تاريخ الحملات التنصيرية

قد حصل للمفهوم اللفظي للتنصير شيء من التطوير مع تطور النظرة إلى التنصير عبر التاريخ، فليس هذا المفهوم حديث الإطلاق، وليس هو ظاهرة جديدة، بل لقد بدأ التنصير مع ظهور النصرانية، حيث كان مطلبا جاء به النصارى لنشر الدين النصراني -وليس المسيحي-، وقد هاجرت طائفة من النصارى يقال لها النساطرة من الرها بعد أن أغلقت مدرستهم فيها -مدرسة الرها- على يد زينونسنة 439م، فهاجرت الطائفة تحت قيادة بارسوما سنة 457م إلى فارس، وأنشأت فيها مدرسة نصيبين، وانتشرت من هذه المدرسة حملات التنصير على الطريقة النسطورية إلى جوف آسيا وبلاد العرب، وقد استعانت هذه الحملات التنصيرية بالفلسفة اليونانية [الإغريقية] لنشر تعاليمهم ومعتقداتهم الخاصة–زورا وبهتانا- حول طبيعة المسيح عيسى بن مريم -عليه السلام-. ثم توالى الأخذمن الثقافات الأخرى كالفارسية والهندية وغيرها مما أعطى هذه الديانة بعدا وثنيا، أبعدها عن الأصول الصحيحة التي جاء بها عيسى بن مريم -عليه السلام-.  حتى قيل: “إن أركان النصرانية الجديدة وعقائدها وصلواتها وشعائرها تأثرت أو تحدرت من الديانة الوثنية التي كانت سائدة قبل ظهور المسيح-عليه السلام-، أو في أيامه. وقد نقلها المؤمنون-على حد قولهم- الجدد من ديانتهم الوثنية، فأقرتهم عليها الكنيسة، ثم تبنتها وجعلتها رموزا تأويلية ملفقة ترضيهم وتلبس على غيرهم“.

 

  • شاؤول المنصر:

وقبل هذا سعى شاؤول أو بولس وقد كان يهوديا فتنصر، إلى نشر النصرانية على طريقته، بعد أن زعم أن المسيح عيسى بن مريم -عليه السلام- قد جاءه في المنام وهو في طريقه إلى دمشق الشام، وطلب منه ترك اضطهاد النصارى والسير في ركب الدعوة إلى النصرانية، وقد كان قبل هذه الرؤيا المزعومة ، من أشد الناس نكاية بالنصارى، ولا سيما نصارى بيت المقدس، حيث كان نفوذه فيها واسعاـ وبهذا المفهوم، يعد بولس من أوائل المنصرين البارزين، وواضع أسس التنصير العالمي. يقول محمد أمير يكن في شأنه ما مفاده: ” لا يعتبر بولس الداعي الأول إلىالنصرانية فقط، بل يعتبر واضع أسس التنصيرالعالمي. ولا يزال المنصرون في أيامنا هذه يستقون خططهم وترتيباتهم من معلمهم الأول بولس. فهو بحق مؤسس منهج التنصير”، ولا بد من التنبية إلى أن هذه النظرة لبولس من قبل المسلمين، تختلف عن نظرة بعض النصارى له، إذ يعدونه المنقذ، ويسمونه بولس المخلص. 

 

  • اليعاقبة:

ثم تعاقبت حملات التنصير، وتزعمها في الجهة الغربية من فلسطين اليعاقبة الذين اختلفوا مع النساطرة حول طبيعة المسيح عيسى بن مريم-عليه السلام- بين الناسوتية واللاهوتية



  • المسلمون والنصارى:

ومن بين علاقة المسلمين بالنصارى، أو الإسلام والنصرانية، كانت محاورة على عهد رسول الله محمد –صلى الله عليه وسلم- حينما أرسل وفدًا من المهاجرين إلى ملك صالح في الحبشة يقال له النجاشي، وما حصل من سبق قريش ومحاولتهم إثناء الملك عن إيواء المسلمين، وقد صاحب هذه المحاولة نقاش وحجاج حول طبيعة المسيح عيسى بن مريم -عليه السلام- ونظرة الإسلام له

 

ثم أرسل رسول الله محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم- وفودا إلى الأباطرة في شمال الجزيرة العربية وشمالها الغربي مثل هرقل الروم ومقوقس مصر وغيرهما. وكان هناك أيضا حوار ونقاش حول نظرة الإسلام والمسلمين للنصرانية، ونبي الله عيسى بن مريم- عليه السلام-

 

وكذلك قد قدم على رسول  الله محمد-صلى الله عليه وسلم- في المدينة النبوية وفد من نجران بين أربعة عشر وستين فردا -حسب الروايات-، ومنهم العاقب وأبو الحارث والسيد، فدار بين نبي الله محمد -صلى الله عليه وسلم- وبينهم حوار وحجاج حول طبيعة المسيح عيسى بن مريم -عليه السلام-، ثم عاد الوفد إلى نجران، وكان بينهم حوار طويل حول ما دار بينهم وبين رسول الله محمد -صلى الله عليه وسلم-، رجع بعده بعض أعضاء الوفد كالعاقب والسيد إلى المدينة النبوية ونطقا بالشهادتين، ونزلا في بيت أبي أيوب الأنصاري-رضي الله عنه- قرب المسجد النبوي بالمدينة المنورة.

 

وعصر الخلفاء الراشدين -رضي الله عنهم- كان حافلا بالعلاقات مع النصارى، نتيجة لامتداد الفتح الإسلامي في الشام ومصر وما وراءهما. وكان يتخلل هذه الفتوحات وقفات علمية تكون فيها مناقشات وحوارات حول موقف الإسلام من النصرانية والنصارى، وأبرز مثال على هذه الوقفات وقفة الخليفة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في بيت المقدس، وموقفه من الكنيسة المسماة القيامة وتجنبه الصلاة فيها.

 

وكذا الحال في العصر الأُموي مع الزيادة المطّردة في العلاقة من خلال الاستعانة بالنصارى في بعض مقوِّمات بناء المجتمع المسلم الناهض، وبخاصة فيما يتعلق بالعلوم التطبيقية والبحتة.

 

ولم يسلم المغول أنفسهم من حركة التنصير هذه، إذ أريد من تنصيرهم كسب أمة وثنية إلى النصرانية من ناحية، ومن ناحية أخرى التأثير على المسلمين بتفادي خطرهم على الحملات التنصيرية، فيما إذا انضم المغول إلى المسلمين. وقد انضم المغول إلى المسلمين بعد أن هداهم الله إلى الإسلام، وعاونوا قادة المسلمين في تصديهم للحملات التنصيرية

 

  • فترة الحروب الصليبية:

وتشكّل الصراع بين المسلمين والنصارى بوضوح أكثر إبَّان الحروب الصليبية التي لا تعدو كونها شكلا من أشكال التنصير، اتُّبعت فيه القوة والغزو العسكري، وكان يدور خلال الحملات الصليبية الثمانية نقاش وحوار بين المسلمين والنصارى من علماء الدين الإسلامي ورجال الدين النصراني، كان من نتائجه ظهور مجموعة من المؤلَّفات تناقش حقيقة النصرانية وترد على النصارى في زعمهم حول طبيعة المسيح عيسى بن مريم -عليه السلام- وأسباب عدم إيمانهم برسول الله محمد صلى الله عليه رغم ذكر بعثته في الإنجيلـ

 

وكما أن الحروب الصليبية لم تفلح عسكريا، فهي لم تفلح عقائديا في تشكيك المسلمين برسالتهم، بل زادتهم تمسُّكا بدينهم، مما أدَّى في النهاية إلى خروج الصليبيين من أراضي المسلمين دون الفوز بما قدموا من أجلهومع هذا فلا يغفل تأثير الحملات الصليبية على المجتمع المسلم، فقد زاد عدد الكنائس، وبالتالي زاد عدد المنصرين. 

 

ويذكر محمد مؤنس عوض من خلال عرضه للرحالة المسلمين، ولا سيما عند وقوفه مع الرحالة ابن جبير أن هذا الرحالة قد أدرك البعد التنصيري للحملات الصليبية،إذ أدرك الدور الصليبي الخطر في تغيير هوية المنطقة ومحاولة تحويلها عن الإسلام من خلال البعد التنصيري، فيذكر أنه بعد خضوع عكا لسيطرة الصليبيين فقد تحولت مساجدها وصارت كنائس، وصوامعها صارت محل أحد النواقيس، وفي مثل ذلك التعبير نجده يكشف بجلاء عن دور الصليبين في محاولتهم الدؤوبة لتغيير هوية المنطقة الإسلامية و تنصيرها من خلال القضاء على الدور الهام لأماكن العبادة الإسلامية في صورة المساجد، بل وصل الأمر أن صارت هناك بقعة صغيرة في مسجد عكا الجامع يجتمع فيه الغرباء من أجل إقامة الصلاة، ويمكن وصف ابن جبير بأنه شاهد عيان على تلك الحقيقة، ألا وهي السياسة التنصيرية التي أراد الصليبيون تنفيذها في منطقة الشرق الأدنى من أجل توسيع رقعة عالم النصرانية على حساب الإسلام والمسلمين



  • فترةالاحتلالالغربي:

 

ثم تأتي مرحلة الاحتلال الغربي في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين (التاسع عشر والعشرين الميلاديين) وما سبقهما من إرهاصات للاحتلال، وتُعَدُّ هذه المرحلة امتدادًا للحروب الصليبية، مع نقص في الكفاءة وانعدام في التوازن بين الطرفين المسلم والنصراني، ويشكل الاحتلال كذلك شكلا من أشكال التنصير بل يعدّ التنصير ممهدا للاحتلال أولا، ثم يعدّ الاحتلال مسهلا لحملات التنصير بعدئذ. وفي هذه الأثناء بدأ التنصير يأخذ طابع التنظيم من خلال وجود مجموعة من المؤسسات والإرساليات التنصيرية، تنظمها وتدعمها الهيئات الدينية على اختلاف طوائفها والحكومات الغربية بخاصة، وظهرت للتنصير مؤسسات، كالمعاهد والجامعات والمنظمات والمراكز المنتشرة في كثير من الأماكن، وقد أدى هذا كله إلى الخروج بتصور عن التنصير أشمل أحيانا، وأدق أحيانا أخرى، من مجرد دعوة غير النصارى إلى الدخول في النصرانية. 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: