اَلدَّوْلَةُ المَدَنِيَّةُ: تَهَافُتُُ نَظرِيُُّ أم تَجَاوُزُُ لِلدَّولَةِ الحَدِيثَةِ ؟ (1)

في خضم التدافع الفكري القائم بين العديد من الأطروحات والمشاريع الإيديولوجية والسياسية في الدول العربية منذ القرن الماضي عموما، وبعيد ثورات الربيع العربي خصوصا، برز جدال مُطَّرِدٌ حول مفهوم “الدولة المدنية”.

وقد شارك في هذا الجدال المستمر ذو العلم والمثقف والحركي، ومن خلفيات متعددة.

ولفرط تداول هؤلاء لمصطلح “الدولة المدنية” حتى تَمَثَّل لهم أنهم قد تواضعوا وتواطئوا على مدلول المصطلح، ولم يبق أمامهم سوى الاقتناع بترجمة تصوره النظري إلى مشروع قابل للتطبيق.

لكن الدارس اليقظ والمتفحص لهذا السجال الإيديولوجي العميق، سيخلص لا محالة إلى ضرورة التوقف عند المصطلح لتفكيكه، وهدم تمثلات الحس المشترك المنسوجة حوله، ثم بناء تصور سليم يرسم حدود دلالاته، لعلنا نؤسس لنقاش عمومي يتبرم من الوهم والتمثل من جهة، ويبتعد عن أي تهافت نظري يفسد الأحكام المتوصل إليه من جهة أخرى؛ فالحكم على الشيء فرع من تصوره.
 على هذا الأساس، ولتحقيق هذه الغاية، سلكت وأنا أنسج هذا المقال تحديا يجمع بين العمق في التحليل، والسهولة 
في البسط، والاختصار في المعلومات.

فالعمق أَخُصُّ به أهل العلم في المجال، والسهولة أخص بها المثقفين غير المختصين، والاختصار أخص به الحركيين الذين لا يمتلكون نفسا نظريا، بل يَطَّلِعُونَ إلى الخطط العملية التي تساعدهم على الحركة في الميدان.

وعليه، سيخلو مقالي من كثرة الاستشهادات والإحالات والتفصيلات، لأنه وبكل بساطة عصارةُُ لما راكمته من قراءات في الفلسفة السياسية وباقي العلوم المتصلة بها.
وأنا أستضيف قُرَّائِي الأعزاء على هذه المائدة الفكرية، ألتمس منهم أن يتحلوا بالتؤدة وطول النفس ونحن نسير جميعا نحو تفكيك وإعادة بناء دلالة مفهوم موضوع المقال.
يعد مصطلح *”الدولةالمدنية”*  مصطلحا طارئا على حقل العلوم والفلسفة السياسيين.

وهو مصطلح لا تجد له أي أثر او وجود في العلوم السياسية الغربية قديمها وحديثها ومعاصرها.

ولعل هذه المعلومة قد تشكل أول صدمة في مستهل هذا الموضوع؛ فمصطلح *”الدولة المدنية”* هو اختراع عربي مُحْدَث وُلِدَ في خِضَمِّ السجال اللائيكي/الإسلامي حول طبيعة الدولة المراد تأسيسها بعد مرحلة التغيير التي يبشر بها كل طرف، ويتخوف منها خاصة التيار اللائكي الذي يرى أنه يمتلك النخبة ويفتقد الحاضنة الشعبية.

فالتيار اللائيكي يعتقد أنه باصطفافه ودعمه للدولة الحديثة والحداثية، يكون قد حسم فهمه للدولة المدنية، التي تعني عنده فقط تجاوز سمة الاستبداد والحفاظ على باقي مقومات الدولة الحديثة التي يسميها دون أن يحددها “دولةمدنية”*.

أما التيار الإسلامي، فمن فرط الهجوم عليه واتهامه بالسعي إلى تأسيس دولة دينية تاريخية، ولكي يدفع عنه هذه التهمة التي أصبحت تطارده في كل المحافل والموائد الفكرية، سَلَّمَ بهذا المعطى، وأعلن هو أيضا قبوله ومطالبته بالدولة المدنية.

وهنا نستغرب لهذا التقاطع والتلاقي المفاجئ في حمأة سجال بين تيارين على طرفي نقيض.

وقد يكون مَرَدُّ هذا التوافق الإعتباطي (arbitraire) كون أن الطرفين وجدا في المصطلح حلا وسطا بحيث أنه يخفي الحديث عن الدين والشريعة الإسلامية من ناحية، كما يخفي الحديث عن العَلمانية من ناحية أخرى.

هكذا يبدو أن مصطلح *الدولةالمدنية* يجمع بين الإيهام والمتعة؛ إيهام يتمثل في التسليم بتطابق الدولة الحديثة مع الدولة المدنية مع رفع آفة الاستبداد، وهذا المذهب يجعل المصطلح متهافتا من الناحية النظرية! وممتعا لأن هذا المصطلح أقرب إلى الأماني التي يتطلع إليها الاسلاميون منه إلى الواقع.

فكثير من الحركات الإسلامية تتبنى المصطلح دون ان تقترح آليات عملية لترجمته، اللهم إقرارها بضرورة تجاوز مرحلة الاستبداد.

ويبقى الفريقان على نفس المسافة من الغموض إزاء المصطلح، فالفريق الأول يبقي على نفس الدولة ويبشر من داخل نمطها بالدولة المدنية. أما الفريق الثاني فينتقد الدولة الحديثة في عمق فلسفتها، فيقبل شكل التحديث ويرفض لائكية الحداثة، ليبشر هو الآخر بدولة مدنية تعترف بخصوصية المجتمع وإسلاميته.

وبين المقترحين يكاد مصطلح *الدولة المدنية*  يدخل في تيهان فكري لا حد له، لتبقى النقطة المضيئة الوحيدة هي توافق الفريقان على ضرورة تقويض دعائم الاستبداد، مع أن هذه العملية هي الأخرى ستفتح أفق الاختلاف حول الآلية القمينة بتحقيق مجال أوسع للحرية.
وبناء على هذه المقدمة سنُسَلِّمُ بالضمن أن مصطلح “الدولة المدنية” هو مصطلح طارئ ليس له جذور نظرية علمية في كل النظريات السياسة، وأنه نَحْتُُ عربي محض، كما أنه يفتقد لأي تصور مسبق(ليس له حد يُعَرِّفُهُ).

فنحن إذن أمام الدولة الحلم التي لم يسبق لها نظير لا في التاريخ، ولا في النظر المعرفي.

دولة نحتاج في البداية إلى تَلَمُّسِ الطريق لبناء تصور نظري لها، ثم بعده تحديد خصائصها، وطريقة سيرها وتوزيع الصلاحيات فيها، ثم بيان هل هذه الدولة “غاية” في حد ذاتها أم مجرد “جهاز وظيفي” لتحقيق غايات خارجة عن كيانها؟ وما هي حدود السلطة المخولة إليها؟ وما الذي يميزها عن غريمتها الدولة الحديثة؟ ثم عندما نطرح هذا المصطلح فهل نحن أمام إرهاصات تجاوز  تاريخي للدولة الحديثة التي أخرجتنا، بحسب النظريات السياسية، من الحالة الطبيعية للإنسان إلى الحالة الاجتماعية؟ أم أننا أمام مصطلح مشكل تداولناه دون أن نوضح أو ندرك حدود دلالاته ومضامينه.
من المناسب ونحن نعمل على بناء حدود هذا المصطلح أن نلقي نظرة سريعة ومختصرة على معنى الدولة في الأزمنة السالفة ونقارنه بالدولة الحديثة.

تجمع النظريات السياسية الغربية أن الناس في القدم كان كل واحد منهم يحتفظ بالسيادة لنفسه ولم يكن ثمة كيان اسمه آنذاك الدولة. ومع تصادم السيادات الفردية وتفاقم الصراعات اهتدى الإنسان باعتباره كائن سياسي عاقل بالفطرة إلى تجميع كل هذه السيادات في شخص الحاكم، الذي سيصبح لاحقا رمزا لكيان معنوي اسمه الدولة.

وأمام هذا التنازل الجبري الطوعي في الآن ذاته من الإنسان عن سيادته مقابل الخروج من حالة الحرب إلى حالة السلم، تبلورت نظرية العقد السياسي والاجتماعي التي بموجبها أودع الجميع سيادته لدى شخص الحاكم ليدبر هو هذه السيادة ويحقق السلم المطلوب.
من هذه النقطة بدأت تنضج نظريات الدولة الحديثة، التي وإن اختلفت في أشكالها، فإنها واحدة في جوهرها، يوحدها أساس العقد الإجتماعي.

ومع تطور البشرية واحتكاكها مع الواقع، بدأت تظهر بعض مثالب الحكام الذين وظفوا سيادات الناس المودعة لديهم للتسلط عليهم وانتهاك حقوقهم.

وعليه ظهرت نظرية فصل السلط، وبزغت مؤسسات دولتية جديدة تتقاسم باسم الشعب بعض السيادة مع الحاكم، إلى أن اهتدى الإنسان إلى الديمقراطية التي حسب نظره ستسمح للشعب بممارسة سيادته إما بصفة مباشرة أو غير مباشرة إلى جانب الحاكم عن طريق اختيار من يمثل إرادته في مؤسسات الدولة، أو عبر التصويت المباشر على القرارات الكبرى… .

ومع كل هذه الإجراءات التي توحي ظاهريا بتقدم الإنسان في تدبير الشأن العام لحياته عموما، وممارسة سيادته خصوصا. إلا أن المنقصة الظاهرة الخفية التي لا ينتبه اليها إلا الناظر المتبصر، تكمن في: أن أهم ما أنتجته وخَلَّفتَهُ الدولة الحديثة، انفصال السلطة السياسية عن المجتمع، وتَكَوُّن شخصية اعتبارية مستقلة نسميها اليوم الدولة.

انفصال ترافق مع منح الدولة الحديثة حق السيطرة الكاملة على المجتمع والتحكّم فيه أفرادا وجماعات. إن ما نعيشه اليوم في ظل الدولة الحديثة هو كثافة المؤسسات، وشمولها وعمق تدخلها في كل شؤون الحياة. وما يخيف اليوم، أن المؤسسات البيروقراطية لهذه الدولة تزداد في الاتساع والهيمنة، حتى أنها بلغت حد السيطرة على نشاطات مدنية كانت تدخل ضمن الحيز الشخصي للأفراد والجماعات، ونذكر منها على سبيل العد لا الحصر: الزواج، والعلاقات الأسرية، وعلاقاتها الجوار، واللباس…، وغيرها من المجالات التي تدخلت الدولة لتقنينها بدعوى تنظيم الحياة العامة التي تبطن القضاء على كل ما هو مدني مقابل سيطرة الدولة، عن قصد، على كل مفاصل المجتمع.
فالدولة الحديثة، ليست مدنية تعريفا، فما هي إلا مؤسسةُ حُكْمٍ تتجسد فيها سلطات. شبه مطلقة وتدعي حيازة الحق على التحكم بالمدني.

ومن الأمور الصادمة للبديهة، أن الدولة الحديثة التي نشأت في رحم علم السياسة الغربي، قد تمتعت بخصائص غيبية خارقة، لا تقل غيبية عن دولة الكنيسة التي تخلصت منها، فكلاهما يبشر من جهة، بالخلاص السعيد لكل من يخضع ويطيع(التعاليم/القوانين)، ويُسَلِّمُ بتعالي الدولة! وكلاهما يتوعد من جهة أخرى، بالانتقام والجحيم لمن يخالف النظام العام للدولة. وإن كان الاختلاف بين الدولتين في زمان ومكان تنفيذ الوعد والوعيد أي اختلاف بين وعد ووعيد السماء والأرض!
وقد يصاب القارئ من هذا التشخيص للدولة الحديثة التي يرى فيها اللائكيون أُسَّ “الدولة المدنية”، متسائلا وأين موقع الديمقراطية والمجتمع المدني والأحزاب والمؤسسات الأهلية من كل هذا السجال. ألا تشهد هذه المعطيات المتوفرة أمامنا على مدنية الدولة؟ ألا تتمتع كل هذه المؤسسات بحرية الفعل مدنيا داخل الدولة الحديثة؟ أم تراها جزء لا يتجزأ من كيان الدولة، ومن ثم استحالتها إلى أداة هيمنة تستعملها الدولة في الثخوم التي لا تقوى النفاذ إليها؟
سننافش في الجزء الثاني من هذا المقال المحاور التالية:
* عجز الديمقراطية عن الحد من تَغَوُّلِ الدولة الحديثة، بل مساعدتها في اكتساح الفضاءات المدنية والهيمنة عليها.
* عجز ما يسمى بالمجتمع المدني على التمتع هو ذاته بصفة المدنية في ظل الدولة الحديثة، وتحوله هو الآخر إلى أداة دولتية حتى وهو يمارس دور المعارضة!
* غياب المجتمع الأهلي، مقابل تشجيع الدولة الحديثة للمجتمع المدني.
* تغول الدولة وتضخمها يجعل الدول الديمقراطية والدول المستبدة سيان! سأبرهن على ذلك من خلال ثلاث خصائص مشتركة للدولة المتغولة أيا كان نمط الحكم فيها.
* فقدان المجتمع لكل مظاهر المدنية مقابل هيمنة القانوني، مما يجعل الأخلاق والقيم كمظهر مدني تقبع في ذيل أولويات الدولة الحديثة. وهذا ما يفسر طغيان السلوك القانوني على السلوك الأخلاقي في ظل هيمنة الدولة على المجتمع.
* لأخلص إلى تحديد مفهوم الدولة المدنية، ورسم أهم معالمها التي طمتسها الدولة الحديثة بتضخمها وتغولها وترويض كل ما هو مدني وجعله في خدمتها.
* ثم تقديم خلاصات مفادها أن المجتمع بأفراده وجماعاته ونظمه الأهليه، وعلاقاتها العرفية، وإرثه التاريخي لابد أن يستعيد فضاءاته المدنية من الدولة، في التعليم، وفض النزاعات، وتسيير المؤسسات الدينية، وتحديد أنماطه الإقتصادية، وترتيب هرمه الثقافي، ووضع المبادئ والقواعد الأخلاقية العامة…
كل هذه المحاور ستكون محط تحليل في الجزء الثاني من هذا المقال إن شاء الله.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: