألة تأثر الفقه الإسلامي بالقانون الروماني مستنتجا عدم أصالة الفقه الإسلامي واستقلاليته وأن هذا الأخير قد استعان واستفاد من القانون الروماني في تشريعاته وتعاليمه حيث جاء في كلامه : ” وليس غريبا أن تكون هذه التعاليم الفقهية والتفصيلات المستعملة قد تأثرت كذلك بثقافات أجنبية كما أن المعارف الفقهية الإسلامية تحمل على سبيل المثال آثارا غير منكورة من الفقه الروماني، سواء في ذلك من ناحية الطريقة أو من ناحية الأحكام الفرعية “[27]

ويأتي الرد على هذه الشبهة من خلال عدة حقائق، ذلك أن الفقه الإسلامي مستمد من الكتاب والسنة أي أن مصدره الأساسي هو مصدر إلهي على حين يقوم القانون الروماني على تشريع إنساني ثم إن الفقه الإسلامي شامل لما يسمى بالعبادات والمعاملات ولكن القانون الروماني لا يهتم بالمسائل الروحية.[28]

 أما من الأدلة التاريخية نجد عدم تعرف علماء المسلمين على القانون الروماني من المدارس و المحاكم الرومانية كما يزعم البعض لأن هذه المدارس قد ألغيت بقرار إمبراطوري سنة 533م وما بقي من هذه المدارس في روما والقسطنطينية لم يكن له تأثير على المسلمين[29] ومن أوجه الاختلاف من الناحية القانونية نجد اعتراف الفقه الإسلامي للذكر متى بلغ راشدا بأهليته الكاملة في حين يرفض القانون الروماني بإعطاء هذه الأهلية مادام الذكر أبواه على قيد الحياة وغير هذه الأدلة كثير.

خاتمة

حاول المستشرق اليهودي جولد تسيهر دراسة الفقه الإسلامي باعتباره تطبيقا حقيقيا للفكر الإسلامي العام، فبحث في تطوره وتاريخيه وتأثيره، ومن اجل ذلك قدم أدلة تسعى إلى نفي أصالة الفقه الإسلامي واستقلاليته، حيث أكد على تأثر الفقه الإسلامي بالتشريعات والديانات السابقة في جل أقواله، مسلطا الضوء على القانون الروماني والديانة اليهودية، كما أخد موقفا من السنة النبوية بكونها ما هي إلا إرث اصطنعته الأجيال التي لحقت صدر الإسلام الأول ثم نسبته إلى الرسول، وقد لقي جراء هذه الآراء ردود لكثير من العلماء المسلمين الذين أثبتوا خطأ هذه المزاعم بأدلة وشواهد تاريخية التي لا ينكرها عاقل.

الفهارس

أولا : لائحة المصادر والمراجع

القرآن الكريم

محمد بن الحسن بن العربيّ بن محمد الحجوي الثعالبي الجعفري الفاسي – الفِكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي، مطبعة إدارة المعارف بالرباط 1340ه، عدد المجلدات 4.

المستشرقون، نجيب العقيقي، دار المعارف مصر 1964م، عدد المجلدات 4، عدد الصفحات 1414

موسوعة المستشرقين، عبد الرحمان بدوي، دار العلم للملايين، الطبعة الثالثة 1993م، عدد المجلدات 1 عدد الصفحات 64

العقيدة والشريعة في الإسلام، جولد زيهر، نقله إلى العربية، محمد يوسف موسى وآخرون، دار الرائد العربي-بيروت، 1946م.

الإستشراق والفقه الإسلامي للدكتور محمد الدسوقي، أستاذ مساعد بقسم الفقه والأصول.

الاستشراق والخلفية الفكرية للصراع الحضاري للدكتور محمود حمدي زقزوق، دار المعارف عدد المجلدات 1 عدد الصفحات 162

محمد الغزالي دفاع عن العقيدة والشريعة ضد مطاعن المستشرقين، الطبعة السابعة 2005م

السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي، ذ.مصطفى السباعي، دار الوراق – المكتب الإسلامي 2000م عدد المجلدات 1، عدد الصفحات 523

الإسلام في مواجهة الغزو الفكري الاستشراقي والتبشيري محمد حسن مهدي بخيت، دار مجدلاوي للنشر والتوزيع عمان الأردن الطبعة الأولى 2011م.

ثانيا : فهرس المحتويات

المحتوى الصفحة
مقدمة 1
منهج البحث 1
إشكالية البحث 2
خطة البحث 2
المبحث الأول : التعريف بجولد تسيهر وكتابه العقيدة والشريعة 3
المطلب الأول : حياة جولد تسيهر ونشأته 3
المطلب الثاني : التعريف بالكتاب العقيدة والشريعة 4
المبحث الثاني : أهم آراء جولد تسيهر حول تطور الفقه الإسلامي وأهم الردود عليها 5
خاتمة 12
الفهارس 13
فهرس المصادر والمراجع 13
فهرس المحتويات 14

[1]– محمد بن الحسن بن العربيّ بن محمد الحجوي الثعالبي الجعفري الفاسي – الفِكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي. ج1 ص 71

[2]– المستشرقون، نجيب العقيقي الجزء 2 ص 906

[3]– موسوعة المستشرقين، عبد الرحمان بدوي ص189

[4]– المستشرقون، نجيب العقيقي جزء2 ص 906

[5]-العقيدة والشريعة في الإسلام، جولد زيهر، نقله إلى العربية، محمد يوسف موسى وآخرون، دار الرائد العربي-بيروت،1946م.

[6]– ج،هاء بوسكيه استاذ الحقوق والعمرانيات بالجزائر

[7]– هل للقانون الروماني تأثير على الفقه الإسلامي نقلا من كتاب  الإستشراق والفقه الإسلامي للدكتور محمد الدسوقي ص 27

[8]– نقلا من الاستشراق والخلفية الفكرية للصراع الحضاري للدكتور محمود حمدي زقزوق ص 113

[9]– محمد الغزالي دفاع عن العقيدة والشريعة ضد مطاعن المستشرقين، الطبعة السابعة 2005م ص 47

[10]– جزء من حديث رواه الشيخان والنسائي عن جابر بن عبدالله

[11]– سورة الصف الآية 9

[12]-رواه الشيخان واحمد عن جابر بن سمرة وأبي هريرة

[13]-العقيدة والشريعة في الإسلام،جولد زيهر،نقله إلى العربية،محمد يوسف موسى وآخرون،دار الرائد العربي-بيروت،1946م.ص44

[14]– حواشي كتاب العقيدة والشريعة لجولد تسيهر في رد عليه ص 44

[15]-محمد الغزالي دفاع عن العقيدة والشريعة ضد مطاعن المستشرقين، الطبعة السابعة 2005م ص56

[16]– سورة النحل الآية 103

[17]-عقيدة والشريعة في الإسلام،جولد زيهر،نقله إلى العربية،محمد يوسف موسى وآخرون،دار الرائد العربي-بيروت،1946م.ص 51

[18]– الاستشراق والفقه الإسلامي للدكتور محمد الدسوقي ص 28

[19]-عقيدة والشريعة في الإسلام،ص49

[20]– السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي، ذ.مصطفى السباعي ص 19

[21]– الإسلام في مواجهة الغزو الفكري الاستشراقي والتبشيري محمد حسن مهدي بخيت، دار مجدلاوي للنشر والتوزيع عمان الأردن  ط.2011 ص 150

[22]– المائدة الآية 3

[23]– الأنعام الآية 89

[24]– العقيدة والشريعة لجولد تسيهر ص53

[25]– محمد الغزالي دفاع عن العقيدة والشريعة ضد مطاعن المستشرقين، الطبعة السابعة 2005م ص65

[26]– سورة البقرة الآية 264

[27]– العقيدة والشريعة لجولد تسيهر ص56

[28]-الاستشراق والفقه الإسلامي للدكتور محمد الدسوقي ص 21

[29]– الاستشراق والخلفية الفكرية للصراع الحضاري للدكتور محمود حمدي زقزوق ص115

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: